ما الذي يتوجَّب علينا فعله تجاه الماضي؟ إذا كانَ الذي يُسيطر على الماضي سيسيطرُ على المستقبل كما يقول جورج أورويل، فربَّما يتوجَّب علينا إذن أن نُحيِي الماضي دومًا، الماضي الذي سيظلّ الإنسانُ المعاصر في توقٍ دائمٍ إليه. «أيَّام كنَّا صغارًا» هذه العبارة التي يرردها جيل الآباءِ دومًا، ويرددها أغلب الشباب كذلك، هل ينفصلُ الماضي أبدًا عن المكونات الحالية للإنسان؟ بالطبع سيكون الجواب أن: لا. فإذن لنفتح الماضي لعلنا نجدُ فيهِ شيئًا جميلًا أو حكمةً صاغها الرَّاحلون.

1- سُليمان خاطر: الفلَّاح المصري البسيط

لم تُستخرج شهادة وفاة حتَّى الآن لسليمان خاطر

ليس أبرز هذه الأيام من الأحداث التي تدور في فلسطين المحتلَّة من حوادث الطَّعن التي يقوم بها فلسطينيون تجاه مستوطنين وجُنود إسرائيليون. وفي شهر أكتوبر وفي ذكرى النصر العربي على إسرائيل، ربما كان من الجيد فتح ذكرى المجنَّد سليمان خاطر، مجند الأمن المركزي الذي قتل سبعة إسرائيليين وأصاب خمسة آخرين حينما كان يؤدِّي خدمته العسكرية بجنوب سيناء. المعارضين لاتفاقيَّة السلام مع إسرائيل اعتبروه أيقونةً ضدّ التطبيع، امتلأ بيتُه في محافظة الشرقية بالمثقَّفين وزعماء المعارضة. الجدير بالذكر أنّ خاطر لم يكن الجندي المصريّ الوحيد الذي يقتل إسرائيليين على الحدود المصريَّة، هناك العديد من هذه الحوادث التي برزت في الثمانينيات تحديدًا، أبرز هذه الحوادث قامت بها منظمة ثورة مصر التي كانت مكونة من ضُبَّاط مصريين ومدنين رفضوا التطبيع.

معاهدة السلام

ولد خاطر في الشرقية، وشهد في طفولته النكسة عام 1967، لكنّ الحدث الأبرز الذي تحدَّث عنه إخوته والذي كان مؤثِّرًا في حياته كان قصف القوَّات الاسرائيلية لمدرسة بحر البقر القريبة من قريته عام 1970. قُتل أثناء الهجوم 30 طفلًا وأصيب 50. كان خاطر حينها في التَّاسعة من عمره فقط. لكنَّه ركض نحو المدرسة التي قُصفت، وفقًا لرواية أخته أمّ عاصم. ربَّما لم يكن الأمرُ مؤثِّرًا، ولم تكن هذه الحادثة هي السبب الرئيسيّ الذي جعل خاطر يقوم بمخاطرته التي قتل فيها إسرائيليين غير عسكريين، ولكنّ الإشارة إليها هام خصوصًا أنّ الوجدان المصري الجمعي يعتبر إسرائيل عدوًّا غاصبًا لا يمكن التصالح معه.

2- No Passing: لن يمرّ الاسرائيليون إلى نقطة الحراسة

وقت الغروب، الخامس من أكتوبر وقبل ذكرى النَّصر بيومٍ واحد، عام 1985. وبينما يقوم خاطر بنوبة حراسَتِهِ في منطقة رأس برقة بجنوب سيناء حاول بعض السيَّاح الإسرائيليين تسلُّق الهضبة التي تقع عليها نقطة حراسته. حاول خاطر توقيفهم بالصوت «No Passing» بالانجليزية ثمّ بالعربية «غير مسموح بالعبور». لم يستجيبوا لهُ فقام بضرب طلقات تحذيريَّة. لكنهم لم يستجيبوا لهُ مرةً أخرى فقتل منهم سبعة وأصاب خمسة آخرين. من بينهم أطفال.

كان ضمن هؤلاء السيَّاح رئيس المحكمة العسكرية الإسرائيلية العليا. وفقًا لزوج أخت سليمان خاطر قام الحرس الخاص برئيس المحكمة بالتعامل مع سليمان بالرصاص حين أطلق الطلقات التحذيرية وهذا ما جعلهُ يقوم بإطلاق الطلقات نحوهم.

هذه الرواية تعتمد على رواية أهل سليمان وروايته هو نفسه في التحقيق.

جندي مصري

3- الرواية الرسمية: سُليمان مريض نفسي

«اطلعت اللجنة على تقرير الاختبارات النفسية التي أجريت للرقيب المذكور، والتي ملخَّصها أن المذكور يعاني من قلق واكتئاب نفسيّ ويحتمل أن تكون هناك بدايات لعملية ذهانية «عقلية» كرد فعل لشدة ما تواجهه الذات من ضغوط في مجال العلاقة بنفسها أو بالواقع.» * من تقرير اللجنة الطبيَّة العسكريَّة

وفقًا لتقرير اللجنة الطبية العسكريَّة فإنّ الرواية كالتالي (بعد أن استعرض التقرير الحالة النفسية لسليمان وكذا الحالة الأسرية ووفاة والده وانطوائية سليمان وغيرها من الشواهد وبعد أن تم احتجازه بمستشفى السويس العسكرية، قسم الأمراض النفسيَّة). تقدَّم بعض الأفراد في الظلام من سليمان، لكنّ سليمان شعر بالذعر، حاول أن يُثنيهم عن تقدُّمِهِم أكثر من مرَّة بالإنجليزية والعربية لكنّ هذه الكلمات لم تثنِهم، حاول سليمان إيهامهم بانَّه سيطلق النيران ولكنه كان مرتعدًا، وبينما هو يمسك سلاحه انطلقت منه طلقة فجأةً ودونَ قصدٍ منه، ووجد شخصًا منهم وقع على الأرض والدماء تنزفُ منه، وهنا لم يشعر سليمان بما حدث بعد ذلك، حتى وجد نفسه بعد ذلك راقدًا على منطقة أخرى من الجبل.

للاطلاع على تقرير اللجنة العكسريَّة الطبيَّة، من هنا

4- ماذا بعد؟

«أنا لا أخشى الموت ولا أرهبه، إنه قضاءُ الله وقدرُه، لكنَّني أخشى أن يكون للحُكم الذي سوف يصدر ضدي آثار سيئة على زملائي، تصيبهم بالخوف وتقتُلُ فيهم وطنيَّتهم، إن هذا الحكم هو حكم ضد مصر، لأنني جندي مصري أدَّى واجبه، روحوا واحرسوا سينا، سليمان مش عايز حراسة.» *من كلمات سليمان قبل إصدار الحكم

سلَّمَ خاطر نفسهُ بعد هذه الحادثة، تمّ احتجازة في المستشفى العسكريّ بالسُّويس، قسم الأمراض النفسيَّة، وتمّت محاكمته عسكريًّا بقرارٍ جمهوريّ بموجب قانون الطوارئ! قام محامية صلاح أبو إسماعيل بالطَّعن على هذا القرار في محاولةٍ منهُ لمحاكمته أمام قاضيه الطبيعي، ولكنّ الطعن لم يُفد شيئًا أمام قرار الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك. حُكم على سليمان بالمؤبَّد (25 عامًا من السجن مع الأشغال الشَّاقة). صدر الحُكم في 28 ديسمبر 1985. وتمّ نقله إلى السِّجن الحربي بالقاهرة، ولكنَّهُ ما إن وصل السجن حتَّى تمّ نقله إلى مستشفى السجن بدعوى معالجته من البلهارسيا، ولكنَّه في اليوم التَّاسع من الدخول للمستفى وُجِدَ ميِّتًا في حجرته، أذاعت الصحف خبر وفاته على أنَّهُ انتحار، ولكنّ أسرته يشكِّكونَ في هذه الرواية، تشكيكًا كاملًا.


5- هل انتحر سُليمان حقًّا؟!

وفقًا للطبّ الشرعيّ فقد انتحر سليمان، بينما استطاعت الصُّحف القومية المصريَّة أن تدلي بدلوها أيضًا، فقد قالت مجلة المصوِّر أن الانتحار تمّ بملاءة السرير، بينما قالت بعض الصحف بأنه شنق نفسه على نافذة ترتفع عن الأرض بثلاثة أمتار. لكنّ عائلة خاطر لا تُصدِّق ما حدث، خصوصًا بعد أن: 1- تبيَّن لهم أنّ أصابع سليمان بها آثار تكسير ما يعني أنَّه قاوم قبل أن يتمّ (قتله)، هذا وفقًا لرواية أهل خاطر. 2- لأنهم طلبوا إعادة تشريح الجثَّة عن طريق لجنة مستقلَّة لمعرفة سبب الوفاة الحقيقي ولكنّ طلبهم قوبل بالرَّفض، ما رجَّح لديهم أنَّه سليمان ابنهم تمَّت تصفيته. سبب ثالث يذكرهُ زوج أخته وهو:

3- قبل وفاته بيوم تمّ ترتيب زيارة له، زيارة لأهله كلهم. أخبرهم سليمان أنّ أحد الضباط المسؤولين بالسجن سأله من تريد أن ترى؟ وجهَّز الزيارة التي تمّ إخبارهم بها في يومها. حين زاروه طلب منهم بدلة صوف ومعجون أسنان وكتبًا في القانون (كان سليمان خريجًا لكلية الحقوق). يتساءل أهل سليمان لماذا طلب هذه الطلبات كلها لو كان يُخطط للانتحار بعدها بساعات؟ ولماذا كانت هذه الزيارة المفاجئة التي جاءتهم على حين غرَّة؟

صديق سليمان حمدي كسكين يقول بأنّ وفاة خاطر كانت مُدبَّرة، وقبل وفاته بيومٍ واحد زاره ووجد عنده الصحفي المحسوب على النظام السابق (مكرم محمد أحمد) وأحد المصورين وأستاذ الطبّ النفسيّ محمد شعلان. وفقًا لكسكين أنّ الأسئلة التي وجهها له مكرم محمد أحمد تحمل في فحواها أنَّ هناك تخطيطًا لشئٍ ما سيلحق بسليمان، من هذه الأسئلة أن مكرم محمد أحمد سأل خاطر: هل الدين الإسلامي يحلل قتل الأطفال الصِّغار؟ وهو السؤال الذي أثار سليمان للغاية لأنه لم يقتل أطفالًا، وإنما كان الأطفال من بين المصابين فقط.

السادات ومبارك

 

6- مكرم محمد أحمد؛ للصحافة دورٌ أيضًا!

من المعروف أنّ الأنظمة المصريَّة تستخدم الإعلام والصحافة القومية تحديدًا لترويج قضاياها، ظهر هذا بعد الثورة حين تمّ اقتحام مقرَّات أمن الدولة التي وُجدت فيها وثائق عن صحفيين للنظام يقومون بتصدير وكتابة ما يريده، كذلك حتَّى في التسريبات التي سُربت للرئيس المصري الحالي الجنرال عبدالفتاح السيسي. في هذه القضيَّة برز اسمٌ ما، الصحفي المحسوب على نظام الرئيس المخلوع مبارك؛ مكرم محمد أحمد.

كان مكرم حينها رئيسًا لتحرير مجلَّة المُصوِّر، برز الصحفي المخضرم في هذا الحدث بنفسه، فقد أجرى الحوار مع سُليمان قبل وفاته بيومٍ واحد، أغضب سليمان ببعض الأسئلة كما ذكر صديقه حمدي كسكين، استطاع المصور أن يلتقط صورًا لسليمان وهو غاضب وفي اليوم التالي تزامنًا مع الإعلان عن وفاة (انتحار) خاطر كان الموضوع على الصفحة الرئيسية لمجلة المصور بصورة سليمان غاضبًا، الجدير بالذكر أنّ المصور هي التي تبنت أن سليمان انتحر بملاءة السرير.

هذه الواقعة يؤكدها أهل سليمان، الذين زاروه قبل وفاته بيوم واحد في الزيارة المفاجئة، فوجدوا مكرم محمد أحمد هناك، حتَّى أنهم استهجنوا ذلك: كيف يكون مكرم عند سليمان وهو الذي يتبنَّى موقفًا مناهضًا لهُ ولنا؟! كان هذا موقفهم من الصحفي المخضرم. ما الذي يمكن أن تؤدِّيه الصحافة في هذا الموقف؟ يمكنها أن تجعل من سليمان بطلًا، كما يمكنها أن تجعل منهُ مجنونًا.

اقرأ أيضًا: هل ستشهد فلسطين انتفاضة ثالثة.. بالسكاكين؟!

أهم الخروقات على الحدود المصرية.. وحوادث استهداف جنود مصريين منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد