استفاق الرأي العام المغربي، قبل يومين، على وقع خبر انتحار طفلة بعمر 12 سنة في «سوق الأربعاء» غرب المغرب، بعدما تعرضت للاغتصاب، إلا أنها ليست الحالة الوحيدة التي وضعت حدًّا لحياتها، بل تداولت الصحافة المغربية على الأقل خمس حوادث انتحار في مناطق متفرقة بالمغرب في ظرف أسبوع واحد.

أعادت تلك الأحداث فتح النقاش بين المهتمين، حول دواعي تفشي الظاهرة بشكل يثير الرعب داخل المجتمع المغربي خلال السنوات الأخيرة، وكذا مساءلة الدولة حول مدى مسؤوليتها في تحمل الأوضاع التي قادت المنتحرين إلى حتفهم.

أرقام حول تفشي الانتحار في المغرب

تقول منظمة الصحة العالمية إنه في كل عام يضع أكثر من 800 ألف شخص نهاية لحياته، ما يعني أن كل أربعين ثانية ينتحر شخص ما في مكان ما، منبهة إلى أن 75% من حوادث الانتحار في العالم مسجلة بالبلدان المنخفضة، والمتوسطة الدخل. ويعتبر الانتحار، حسب إحصاءات المنظمة، ثاني أهم سبب للوفاة بين من تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عامًا، كما تورد أن ابتلاع المبيدات والشنق والأسلحة النارية، هي الأساليب الأكثر شيوعًا للانتحار على مستوى العالم.

أما على مستوى المغرب، فتتجنب السلطات الرسمية توثيق شيوع الظاهرة في البلاد، غير أن آخر تقرير أعدته منظمة الصحة العالمية حول الانتحار الصادر سنة 2014، يذكر أن عدد حالات الانتحار بالمغرب تضاعفت ما بين سنتي 2000 و2012 بنسبة 97.8%، حيث انتقل معدل حوادث الانتحار من 2.7 لكل مائة ألف سنة 2000 إلى 5.3 لكل مائة ألف سنة 2012.

 

وبلغ عدد الانتحارات في المغرب سنة 2012، وفق منظمة الصحة العالية، 1628 حالة انتحار، محتلًا بذلك الرتبة الثانية بعد السودان بين البلدان العربية الأكثر احتضانًا للظاهرة، يمثل الرجال 87% من هؤلاء المنتحرين بنحو 1431 حالة انتحار، و198 حالة فقط منهم نساء.

ولم تستثن حالات الانتحار بالمغرب أي مرحلة عمرية بما في ذلك الأطفال، إلا أنه لوحظ ارتفاع نسبة الإقدام على الانتحار في فئة المسنين، بتسجيل معدل 14.4 حالة من كل مائة ألف مسن في سنة 2012، فيما لم تتعد النسبة الخمسة من كل مائة ألف في باقي الشرائح العمرية.

بجانب ذلك، تضيف المنظمة أن ثلاثة ملايين مغربي يتمنون الموت بفعل انتشار نسب البطالة والفقر والاكتئاب، علاوة على محاولات الانتحار الفاشلة، التي تفوق أعداد المنتحرين السالفة.

ما عوامل الظاهرة؟

تذهب الدراسات المتناولة لظاهرة الانتحار بشكل عام إلى ثلاثة عوامل بارزة، ممثلة في أسباب اجتماعية، ونفسية، وأخرى جينية تؤجج السلوك الانتحاري لدى الفرد، وتذكر منظمة الصحة العالمية أن ظاهرة الانتحار عادةً ما تكون مرتبطة بالأشخاص الذين يفقدون القدرة على مواجهة ضغوط الحياة، والمشاكل الأسرية، والعاطفية، والمالية، والذين يعانون من اضطرابات نفسية، أو أمراض مزمنة، أو حالات إدمان، وأيضًا الأقليات المضطهدة في المجتمعات.

لكن بالنسبة للمغرب، لا توجد محليًّا دراسات ميدانية علمية تبحث في عوامل تفشي الانتحار بالبلاد، إلا أن معظم المتخصصين يفترضون أن للفقر والبطالة والتفاوت الاجتماعي الحاد دورًا بارزًا وراء الظاهرة.

فيرى الباحث الاجتماعي علي الشعانبي، في هذا السياق، أن شيوع الانتحار ناجمٌ عن «تراكم الإحباط والعقد نتيجة التطلع لتغيير المستوى الاجتماعي، ما يجعل الإنسان ينزع نحو الانتقام من الذات، وتحول العدوانية الخارجية إلى العدوانية نحو الذات».

ويشهد المغرب استفحال ظواهر الفقر والبطالة والتفاوت الاجتماعي، مثلما يشكو المغاربة من ضعف خدمات الدولة الصحية والتعليمية، الأمر الذي ربما يحيل إلى دور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة في تشكيل هذا السلوك المدمر للذات، خاصةً وأن حوادث الانتحار تحضر بنسبة أكبر بين الأفراد ذوي الدخل المنخفض، والمتوسط.

 

بينما يذهب الأخصائي في الطب النفسي العصبي، عبد اللطيف الركادي، إلى أن بعض الاضطرابات النفسية، مثل الاكتئاب وثنائي القطبية وانفصام الشخصية، قد تقود إلى الانتحار في مراحلها المتأخرة إذا لم تعالج.

وكانت دراسة أعدتها وزارة الصحة المغربية بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، قد أفادت بأن نصف المغاربة تقريبًا مرضى نفسيون حسب المعايير العالمية للاضطرابات النفسية، كما تجدر الإشارة إلى أن المغرب يحتل المرتبة 99 في مؤشرة السعادة من 156 دولة، حسب دراسة لجامعة كولومبيا في الولايات المتحدة.

من جهة أخرى، يميز المتخصصون الاجتماعيون بين أنواع عدة من الانتحار، فهناك الانتحار الاحتجاجي كحوادث حرق الذات التي تعتبر بمثابة صرخة تجاه أداء الدولة، وهناك الانتحار العقابي الذي يحمل الذات مسؤولية الأوضاع السيئة، كما يوجد الانتحار الطوعي الذي يعمد فيه الأفراد إلى إفناء ذواتهم من أجل قناعات سياسية، أو دينية، أو نفسية، والانتحار البطيء المرتبط بالعادات القاتلة مثل مدمني المخدرات، ومتهوري الطرق، وكذلك الانتحار الاحتمالي حين يجازف الأفراد بحياتهم للوصول إلى غايات معينة، كالشأن مع ركوب قوارب الهجرة، وأخيرًا هناك الانتحار الجبري الذي عادة ما تكون وراءه عوامل عصبية أو جينية.

كيف نواجه الظاهرة؟

تعتبر منظمة الصحة العالمية الانتحار أحد القضايا الأولوية في الصحة العالمية، وسبق لها أن أصدرت تقريرًا سنة 2014 تحت عنوان «الوقاية من الانتحار: ظاهرة عالمية»، كما أنها تنشر دلائل توجيهية تقنية، مستندة إلى البيانات والأبحاث العلمية، لمساعدة البلدان على تحسين الرعاية الصحية النفسية لديها.

وينصح خبراء المنظمة دول العالم للحد من استفحال ظاهرة الانتحار، بتقليل فرص الوصول لأدوات الانتحار، مثل الأسلحة النارية، والمبيدات، والأدوية الخطيرة، وتكوين الأطر الصحية النفسية القادرة على التعامل مع ذوي الميول الانتحارية بشكل احترافي، مثلما يحثون على وضع سياسة متكاملة، تضم تضافر جهود قطاع التعليم، والإعلام، والقانون، والصحة، والمجتمع المدني لمحاصرة الظاهرة.

لكن على مستوى المغرب، لا تبدو هناك سياسات جدية تهتم بتفشي الانتحار في المجتمع، وذلك، من جهة أولى، لأسباب ثقافية تربط الانتحار بـ«العار» و«الخطيئة الدينية الكبرى»، مما يؤدي إلى عدم الاعتراف بالمشكلة، وبالتالي غياب وعي مجتمعي قادر على مناقشة المشكلة علنًا، وإيجاد حلول لها، كقضية صحة عمومية. ومن جهة ثانية يصعب غياب البيانات الكافية والدقيقة حول ظاهرة الانتحار بالمغرب مهمة معالجتها، حيث تتجنب مؤسسات الدولة والأسر سواء تسجيل حالات الانتحار ومحاولات الانتحار، للحساسية المجتمعية للظاهرة.

وتعد جمعية «ابتسامة رضا» إحدى المنظمات المدنية القليلة في المغرب، المهتمة بتوعية حول الظاهرة، وترأس الجمعية الأم «مريم بوزيدي عراقي»، عاشت مأساة إقدام ابنها رضا على الانتحار عام 2009، وهو في عمر 13 سنة.

وتبقى ظاهرة الانتحار قضيةً مركبةً، تستدعي جهود متفرقة لتوفير بيئة سليمة يعيش فيها الأفراد، الأمر الذي يضع على عاتق مؤسسات الدولة، ثم المجتمع المدني، مسؤولية تحسين الأوضاع الاقتصادية، والاجتماعية، وتوفير الخدمات الصحية، والنفسية الجيدة للعموم.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد