1,345

في أحد الأديرة القابعة بطريق القاهرة – الإسكندرية الصحراوي، وبمجرد أن تتجاوز بوابة الدير تشعر أنك في عالم منفصل كليًة، لا شيء بالداخل يُشبه ما يدور بالخارج، مجتمع كامل متكامل، لا يحتاج مما يدور خارج أسواره شيئًا، بل يرسل لمن هم خارج أسواره من خيراته التي تنتجها أيدي أبنائه، من خضراوات، وفاكهة، ومواشٍ، ودواجن ينتجها الدير، ويُشرف على تلك الأعمال الزراعية ورعاية الدواجن أبناؤه من الرهبان.

منذ أيام قليلة كان يمكنك الزيارة والتجول بصحبة أحد الرهبان المتخصصين في استقبال زوار الدير الذين يرغبون في سبر أغوار هذا العالم المنعزل عنهم، ولو بالقليل من المعرفة، خطوات قليلة محددة مُسبقًا من قِبل إدارة الدير، يسير الزوار بالداخل بصحبة الراهب المرشد لهم في جولتهم، خلال هذه الرحلة يمكنك التجول لرؤية «قلايات» الرُهبان والمائدة الجماعية التي يجتمعون أحيانًا لتناول الطعام عليها.

يُحدثك الراهب المرشد عن آداب وسلوكيات الرهبنة، وما على الراهب فعله وما عليه تركه، وكيف تترسخ بوجدانهم قاعدة: «على ابن الطاعة تحلّ البركة»؛ ليسير كل شيء بحياتهم وفقًا لما يأمرهم به مُربيهم.

يصطحبك الراهب في جولة للأماكن المقدسة بالدير، والتي بها رُفات بعض القديسين، ويصطحبك لحجرة الضيافة التي يستقبلك بها شاب عشريني مبتسم يرتدي زي الرهبان الأبيض، فيُخبرك مرشدك أن هذا الشاب لازال في مرحلة ما قبل الرهبنة، ولم يُعتمد بعد، ثم يتم تقديم الطعام والشراب الذي يُعلن الراهب المرشد أنهم من صنع أبناء الدار، حيث كل ما يأكلونه هو نتاج عمل أيديهم، ويُعلن أيضًا أنهم يعملون في كل شيء، الزراعة والنجارة والحياكة والطهي، وكل الحرف والمهارات التي يحتاجون لها بالداخل تجد من يلبيها من بينهم، كذلك فهم يُصدرون صنع أيديهم إلى خارج أسوار ديرهم.

شروط الرهبنة ومراحلها

من خلال الراهب الشاب المُبتسم الذي يتولى أمر الخدمة في حجرة الضيافة، يمكنك أن تعرف القليل عن حياة الرهبنة، حيث يتقدم راغبي الرهبنة بطلبات تتضمن رغبتهم هذه، يتم البت في هذه الطلبات خلال فترة تتراوح ما بين العامين، وحتى الأربعة أعوام، وبعدما تتم الموافقة عليهم كرُهبان يتم تغيير اسمائهم «العلمانية» التي كانوا بها في العالم الخارجي إلى أسماء جديدة، مكونة من أحد الأسماء القبطية أو اليونانية ذات الدلالة الكنسية، بينما يحمل لقبه اسم الدير الذي ينتمي إليه، وآخر سن يمكن أن يتقدم فيه راغب الرهبنة بطلبه هذا هو سن الثلاثين عامًا، ولا ينبغي أن يقل عند تقدمه بالطلب عن الثالثة والعشرين من العمر، ولا يقل مؤهله عن التعليم الجامعي.

ينخرط الراهب في حياة الدير والخدمة والأعمال اليدوية والقراءة والبحث، بالإضافة إلى قراءاته التعبدية طوال نهاره وليله، ويكون مسموحًا له بمقابلة عائلته بين الحين والآخر، ويمر طريق رهبنته بعدة مراحل، أولها: التردد، وهو قيام طالب الرهبنة بالتردد على الدير ليتعرف على الرهبان، ويتعرفوا عليه لمدة لا تقل عن عام. أما المرحلة الثانية فهي: تلك المرحلة التي يرتدي فيها الراهب اللون الأزرق، وهي مرحلة الالتحاق كطالب رهبنة وتجربة الحياة داخل الدير، ويتم في هذه المرحلة متابعة الراهب نفسيًا من خلال الطبيب النفسي المتعاقد معه الدير مرة كل ثلاثة أشهر، بالإضافة إلى متابعة مشرفي الدار.

المرحلة الثانية تستمر على الأقل لمدة عامين، ثم تأتي المرحلة الثالثة، وهي: مرحلة ما قبل الرهبنة، ويرتدي خلالها طالب الرهبنة زيًا باللون الأبيض (أو البيج)، وهي المرحلة التى يقوم خلالها رئيس الدير مع مساعدين آخرين بتقييم عام لطالب الرهبنة من خلال تقارير المتابعة الربع سنوية المقدمة من جميع المشرفين بحد أقصى ثلاث سنوات من تاريخ التحاقه بالدير.

وتعريف الرهبنة وفقًا لما جاء بمقدمة قانون «الرهبنة القبطية» عام 2013، هي «الموت عن محبة العالم، وأن الرهبان هم ملائكة أرضيون، أو بشر سماويون، وان الرهبنة حياة ملائكية، وطريق للكمال المسيحي، قوامها البتولية، وهي عدم الزواج، والاكتفاء بالمسيح عريسًا لهم، كذلك يجب عليهم الحرص على سماع من يرشدهم لطريق الله حتى الموت، والخضوع لكل ما يحدث لهم؛ مما يتعارض مع رغباتهم، والفقر الاختياري هو أن يقوم المتقدم للرهبنة بترك جميع أمواله ومقتنياته ووظيفته ومستقبله العالمي، لا قصرًا، أو جبرًا، وإنما طاعًة واختياريًا».

الإثارة تخترق أسوار الدير الهادئة

يبدو كل شيء هادئًا جدًا، بل هو هادئ أكثر مما ينبغي، إلى الدرجة التي تجعل أخبارًا من قبيل مقتل أسقف، أو محاولة انتحار راهب شاب، أخبارًا تتناقض مع نمط الحياة الهادئة التي يمكنك أن تراها في زيارتك للأديرة.

«أعتذر لا أقدر على الرد.. رئيس الدير تنيح الليلة.. يوم حزين»، هكذا أجاب أحد الرُهبان من خلال رسالة هاتفية مقتضبة على الصحافيين الذين يحاولون التواصل معه بعد انتشار خبر وفاة الأنبا أبيفانيوس، رئيس دير الأنبا مقار، الدير الذي يقع بصحراء وادي النطرون محافظة البحيرة، تبعد صحراء وادي النطرون نحو 120 كيلومترا شمال غربي العاصمة القاهرة.

بعد قليل يتضح الأمر، ما حدث أن الأنبا قد قُتل، ولا يعلم أحد من القاتل؟ أو كيف حدث هذا داخل أسوار الدير، «انتظرناه في الكنيسة للصلاة، ولكننا ظللنا منتظرين كثيرًا دون أن يظهر، إلى أن وجده أحد الرُهبان ساقطًا عند السلم بالقرب من قلايته، لم ندر كيف نتحرك من أثر الصدمة والحزن، وكل ما فعلناه أننا أبلغنا البابا تواضروس بالأمر فورًا»، هكذا كان يجيب الرُهبان لإرواء شغف القلقين بالخارج بشأن ما يحدث داخل مجتمعهم المغلق.

الأمر خطير، يتحرك البابا تواضروس ويأمر الرُهبان بالصمت وعدم التحدث مع وسائل الإعلام، أو حتى عبر صفحاتهم الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، تصدر الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر بيانًا، تتخذ خلاله 12 قرارًا على خلفية الحادث، ومن بين هذه القرارات وقف رهبنة أو قبول إخوة جدد في جميع الأديرة القبطية الأرثوذكسية داخل مصر لمدة عام يبدأ من أغسطس (آب) 2018، وبخصوص الأماكن التي لم توافق البطريركية على إنشائها كأديرة، فسيتم تجريد من قام بهذا العمل من الرهبنة والكهنوت والإعلان عن ذلك، مع عدم السماح بأي أديرة جديدة، إلا التي تقوم على إعادة إحياء أديرة قديمة.

فضلًا عن الاهتمام والتدقيق بحياة الراهب والتزامه الرهباني داخل الدير، «واهتمامه بأبديته التي خرج من أجلها، ودون الحياد عنها»، كما وضع البيان بعض الأفعال التي إذا فعلها الراهب فإنه سيعرض نفسه للمساءلة والتجريد من الرهبنة والكهنوت، وهي: الظهور الإعلامي بأية صورة، ولأي سبب، وبأية وسيلة، والتورط في أي تعاملات مالية، أو مشروعات لم يكلفه بها ديره، أو التواجد خارج الدير بدون مبرر، والخروج والزيارات بدون إذن مسبق من رئيس الدير.

تلى هذا البيان بنحو ثلاثة أيام صدور قرار بخط يد البابا تواضروس بتجريد أحد الرُهبان من رهبانيته، وجاء في نص القرار: «بعد التحقيق الرهباني بواسطة لجنة خاصة مشكلة من اللجنة المجمعية لشئون الرهبنة والأديرة، مع الراهب أشعياء المقاري بخصوص الاتهامات والتصرفات التي صدرت عنه، والتي لا تليق بالسلوك الرهباني والحياة الديرية، والالتزام بمبادئ ونذور الرهبنة من الفقر الاختياري والطاعة والعفة، قررنا الآتي: تجريد الراهب المذكور وطرده من مجمع دير القديس العظيم مكاريوس الكبير بوادي النطرون، عودته إلى اسمه العلماني (وائل سعد تاوضروس)، وعدم انتسابه إلى الرهبنة، حثه على التوبة وإصلاح حياته من أجل خلاصه وأبديته».

قرار الكنيسة بتجريد الراهب

ومن جهة أخرى أصدر القمص بولس حليم المتحدث الاعلامي للكنيسة بيانًا يوضح فيه أنه لا علاقة لقرار تجريد الراهب أشعياء المقارى بمقتل رئيس الدير الأنبا إبيفانيوس، وقال البيان ـ بخصوص الراهب أشعياء المقاري الذي تم تجريده – «ننوه إلى أن قرار التجريد تم لأسباب رهبانية بحتة، ولا علاقة للقرار بالتحقيقات التي تجرى الآن، والخاصة بموضوع استشهاد نيافة الأنبا إبيفانيوس».، نافيًا ما يتردد في أذهان البعض من اتهام لأشعياء، خاصًة أنه كان على خلاف مع الأنبا إبيفانيوس رئيس الدير، وقد تقدم أبيفانيوس بطلب للبابا تواضروس الثاني في فبراير (شباط) الماضي يطلب نقل أشعياء من الدير، وصدر بالفعل قرار باباوي بذلك، إلا أن أشعياء تمكن من جمع توقيعات من زملائه تطالب بالإبقاء عليه بينهم، بلغت 45 توقيعًا، وقد ظل في الدير حتى صدور قرار تجريده الأخير.

خلال أيام قليلة أصبح دير أبو مقار مكانًا يكتنفه الغموض من كل جانب، إلى الدرجة التي جعلت البعض يشبهونه بساحات الروايات البوليسية التي أجرى عليها الكاتب الأمريكي العالمي دان براون أحداثه التي تخص الكنيسة، ويبدو أن الأمر لم يتوقف بعد على ما حدث داخل أسوار الدير حتى الآن، فقد انتشر خبر مفاده أن راهبًا شابًا يُدعى فلتاؤس المقاري قد حاول الانتحار بقطع شريان يده، وإلقاء نفسه من أعلى مبنى مرتفع بالدير، بحسب مصادر كنسية بدير القديس أبو مقار بوادي النطرون.

والراهب فلتاؤس، الذي زاد من علامات الاستفهام عمّا يحدث داخل دير أبو مقار، هو راهب شاب في الثلاثينات من العمر، وكان باحثًا متخصصًا في التاريخ الكنسي، وأصدر الكثير من الدراسات والأبحاث عن تاريخ آباء الكنيسة، كان من بينها بحث عن القديس تادرس المشرقي، راجعه الأنبا إبيفانيوس رئيس الدير الراحل بنفسه.