في أحد الأحياء الفقيرة، بالعاصمة الأردنية، «عَمّان»، يسكن المواطن الأردني «سائد»، الذي حاول الانتحار أكثر من مرة، لكنه فشل. فشله المتكرر في الانتحار جعله يقول «أنا فاشل في كل شيء، حتى الانتحار».

أجبروه على ترك دراسته قبل أن يتجاوز الـ14 عامًا، أجبره أهله على الخروج للعمل وجلب المال، وحين يخرج ويعود بدون مال، كان يتعرض للضرب المبرح من والده. كل ذلك دفع سائد للقول، إنه في الحقيقة لا يريد الموت، لكن الحياة هي التي لا تريده.

في عام 2014، قرر طفل لم يبلغ من العمر سوى تسعة أعوام، في مدينة «الزرقاء»، الواقعة شمال العاصمة عمان، أن ينتحر؛ هربًا من سخرية أصدقائه من يده المشوهة، وإهمال أهله لشكواه المتكررة من سخرية زملائه؛ لانشغالهم بكسب قوت اليوم، وإعداد الأبناء للامتحانات الدراسية، وسط سرعة الحياة القاسية التي لا ترحم، ولا تعطي وقتًا جانبيًا للاستماع لأية مشكلة نفسية.

ارتفاع مذهل في أعداد المنتحرين بالأردن

في الوقت الذي يجري فيه تداولٌ واسع لصور العائلة المالكة الأردنية، التي تنشرها زوجة الملك على مواقع التواصل الاجتماعي؛ مُعبّرةً عن سعادة وبهجة كبيرة تتمتع بها هذه العائلة، التي تُعطي الصور انطباعًا بترابطها؛ تراجع مؤشر «السعادة» في «الأردن» بشدة، بحسب التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة؛ إذ كانت الأردن تحتل المرتبة 72، فيما يتعلق بمؤشر السعادة، عام 2010، وصارت تحتل المرتبة 82، بحلول عام 2015.

وبحسب تقارير «إدارة المعلومات الجنائية» في الأردن، فقد ارتفعت حالات الانتحار في الأردن بوتيرة غير مسبوقة؛ ففي العام 2009، بلغت حالات الانتحار المعترف بها 34 حالة، ثم ارتفع الرقم في عام 2010 إلى 49 حالة، ووصل في عام 2012 إلى 100 حالة، وفي عام 2013، بلغت حالات الانتحار المعترف بها 108 حالة، وبلغت حالات التلويح بالانتحار، ومحاولات الانتحار الفاشلة 504 حالة.

وبحسب مستشار الطب النفسي الأردني، «عبد الرحمن مزهر»، فإن نسبة الانتحار في الأردن، تصل إلى 2.4 شخص من كل 100 ألف سنويًا، بحسب تقرير نشرته منظمة الصحة العالمية.

تشير التقارير الصحافية إلى أن أغلب المنتحرين في الأردن، هم إما من المحبطين عاطفيًا أو العاطلين عن العمل، وهم من الذكور والإناث أيضًا، وغالبية المنتحرين في الأردن هم من الشباب، الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18 و30 عامًا.

«الدولة البريئة»

تتعامل الدولة الأردنية مع المنتحرين، على أنهم حالات فردية، مصابة بأمراض نفسية خطيرة، تدفعها للانتحار. باختصار تتعامل الدولة مع حالات الانتحار، بوصفها ابتلاءً نفسيًا أصاب العديد من شباب الوطن، وليس للدولة أية مسئولية أو دور تجاهه، وليست للتحولات العميقة التي أجرتها الدولة خلال العقدين الماضيين أية علاقة به.

رسم كاريكاتيري عن ارتفاع حالات الانتحار بالأردن (المصدر: عمان.نت)

وفي خلال الخمس سنوات الماضية، ومع الارتفاع الكبير في أعداد محاولات الانتحار في البلاد، لم تعز الدولة أية محاولة من تلك المحاولات إلى البطالة أو الفقر، حتى تلك الحالات التي قام فيها الضحايا بحرق أنفسهم؛ نتيجة أوضاعهم المادية السيئة، كان التعليق الوحيد الذي يصدر من الدولة تجاه أية حالة، «أنها كانت تعاني من الأمراض النفسية».

في مايو (أيار) المنصرم، كانت المرة الأولى التي تعترف فيها الدولة بأن محاولة الانتحار كانت نتيجة البطالة؛ بعد أن تمكنت أجهزة الأمن من إحباط محاولة انتحار قام بها خمسة شبان، من محافظة «عجلون» شمال العاصمة.

وأكد هؤلاء الشباب، أنهم اتخذوا قرار الانتحار؛ بعد فشلهم التام في الحصول على وظيفة في أي فندق أو مطعم بالعاصمة، بعد أن استنفدوا سبل البحث عن عمل داخل قريتهم الأصلية.

في الواقع، بعد تلك الحادثة، كان العديد من الشباب الأردني، قد طفح بهم الكيل؛ من إنكار الدولة للأسباب العميقة للانتحار، والتي تتسبب فيها الدولة، من وجهة نظرهم، فأنشأوا دعوة على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، للانتحار الجماعي في يوم 30 من نفس الشهر، قبل أن تغلق إدارة موقع التواصل الاجتماعي صفحة الدعوة، وتعلن السلطات الأردنية ملاحقتها للقائمين على تلك الدعوة، بالرغم من تأكيد هؤلاء الشباب على أن الدعوة هي دعوة لمشهد انتحاري رمزي، لمن اعتبروهم شباب الأردن البائس؛ بعد عقود من اتباع سياسات اقتصادية؛ أدت إلى كل هذا اليأس بين الشباب.

وكتب القائمون على تلك الدعوة «نظرًا للإهمال المتعمّد من الحكومة، والاستغلال من قبل أصحاب العمل، ولأننا شباب في مقتبل العمر، ونملك طاقات نحرم من استغلالها، وبسبب سوء إدارة الاقتصاد الأردني والفساد المستشري في جسد الوطن، وبعد المشاورات واستنفاد كل الحلول، قررنا القيام بانتحار جماعي؛ لتسليط الضوء على قضيتنا».

في نفس السياق تقول أستاذة علم النفس، «فداء أبو الخير»، عن التزايد المستمر في حالات الانتحار، وتعامل الدولة مع هذا الملف «عادة، ينظر إلى كلّ من يقدم على الانتحار على أنّه مريض نفسي. وهذا ظلم؛ لا يقدم كل مريض نفسي على الانتحار. ثمّة أسباب عدة قد تدفع الإنسان إلى الانتحار، منها المشاكل الاقتصادية كالفقر والبطالة والمشاكل الاجتماعية».

وبحسب الباحث المتخصص في علم الاجتماع، «حسين خزاعي»، فإن الدعوة إلى الانتحار الجماعي، تعود إلى تشابه الهموم والمشاكل التي يعاني منها شباب الأردن، وهي الفقر والبطالة في الأساس؛ إذ تعاني الأردن من البطالة من 40 عامًا.

البطالة التي لا تتأثر بالنمو أو الركود

وفيما يخص البطالة، فقد ظلت تدور حول نسبة 13% بالأردن، حتى عندما تصل معدلات النمو بالاقتصاد الأردني إلى 6%، أو حين تصل نسبة الركود إلى 2.5%، وهو ما يعرب عن أن مشكلة البطالة، هي أزمة أساسية في بنية النظام الاقتصادي الأردني، بعيدًا عن أي تطور يشهده هذا الاقتصاد، سواء بالسلب أو الإيجاب.

ترى الدولة أن مهمتها الأولى، وربما الوحيدة، هي إدارة عجز الموازنة الدائم؛ إذ تبلغ نسبة صافي الدين العام إلى الناتج المحلي في الأردن 82%، بدلًا من محاولة إيجاد فلسفة اقتصادية جديدة، للتعامل مع المشاكل المستقرة في بنية الاقتصاد الأردني الحالي.

بحسب إحصاء مركز «بيو» الأمريكي للأبحاث، فإن نسبة 73% من الأردنيين، لديهم نظرة سلبية للأوضاع الاقتصادية في بلادهم.

وارتفع معدل البطالة في عام 2016 إلى 14.6%، وقد ارتفعت البطالة بشدة بين حملة الشهادات العليا تحديدًا، ووصل معدلها إلى 20.2%، بالمقارنة مع بقية المستويات التعليمية المختلفة.

وعلى الجانب الآخر، يدفع المواطن الأردني حوالي 65 ضريبة مباشرة وغير مباشرة، ومنذ عام 2012، صُممت ميزانية الدولة، على زيادة الضرائب الخاصة، ورفع أسعار المياه والكهرباء والمحروقات، وإلغاء الإعفاء الضريبي عن بعض السلع.؛ فالضرائب التي تجبى من الشعب صاحب معدلات الانتحار المرتفعة هذه، هي التي تمول الخزينة وتمول الإنفاق.

وبحسب الباحث الاقتصادي الأردني، «محمد السعود»، فإن ارتفاع نسبة البطالة، وتراجع الدعم المجتمعي في الأردن، بالإضافة إلى انتشار الفساد في المؤسسات العامة والخاصة، وتفاقم المديونية الحكومية، هي عوامل قد أثرت بشكل كبير على استقرار المجتمع الأردني، وألقت بظلالها العنيفة على الحالة النفسية للشاب الأردني.

وبحسب الباحث، «مسعف رمضان»، فإن حالات الانتحار، والاكتئاب الجماعي في الأردن، هو نتيجة إحساس المواطن بالاغتراب والإحباط؛ اللذين ولدهما عجزه عن مجاراة التطورات الشرسة في المجتمع، بالأخص تلك التطورات الاقتصادية، المتعلقة بالخصخصة وتحرير التجارة والأسعار، وخلق تلك الهوة الكبيرة بين متطلبات استهلاك ومداخيل 90% من السكان.

الأسباب العميقة لدعوة الانتحار الجماعي

الأردن يحكمه ملك غير منتخب، هو الملك «عبد الله الثاني بن الحسين»، يحتكر ـ بشكل شبه كامل ـ السيطرة على السياسة في الأردن، ويمتلك جهاز مخابرات عامة، هو واحد من أكثر الأجهزة إثارة للرعب في العالم العربي، وانتقاد الملك هو جريمة يعاقب عليها القانون، لكن غالبًا ما تتكفل الشرطة السياسية (المخابرات) بالعقاب.

على الجانب الآخر من الملك الذي يحتكر السلطة، فإن الأردن دولة تمتلك موارد محدودة، ولا تستطيع أن تعيش بتركيبة اقتصادها الحالي، بدون تلقي المساعدات الاقتصادية من الأطراف الخارجية، وقد استطاع الملك أن يسكن دائمًا آلام اقتصاد بلاده، الذي يعاني من مشاكل جوهرية، عبر مساعدات ممالك الخليج.

)vb.n4hr.comهل من الممكن أن يُكمل الأردن بتركية السلطة الحالية مع قلة موارده؟ (مصدر الصورة:

مع نهاية ثمانينات القرن العشرين، انهارت القيمة الشرائية للدينار الأردني، وفقد سعر الصرف أكثر من نصف قيمته في فترة قصيرة؛ عقب سلسة من الانهيارات أمام العملات الدولية.

كان ذلك في أعقاب الفشل الكبير في إقامة صناعة وطنية حقيقية، تستغل الدعم المالي الذي تلقته الأردن آنذاك من دول الخليج العربي؛ إذ لم ينتج من هذا الدعم سوى تشكيل طبقة «بيروقراطية» ضخمة، وغير منتجة، و«قطاع عام» يعاني بشدة من الفساد المالي والإداري.

اتجهت الأردن منذ عام 1989، إلى «النيو ـ ليبرالية» الاقتصادية، والانصياع الكامل لشرط «صندوق النقد الدولي»، و«منظمة التجارة العالمية»، ومن ثم اتخاذ خطوات سريعة في «الخصخصة»، وبيع القطاع العام للرأسمالية الأجنبية، ويخضع الاقتصاد الأردني، بشكل أساسي، لسيطرة القطاع الخاص الأجنبي.

ويلفت العديد من المراقبين هنا إلى أنه، بينما، كانت تجري الليبرالية الاقتصادية بسرعة شديدة في الأردن، كانت الليبرالية السياسية تُعرقل بشدة؛ إذ تمارس الدولة أقصى درجات القمع، والتزوير، وتعطيل أدوار المؤسسة التشريعية والقضائية.

في عصر النيوليبرالية الأردني، انسحبت الدولة من حماية ودعم الفئات الأضعف في المجتمع، لكنها لم تنسحب من الاقتصاد، كما هو مقرر في النظرية النيوليبرالية.

على العكس؛ إذ صارت شريحة رجال الأعمال تستولي، أكثر فأكثر، على السلطات التنفيذية والتشريعية.

على كل حال، فإن الهبتين الثوريتين الأكبر في تاريخ الأردن الحديث، كانتا نتيجة للسياسات الاقتصادية النيوليبرالية التي اتبعتها المملكة الأردنية.

فالهبة العنيفة التي اندلعت عام 1989، كانت نتيجة أول توجه أردني للنيوليبرالية، متمثل في خفض الدعم، ذلك الخفض المفروض من قبل صندوق النقد الدولي، وهو ما دفع أعدادًا كبيرة من الشرق أردنيين القبليين للاحتجاج، على النتائج الأولى لليبرالية الاقتصادية، والانحياز التام للولايات المتحدة الأمريكية.

والحراك الثاني أيضًا الذي بدأ في عام 2011، بات العديد من المحللين ينظرون إليه، بوصفه احتجاجًا واسعًا، من الريفيين الفقراء، على الإصلاحات الاقتصادية النيوليبرالية، التي تسارعت وتيرتها للغاية في عهد الملك عبد الله؛

فمنذ أن تولى الملك عبد الله مقاليد الحكم، انتهج الإصلاحات النيوليبرالية بشكل أكثر جذرية، وشكل تحالفًا واسعًا مع طبقة الأثرياء، ورجال الأعمال الشبان الجدد، وعمل على تفكيك مؤسسات التعدين والطاقة والاتصالات، التابعة للقطاع العام.

فهل، يا ترى، لا يقع على عاتق الدولة، أي ذنب، في ارتفاع مُعدلات الانتحار خلال السنوات الأخيرة؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد