من هو السلطان سليم الأول الذي غير تاريخ العالم العربي عبر معركة مرج دابق ومعركة الريدانية بعدما قتل السلطان قانصوه الغوري والسلطان طومان باي.

منذ أقل من عاميْن، أطل علينا مسلسل (السلطان والشاه) من أداء طاقمٍ من الممثلين المصريين والسوريين، لكنه لم يحظَ بتأثيرٍ وانتشارٍ كبيرين. كان اللافت في المسلسل الذي يتناول أحداثًا مضت منذ أكثر من خمس قرون، أنّه كان منحازًا للرواية التاريخية العثمانية، خاصّة في الصراع العثماني – الصفوي الأول الكبير مطلع القرن السادس عشر الميلادي، فأظهرَ السلطان سليم الأول العثماني بمثابة بطلٍ جسور، اضطرّته الظروف العصيبة أن يبسط سيطرته على الدولة العثمانية بمنتهى الشدّة قبل أن يخرج لمواجهة جيوش الشاه إسماعيل الصفوي، الذي أظهره المسلسل متطرفًا دينيًا، وحاكمًا مُختلًّا ومختالًا، وسفاحًا لم يتردد في ذبح معارضيه وإلقائهم من الشواهق، وفي إشعال الفتن داخل الأراضي العثمانية.

في المقابل، ظهر إلى النور مسلسل جديد من إنتاج mbc مصر، بعنوان ممالك النار، يناقش أحداثًا من نفس الفترة الزمنية، وهي أحداث الصراع العثماني – المملوكي 1516م-1517م، والذي انتهى باستيلاء جيوش سليم الأول العثماني على الشام ومصر، وضمهما إلى الدولة العثمانية التي غدتْ مترامية الأطراف. يبدو بجلاء من العرض التشويقي للمسلسل، ومن تصريحات بعض طاقم العمل، أنه نقيض للروح التي كانت في مسلسل (السلطان والشاه).

فهو مناقض تمامًا للرواية العثمانية، إذ يُظهر سليم الأول عصبيَّ المزاج، سفّاكًا، بينما يعظِّم بشكلٍ – ربما غير مباشر – من آخر سلاطين المماليك طومان باي الشركسي (تعود أصوله إلى القوقاز) الذي دافع مرارًا ضد الجيوش العثمانية الغازية لمصر، بعد مصرع عمّه السلطان السابق قانصوه الغوري في معركة مرج دابق ضد سليم الأول في الشام.

فعلى أيّ صورةٍ كان السلطان سليم الأول الذي عاد مُجَدّدًا إلى واجهة الأحداث بعد أكثر من خمسة قرون من عصره الذي تحوّل فيه الشرق الإسلامي إلى صفيحٍ ساخن تغلي على سطحِه الدماء التركية والفارسية والشركسية والعربية والكردية معًا.

السلطان سليم الأول.. خمسة قرون لم تُطفئ الجدل

أمثلة من التاريخ تكاد لا تحصى، تثبت تلك القاعدة الراسخة، التي تنصُّ على أنّ حجم الجدل، وتباين اتجاهاته حول شخصيةٍ ما، يتناسب طرديًا مع اتساع درجة تأثيرها، وحجم الدور الذي لعبته على مسرح الأحداث، خاصة السياسية والحربية. على قِصَر مدّة اعتلائه سُدّة عرش العثمانيين، والتي لم تتجاوز ثماني سنوات، فإن سليم الأول قد أحدث – ولا يزال – جلبةً هائلة، لم يَضعُف دويَّها عبر قرونٍ خمسة انقلبت فيها الدنيا رأسًا على عقب، وتردّد صداها في ساحات المعارك، وقاعات الدرس، وأفنية المساجد، ومؤخرًا على شاشات التلفاز.

من اللافت كذلك، ذلك الطيف الواسع من الآراء والتقييمات لشخصية سليم الأول وأفعاله. فمن جانبٍ، يراه البعض سفاحًا دمويًا، صخريّ القلب، مهووسًا بالسلطنة والسيطرة، ولا يملك في قلبه مثقال ذرةٍ من شفقة، ليرحم بها أباه السلطان العجوز أو إخوته، وأبناء إخوته، الذين أطاح بهم جميعًا في شهوره السلطانية الأولى. وما تجلّى كذلك من فرطِ قسوته عندما سحق ممالك الشرق تحت سنابك خيله الغاشمة، خاصة السلطنة المملوكية العجوز، وعاصمتها القاهرة.

في المقابل، وعلى النقيض التام، هناك من يعتبرونه مجددَ الخلافة الإسلامية، وباعث الفورة العثمانية، وحفيد الفاتح العظيم، الذي كأن سنيَّ حكمه امتدادٌ لزمن جدِّه فاتح القسطنطينية، الذي لم يكن سيفه يجدُ ثانية يرتاح فيها في غِمده.

يرى الآخرون أن حزمَ سليم الأول وعزمَاته وإن اختلطا بالقسوة والشراسة، فما كانت إلا شدَّة في محلها، أخضعت المتمردين، وأثخَنَتْ في المتآمرين، وحفِظَت مُلك أجداده، وأعادت الأمة الإسلامية لأول مرة منذ قرون طويلة، دولةً إسلاميّة مركزية قوية، ذات حدودٍ فريدة، تمتدُّ من أعتاب وسط أوروبا غربًا، إلى حدود بلاد فارس شرقًا، ومن شبه جزيرة القرم شمالًا إلى النوبة جنوبًا، في عقدٍ من الحواضر الإسلامية الكبرى انتظمت فيه المدينتيْن المقدستيْن مكة والمدينة، وثالثتُهما بيت المقدس، والقاهرة، والإسكندرية، ودمشق، وحلب، حول واسطة العقد إسطنبول.

في السطور التالية، سنترك الأحداث الملتهبة في حياة السلطان سليم الأول تعبّر عن نفسها بطلاقة، ونتيح لدروس وعِبر وسنن التاريخ أن تصول وتجول أمام ناظريْنا، وفي متاهات عقولنا، بعيدًا عن أجواء المكايدات السياسية والفكرية والإعلامية.

معركة أوترانتو الحاسمة.. عندما حاول محمد الفاتح غزو إيطاليا

نشأةُ محاربٍ صلب

وُلد سليم عام 1470م وفق أحد الروايات التاريخية المشهورة، في عهد جده محمد الفاتح، في مدينة أماسيا في قلب الأناضول. منذ صباه، مال الفتى إلى الفروسية وفنون القتال، ولم يكن منساقًا إلى المعتاد من لهو الصبيان، ونزق الشباب، بل كان همُّه دائمًا في ساحات التدريب العسكري، ولعل هذا كان السبب فيما حظي به الأمير الصغير دائمًا من إعجابٍ في الأوساط العسكرية العثمانية.

كان لسليم سبعة من الإخوة الذكور، لكن تُوفّيَ خمسةٌ منهم صغارًا، فبقى له أخوان، كوركوت وأحمد. كان كوركوت بالأساس منصرفًا إلى العلوم والآداب، لكن كان لأحمد طموحاتٍ سياسية، لا سيّما وهو الأخ الأكبر، الذي كانت ستؤول إليه ولاية عهد السلطنة العثمانية بعد أبيهما بايزيد الثاني، ولذا فقد كان أحمد العقبة الأكبر أمام طموحات أخيه الأصغر سليم، المحتقن بالقوة والعزيمة لتحقيق ما يريد.

ملحمة المُلك العقيم 

«المُلك عقيم»، واحدٌ من أوثق الأمثال العربية، وأكثرها تحقُّقًا على أرض الواقع، في كافة مراحل التاريخ القديم والوسيط، لدى جميع الأمم، إذ كم من أسرةٍ حاكمة جرت بين أفرادها بحورٌ من الدم والآلام والدموع من أجل عرش مملكة، أو حتى حكم قلعة أو مدينةٍ مسوَّرة.

وفي تاريخ الأمم الإسلامية، تعتبر الدولة العثمانية من أبرز النماذج التي أثبت فيها هذا المثال كونَه حكمة خالدة، لا سيّما وهي دولة محاربة بالأساس، كانت دائمًا وأبدًا ممتشقة سيفها في حلبات الصراع. فعلى سبيل المثال، قبل زمن سليم الأول بحوالي قرن، مرّت الدولة العثمانية بعد وفاة السلطان بايزيد الأوّل «الصاعقة» بـ«حقبة الفترة»، التي تقاتل فيها أربعة إخوة على العرش على مدار أكثر من 10 سنوات قبل أن يحسم أحدهم الصراع، وهو السلطان محمد جلبي الغازي، عام 1413م.

في أواخر عهد السلطان بايزيد الثاني، ونتيجة تقدُّمه في السن، اهتزَّت سيطرته رويدًا على الدولة، وكذلك على الخلافات التي طفت على السطح بين أولاده الثلاثة، كوركوت الذي كان يتولى إمارة إحدى الولايات الصغيرة، وأحمد حاكم إمارة أماسيا الهامة في قلب الأناضول، وسليم حاكم إمارة طرابزون على البحر الأسود، والذي كان كما ذكرنا محاربًا وفارسًا قويًا، مما ضمن له ولاء معظم الجيش، خاصة وحدات الإنكشارية التي كانت تمثِّل القوة الضاربة للجيوش العثمانية.

كان أول صدامٍ كبير بين سليم وأبيه عام 1511م ، عندما أراد سليم أن يعيّنَهُ أباه على إحدى الولايات الأوروبية، بدلًا من طرابزون البعيدة عن مسرح الأحداث، فلما تعنَّت أباه، قام سليم بتمردٍ عسكريّ في الشطر الأوروبي من الأراضي العثمانية، فأذعن والده حقنًا للدماء، لكن أثار هذا الإذعان أخويْ سليم، فاستولى كوركوت على ولاية صاروخان غير البعيدة عن العاصمة إسطنبول بغيرِ أمرٍ من أبيه، بينما بقي أحمد في أماسيا يترقَّب، وجرت مراسلات بينه وبين الشاه الصفوي إسماعيل ليكون ظهرًا له في أي صراعٍ مقبلٍ على العرش العثماني. تجرَّأ سليم بعدئذٍ، وحاول إعلان نفسه سلطانًا في مدينة أدرنة، لكن أجهض أباه المحاولة، وكاد يبطش به، لولا خوفه من تمرد الإنكشارية أنصار سليم.

في ربيع عام 1512م، ومع تصاعد المدّ الصفويّ في شرق الدولة العثمانية، حيث ثارت قبائل القزلباش التركمانية الشيعية ضد الحكم العثماني بتحريضٍ من الشاه، من أجل الانضمام إلى الدولة الصفوية، وعجز السلطان بايزيد الثاني عن قمع هذا التمرد الخطير الذي يهدد أركان الدولة، قام سليم بمظاهرةٍ عسكريةٍ في إسطنبول مع وحدات الإنكشارية الموالية له، وأجبروا السلطان على التنازل على العرش لابنه سليم، والذي تلقَّب بسليم ياوز، أي «الشجاع» ويقال إنّ هذا كان لقبه منذ صغره، فأصبح السلطان التاسع للدولة العثمانية يوم 25 أبريل (نيسان) 1512م. وتوفيّ بايزيد بعد تلك الأحداث بـ 20 يومًا، مثيرًا الشكوك حول تورط ابنه سليم في تسميمه، دون سندٍ تاريخيٍّ يؤيِّد أو ينفي تلك الرواية الذائعة.

اعتلى السلطان سليم الأول صهوة حصانه، ولم يتركها منذ ذلك الوقت إلا بعد خمس سنواتٍ، بعد أن غيَّر خارطة الشرق الإسلامي لقرونٍ تالية، بعد أن دارت رحاه الشرسة على كلٍّ من وقفَ في طريقِه، وفي مقدمتهم أخويْه. عيَّن سليم ابنَه سليمان واليًا على العاصمة إسطنبول، ثم اندفع بجيوشه إلى أنقرة ليقضى على أخيه أحمد، الذي أعلنَ نفسه سلطانًا في دائرة حكمه في الأناضول، والذي فرَّ قبلَ المواجهة، فارتدّ سليم إلى مدينة بورصة حيث تحصَّن أبناء أحمد، ونجح في السيطرة عليها، وأعدم أبناء أخيه الخمسة الذين كانوا فيها.

لاحقت جيوش سليم أخاه الآخر كوركوت في ولاية صاروخان، ونجحوا بعد أسابيع في قتله بعد رحلة فرارٍ إلى الجبال. أما أحمد فتأخر مصرعه إلى ربيع العام التالي 1513م، عندما خاض بجيوشه معركةً فاصلةً ضد قوات سليم، فشلت فشلًا ذريعًا، وهكذا انفرد سليم بالعرش العثماني، واستحقَّ ألقابًا إضافية اشتهر بها كالعابس والقاسي، وهي ألقاب أطلقها عليه أعداؤه الأوروبيون. وأصبح تركيزُه الآن مُنصَبًّا على الأخطار الخارجية، وعلى رأسها الخطر الجارف القادم من الشرق.

مقطع من مسلسل (السلطان والشاه) يظهر عزل سليم الأول لأبيه بايزيد ليعتليَ العرش مكانه

السلطان سليم الأول في تبريز عاصمة الصفويين

 ومع أن جانبًا كبيرًا من تاريخ تلك الحقبة الزمنية لا يزال غامضًا، نستطيعُ التأكيد أن الطوائفَ المسيحية، والمسلمين السنة، رأوْا في الباب العالي منقذًا من الصفويين. فقد ترافقَ مع فتحِ الشاه إسماعيل الصفوي للعراق تنكيلٌ جماعي بكل فكرٍ مناهضٍ لحكمه، ولم تسلم الأماكن السُّنيَّة المقدسة من الضرر. *المؤرخ الروسي نيقولاي إيفانوف في كتابه «الفتح العثماني للأقطار العربية»

بعد أن أصبحَ السلطانَ العثماني الأوحد بغيرِ منازع، توجه سليم الأول إلى مدينة أدرنة، عاصمة الشطر الأوروبي من الدولة العثمانية، حيث اجتمع برسل أهم الدول المحيطة بالعثمانيين، كالبندقية، والمجر، والسلطنة المملوكية بمصر، فعقد معهم جميعًا معاهداتٍ للسلام ومنع الاعتداء. لكي يتفرَّغ لخصمه الصفوي، الذي لم يكتفِ بأراضي فارس والعراق وأجزاءٍ واسعة من القوقاز والأناضول، إنما عقد تحالفًا تاريخيًا مع البرتغاليين – ملوك البحار آنذاك، والخصم الصليبيّ الشرس الذي احتلَّ الكثير من الثغور الغربية الإسلامية – لتطويق الدولة العثمانية. كذلك نما إلى علم سليم وجودَ مراسلاتٍ جادة بين الصفويين والمماليك للتحالف ضد العثمانيين، فرأى أنه لم يعد مفرٌّ من الحسم السياسي والعسكري للمسألة الصفوية.

تُؤرّخ بداية الدولة الصفوية بعام 1501م، على يد الشاه إسماعيل الأول الصفوي، شديد الطموح والتعصُّب، والذي لم يكتفِ بالهيمنة السياسية على مساحةٍ واسعةٍ من أراضي فارس (إيران) وجوارها من آسيا الوسطي، والقوقاز، إنما أصرَّ على فرض التشيع الاثنى عشري رغبًا ورهبًا، وبسقفٍ مفتوح من القمع والمذابح مهما بلغت قسوتها، وذلك في مناطق حكمه ونفوذه ذات الأغلبية السنية، ونجح خلال سنواتٍ في تحقيق قدرٍ كبير من هذا التحول. 

امتدَّت طموحات إسماعيل كذلك إلى العراق الذي احتلَّه عام 1508م، ثم إلى شرق الأناضول، حيث كان هناك تواجد شيعي وعلويٌّ معتبر، فشجَّع على اندلاع الثورات هناك، خاصة بين قبائل القزلباش التركمانية التي اشتهرت بفرسانها الأشاوس، والذين كانوا دائمًا عصبًا عسكريًا بارزًا في الجيوش الصفوية، مستغلًا الاضطراب الذي عصف بالدولة العثمانية أواخر عهد السلطان بايزيد الثاني لضمّ بعض أراضي العثمانيين.

شنَّ سليم الأول حملة شعواء على تلك القبائل التركمانية الشيعية في الأناضول، والتي تمرَّدت بإيعازٍ من الصفويين، وتتحدث الروايات التاريخية عن أنه قتل عشرات الآلاف منهم، حتى من غيرِ المحاربين، ثم أرسل إلى بعض القبائل السنة في آسيا الوسطي لمهاجمة الصفويين من ظهورهم. حشد سليم جيشًا عثمانيًا هائلًا بلغ قوامه أكثر من 70 ألف جندي، مصحوبين بأكثر من ألف مدفع، تضمن تفوقًا نيرانيًا هائلًا للعثمانيين على خصومهم الذي اعتمدوا بالأساس على الفرسان، مع غيابٍ شبه تام للمدفعية.

توغّلت الجيوش العثمانية جنوبيَ القوقاز، ثم شمال غربي إيران دون مقاومةٍ تذكر، إذ كانت الجيوش الصفوية تتعمّد الانسحاب من مواجهتها، وذلك لإنهاك العثمانيين ثقيلي التسليح، وإطالة خطوط إمداداتهم. لكن لسوء حظ الصفويين، كانت عاصمتهم تبريز في أقصى شمال غربي إيران، غير بعيدة عن الحدود العثمانية.

مقطع مصور عن موقعة جالديران التاريخية عام 1514م بين العثمانيين والصفويين

هكذا، وعلى مقربةٍ من تبريز، تصادَمت القوتان الضاربتان في وادي جالديران أو تشالديران يوم 23 أغسطس (آب) من عام 1514م، ونشبت معركةٌ شرسة لم تشهد مثلها تلك المناطق منذ قرون. بدا التفوق العثماني لافتًا عددًا وعدة، وكذلك بالخبرة العسكرية البارزة من ساحات القتال الأوروبية، ولعبت المدفعية العثمانية دور البطولة على مسرح الانتصار الساحق أمام الآلاف من فرسان الصفويين المندفعين الذين حصدهم البارود العثماني حصدًا.

فرّ الشاه إسماعيل الصفوي إلى عمق أراضيه، مع كبار قيادات دولته، مخلِّفين وراءهم العاصمة تبريز لقمةً سائغةً للعثمانيين، الذين لم يتأخروا في دخولها دون مقاومةٍ تُذكر. اكتفى سليم الأول بنهب خزائن إسماعيل، وأخذ أمهر صُنَّاع تبريز معه إلى إسطنبول للمساهمة في عمرانها. لكن لم يستطِع سليم الأول التوغل في عمق أراضي إيران مع تمرُّد بعض جنده الإنكشارية شاكين من برودة الجو، وعدم توافر الملابس الشتوية اللازمة، وكذلك لطول مدة الحرب، فاضطر أن يعود إلى إسطنبول، وهناك أعدم بعض القادة الذين تمرّدوا على أوامره، ورفضوا التوغُّل في أراضي الصفويين.

تمرَّدت المناطق الكردية في شمال العراق وجنوبي تركيا على حكم الشاه، وانضمت إلى العثمانيين، الذي رفعوا ألويتهم على الموصل وديار بكر، وغيرها من المناطق الحيوية هناك. ورغم استعادة الصفويين لمعظم المناطق الإيرانية التي استولى عليها العثمانيون من أراضيهم، بما فيها تبريز، فإن الشاه إسماعيل في السنوات العشر الأخيرة من عهده لم ينجح في تشكيلِ خطرٍ حقيقيّ ضد العثمانيين. ولم ينجحْ خلفُه طهماسب في منع سيطرة سليمان القانوني بن سليم على العراق والجزء الغربي من مناطق الصفويين بعد عِقدَيْن.

رجل الشرق الإسلامي المريض

بعد الضربةِ القويّة التي وجّهها سليم الأول إلى المد الصفوي، وتعاظم نفوذه بدأت أنظاره تتجه جنوبًا إلى السلطنة المملوكية المترامية التي تهيمن على قلب الشرق الإسلامي كلّه، الحجاز والشام ومصر. 

يذكر المؤرخ الروسي إيفانوف في كتابه «الفتح العثماني للأقطار العربية»، أنه منذ نشأة الدولة العثمانية، وحتى عهد الفاتح، كانت العلاقات مع دولة المماليك عمومًا ودية، رغم بعض المناوشات الحدودية، تجلّى هذا الود في الاحتفالات التي غمرت القاهرة أيامًا مع فتح العثمانيين القسطنطينيةَ عام 1453م. لكن مع توسع الفاتح في السنوات التالية في قضم مساحاتٍ أكبر من الأناضول، والاقتراب من الولايات الموالية للمماليك جنوبي تركيا، تصاعدت الأمور، حتى وصلت إلى صراعاتٍ مسلحة محدودة بين عامي 1486م – 1491م، نتيجة رغبة العثمانيين في ضم منطقة قيسارية شرقيّ الأناضول. انتهت الصدامات بمعاهدة عام 1491م التي توسَّط فيها سلطان تونس بين الطرفيْن. 

في السنواتِ التالية، ومع الانحلال التدريجي لقوة الدولة المملوكية، وتتابع الضربات العثمانية الناجحة ضد القوى الأوروبية برًًا وبحرًا، تصاعدت شعبية العثمانيين إسلاميًا، على حساب المماليك، خصوصًا مع الدعم الرمزي الذي قدمه العثمانيون للمماليك في حروبهم البحرية الشرسة مع القراصنة البرتغاليين الذي أذاقوا الأساطيل الحربية والتجارية المملوكية الأمرَّيْن.

وبحلول العقد الثاني من القرن السادس عشر الميلادي، بدت الأمور في غير صالح القاهرة تمامًا. فعلى الصعيد السياسي، ورغم فترة الاستقرار النسبي تحت حكم قنصوة الغوري منذ عام 1501م فإنه كان جليًا أن شمس دولة المماليك قد آذنت بالمغيب، وأن ثمّة أخطارًا جسيمة أصبحت تهدد كيانَها.

يسرد لنا نيقولاي إيفانوف نماذج من تردِّي الأوضاع في الأعماق الإستراتيجية لدولة المماليك. فقد هاجم القراصنة البرتغاليين «كفاسكو دي جاما ودالبوكركي» وغيرهما، وهي خطوط التجارة المملوكية إلى الشرق خاصة الهند، ودمّروا العديد من الموانئ الهندية، وموانئ شرق أفريقيا، وحتى قوافل الحجيج لم تسلمْ منهم. كذلك تحولَّت الكثير من طرق التجارة إلى طريق رأس الرجاء الصالح الذي اكتشفه البرتغاليون، بعيدًا عن مصر والشام، حارمة الدولة المملوكية من مصدرٍ هام للدخل تمثّل في الضرائب أو الجمارك التي كانت تفرضها على التجارة العابرة عبر أراضيها.

كذلك – كما ذكرنا – هزمت الأساطيلُ البرتغالية نظيرتَها المملوكية غيرَ مرة في المحيط الهندي وبحر العرب، كان أقساها هزيمة موقعة ديو البحرية عام 1509م، والتي لم يمنع وقوعَها الدعمَ البحري الذي حصل عليه المماليك من حلفائهم التجاريين، جمهورية البندقية، وكذلك الدعم العثماني الأقل نسبيًا بالطبع. مهدت تلك الهزيمة لهيمنة البرتغاليين لأكثر من قرن على خطوط التجارة العالمية في تلك المنطقة، خاصة تجارة التوابل المربحة. ثم هدد البرتغاليون البحر الأحمر أيضًا، واستولوْا على العديد من جزره الحيوية، وكادوا يحتلون ميناء عدن الإستراتيجي، ووصل الأمر إلى حد تهديدهم باحتلال مكة والمدينة!

قصة إنشاء جامع قنصوة الغوري، الذي ما يزال قائمًا في منطقة الغورية بالقاهرة القديمة

أدّى عجز الدولة المملوكية، التي كانت تستضيف الخلافة العباسية الاسمية منذ سقوط بغداد عام 656 هـ – 1258م، عن نجدة الكثير من الثغور الإسلامية التي تعرّضت للحملات الصليبية الجديدة في تلك الفترة، والتي كان رسلها يستصرخون بعرش القاهرة، المؤيَّد ولو اسميًا بالخلافة العباسية، ويهيمن على المواطن الحجازية المقدّسة، إلى زعزعة شرعية تلك الدولة في الصميم، خاصة مع تزامن هذا الوضع الخارجي المضطرب،وتفشِّي الفساد داخليًا.

يخصص لنا نيقولاي إيفانوف فصلًا كاملًا لمظاهر التفسُّخ الاجتماعي والفساد التي طغت على الدولة المملوكية في سنواتها الأخيرة، وجعلتها هشة في مهب الرياح السياسية والعسكرية العاتية في تلك الفترة الصعبة. إذ انصرف الكثير من قادة المماليك إلى حياة الترف على حساب الضرائب الباهظة التي كانت تُفرَض على عامة الشعب، وأهملوا الإصلاحات الإدارية والعسكرية الضرورية لمجابهة الأخطار المحيطة، مما أدّى حتى إلى عجزهم عن الإدارة الجيدة لموسم الحج المقدس، والتي وصلت إلى حد إيقاف الحج مؤقتًا عام 1506م نتيجة هجمات البدو. 

اضطر الكثير من الفلاحين إلى الهجرة من أراضيهم في موسم الحصاد خوفًا من الإتاوات الباهظة التي يفرضها عليهم المماليك، والذين لم يكونوا حتى يقومون بدورهم الأساسي في بسط الأمن، والتصدِّي لهجمات البدو والعربان على القرى، التي كانوا يقصدونها للسلب والنهب. وأحيانًا كان الجند المماليك أنفسهم يتمردون، وينهبون الأسواق والقرى لإجبار السلطة على منحهم رواتب إضافية، أو الصلاحية لجمع المزيد من الضرائب.

في مقابل هذا المنحنى الهابط للمماليك، كان منحنى العثمانيين عائدًا للصعود، وتألَّق نجمهم في سماء الشرق بعد نجاح سليم الأول في توحيد الدولة، وإعادة هيبتها أمام القوى الشرقية والأوروبية على السواء. استغلّ سليم الأول الرصيد الجهادي للعثمانيين ضد القوى الأوروبية، ونجاحهم في كبح جماح الصفويين، في مقابل عجز خصومه المماليك عن حماية دوائر سيطرتهم ونفوذهم ضد أعداء الأمة الإسلامية، في سحب البساط المعنوي والشرعي من تحت أقدام المماليك، وتهيئة الأجواء داخليًا وخارجيًا للانقلاب التاريخي الكبير. وأيضًا نظر الكثير من رعايا دولة المماليك بعين الغبطة إلى النظام الضرائبي في الدولة العثمانية، والذي كان أقل إجحافًا مقارنة بالجاري في بلادهم.

مساجد القاهرة «الحرام».. قصصٌ من عصر المماليك الغائب الحاضر

معركتي مرج دابق والريدانية.. سقوط إمبراطورية عمرها قرنان ونصف في عدّة أشهر

 لا يعتبَر ضم الأقطار العربية إلى السلطنة العثمانية نتيجة احتلالٍ بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، بل كان بمثابة تبديلٍ سلطويٍّ أملتْهُ رغبة البلدان العربية في الإصلاح الاجتماعي.. بعد حالةٍ من التفكك الداخلي العميق. * المؤرخ الروسي نيقولاي إيفانوف

وصلت الخصومة بين العثمانيين والمماليك إلى نقطة اللاعودة عام 1515م، بعد مناوشاتٍ حدودية سقط فيها ضحايا من الطرفين، وتطورت إلى سيطرة العثمانيين على قيسارية وقتل أميرها علاء الدين القادري، الذي اتهموه بأنه بدأ العدوان عليهم، وكان حليفًا للمماليك، الذين استشاطوا غضبًا وحشدوا جيوشهم إلى الشام. هيّأ سليم الأول الأجواء لغزوه الوشيك للدولة المملوكية، بأن صوّرت دعايته المماليك بالمتحالفين مع أعداء الأمة الصفويين، والمتخاذلين عن الدفاع عن الثغور الإسلامية ضد الصليبيين، واستصدر سليم الأول الفتاوى من شيوخ الإسلام العثمانيين باعتبار مواجهة المماليك جهادًا حقيقيًا في سبيل الله.

وسنعتمد في الأحداث التالية على رواية نيقولاي إيفانوف عن حملات سليم الأول على مصر والشام، والتي كان مصدره العربي الرئيس فيها هو ابن إياس، المؤرّخ مملوكي الأصل، الذي كان ناقمًا على طول الخط على السلطان سليم الأول، لكنّه اجتهد في نقل صورة الأحداث كما عاصرَها. في أغسطس (آب) 1516م، حشد سليم الأول جيوشَه الضخمة وتوجّه إلى إمارة حلب التي أظهر الكثير من سكانها ميلًا للعثمانيين، لضيقهم من حكم المماليك، وضرائبهم الباهظة. استغل سليم الأول تلك النقمة، وراسل الكثير من أعيان الشام، واستقطب كذلك بعض القادة المماليك الذي وعدوه سرًا بتغيير ولائهم ضد الغوري أثناء المعركة، وكشفوا له بعض خطط جيشهم.

تصادمَ الجيشان العثماني والمملوكي يوم 24 أغسطس في منطقة مرج دابق غير بعيدٍ عن حلب. نشر سليم الأول مدفعيته بشكلٍ جيد، محمية بحواجز ومصدات، لتتحمل الصدمة الأولى المتوقعة من فرسان المماليك المندفعين، وتبدأ مع بنادق الإنكشارية في صب الموت صبًّا على كل بقعةٍ من ساحة المعركة.

وبالفعل اندفع فرسان المماليك كالسيل، فاتكين بأرواح آلاف العثمانيين، قبل أن يستعيد سليم الأول توازن جيشه، لتبدأ البواريد العثمانية في حصد أرواح المماليك، بالتزامن مع انسحاب قائد ميسرة المماليك، الأمير خاير بك – أطلق عليه المصريون خاين بك لهذا الموقف – فانخذل من بقي من المماليك وفرُّوا في كل حدبٍ وصوبٍ تجاه الجنوب، بينما لم يُعثَر على أثرٍ للغوري، ورجَّح ابن إياس أنه قتل نفسه بالسم لمَّا أيقن بالهزيمة. بينما سقط في أسر سليم الأول الكثير من أمراء مصر وأعيانها من المماليك وسواهم، وعلى رأسهم الخليفة العباسي المتوكِّل، والذي أظهر له سليم الأول احترامًا كبيرًا، ووعده بتحرير بغداد عاصمة العباسيين.

لما تطايرت أنباء الهزيمة، انتفض أهل مدينة حلب وقتلوا الحامية المملوكية، واستقبلوا سليم الأول يوم 28 أغسطس استقبال الفاتحين، حيث أعلنَ سليم نفسه سلطان المسلمين، وخادم الحرمين الشريفين. في الأسابيع التالية، وانضمت الولايات الشامية تباعًا دون مقاومةٍ تذكر للعثمانيين، بينما أخذ بعض الشاميين يقبض على المماليك الفارين ويسلمهم إلى العثمانيين، الذين قتلوهم بلا هوادة.

دخل سليم إلى دمشق في أكتوبر (تشرين الأول) في أجواءٍ احتفالية، وأمر بخفض الضرائب إلى الربع، وعقد اجتماعًا واسعًا مع أعيان الشام، ورموزه، ليستمع إلى طلباتهم، ويشاورهم في أمورٍ تنظيمية عديدة. وكان من اللافت إلغاء سليم الأول بعض القيود المتشددة التي فرضها المماليك على أهل الذمة، والتجار الأوروبيين، فاكتسب تعاطف جماهير الأقليات بذلك.

القاهرة بين شابّين: سليم الأول وطومان باي

بايع مماليك مصر ابن أخت الغوري، طومان باي، سلطانًا على مصر، والذي شرع على الفور في حشد الجيوش، ونصب المدافع، وكسب ولاء المقاتلين البدو في سيناء والشرقية، وتنظيم الدفاع ضد غزوٍ عثمانيٍّ وشيك. 

وفي أواخر 1516م، رفض طومان باي عرضَ سليم الأول بأي يعلن الولاءَ للعثمانيين، مقابل تثبيته واليًا على مصر، وقام في سابقةٍ في العلاقات بين البلدان الإسلامية، بقتل الرسل العثمانيين، واضعًا أيَّ فرصٍ للسلام في مهبِّ الريح. وحاول طومان باي غزو فلسطين بقوةٍ خاطفة من فرسانه، لكنهم هُزموا أمام العثمانيين في بيسان هزيمةً قاسية.

اندفع سليم الأول بجيشه منتصف ديسمبر (كانون الأول) نحو مصر، فوصل دون مقاومةٍ تذكر إلى الأطراف الشرقية للقاهرة بحلول منتصف يناير (كانون الثاني) 1517م، حيث قدّم الكثير من المصريين لجيشه الدعم والمساعدة بعد أن تسامعوا بالإصلاحات الضريبية التي قام بها في الشام. 

وفي منطقة الريدانية شرق القاهرة، نصب طومان باي مدافعه، وحواجزه، محاولًا مجاراة التكتيكات العثمانية في مرج دابق. لكنّ جواسيس العثمانيين نقلوا كلّ شاردةٍ وواردة عن التنظيم الدفاعي المملوكي إلى سليم الأول. في يوم 22 يناير (كانون الثاني) دارت رحى موقعة الريدانية الطاحنة، وظهر التفوُّق النوعي للعثمانيين جليًا، فدمرت مدفعيتهم تحصينات ومدافع قوّات طومان باي، وبدت الهزيمة جلية، رغم القتال الأسطوريّ لطومان باي وحرسه الخاص، والذين فتكوا بمئات العثمانيين، وشنوا هجومًا لافتًا على خيمة سليم الأول نفسه، وقتلوا وزيره سنان باشا ظانّين أنّه السلطان سليم الأول.

سقط أكثر من 20 ألفًا من جيش طومان باي، ودخل سليم الأول القاهرة ظافرًا، بعد أن أعلن الأمان لأهلها جميعًا سوى المماليك. لكن لم يكن الاستقبال العثمانيّ بالقاهرة مماثلًا لما كانت عليه الأحوال في الشام، فقد تعاطفت قطاعاتٍ من المصريين مع طومان باي، وصموده، خصوصًا مع ترامي الأنباء عن أنه ينظم المقاومة جنوبًا وسيعاود الكرّ على العثمانيين.

وبعد أسبوع، تحديدًا في مساء 29 يناير، ثار طومان باي، ومعه مئات المماليك والمصريين، في شوارع القاهرة، واستمرت المعارك داخل العاصمة ثلاثة أيام، كانت الأكثر دموية في حملة سليم الأول بأكلمها، حيث دكت المدفعية العثمانية بلا رحمة المناطق والمساكن التي تحصَّن بها المماليك، وقُتل عشرات الآلاف من سكان القاهرة في أتون حرب الشوارع، وفرَّ طومان باي مرةً أخرى إلى الصعيد، في حين أسر العثمانيون والموالون لهم من المصريين 800 فارس مملوكي، أمر سليم الأول بإعدامهم فورًا وعلنًا.

بعد فشل تلك الثورة، استسلمت الإسكندرية ومدن أخرى للعثمانيين. بينما استمرّ طومان باي ومن معه من المماليك والبدو في حرب عصاباتٍ ضد العثمانيين. لكن في أبريل (نيسان) 1517م، حدثت المواجهة الأخيرة بين طومان باي والعثمانيين في منطقة البحيرة شمال القاهرة، والتي هُزِمَ فيها، ولجأ إلى صديقه الزعيم البدوي حسن بن مرعي، والذي أقسم عدة مرات ألا يسلمَّه.

حنث ابن مرعي بيمينه، وسلَّم طومان باي إلى العثمانيين، فأمر سليم الأول في 13 أبريل بإعدام طومان باي شنقًا كأيّ مجرم وليسَ بالسيف كالملوك، في إهانةٍ واضحةٍ له، حيث لم ينسَ له سليم الأول قتلَه لرسله، ولا مقاومته الصلبة ضد جيوشه على مدار 3 أشهر، تكبّد فيها العثمانيّون خسائر فادحة.

في الشهر التالي، عقد سليم الأول مؤتمرًا كبيرًا لأعيان مصر، ومن انحاز له من المماليك، ليكسب ودهم، وليعلن القواعد الجديدة لحكم مصر باعتبارها ولايةً عثمانية. لكنه أيضًا أصدر قراراتٍ صارمة بمصادرة معظم ممتلكات الأمراء المماليك، خاصةً من حاربوه، وضمها إلى خزانة الدولة العثمانية، وخفَّض الضرائب على عامة الفلاحين لكسب ودهم، وفرض الأمن بقوة، وأظهر غلظةً شديدة ضد جماعات البدو التي كانت تهاجم القرى المصرية.

بعد تنظيم الأوضاع في مصر، عيّن سليم الأول خاير بك المملوكي – الذي خان قنصوه الغوري وتسبب في هزيمته – واليًا على مصر، وارسى نظامًا مغايرًا لما كان سائدًا حينها، وكأنّ مصر في حكمٍ فيدرالي بالاصطلاح الحديث. ثم عاد إلى إسطنبول وبرفقته أفضل الصنَّاع والفنانين الماهرين من القاهرة، ليستعين بهم في عمران إسطنبول عاصمة الدولة.

من سليم إلى سليمان

السلطان سليم الأول

السلطان العثماني سليمان القانوني/العظيم كما صورته ريشة الرسم

بعد ضمّ مصر، انصرف سليم بالأساس في السنوات الثلاث الأخيرة من حكمه إلى تنظيم الولايات الجديدة، وإصدار القوانين، ووضع القواعد الضريبية التي ارتآها عادلة. ولذا لم تشهد تلك السنوات حملاتٍ عسكرية كبرى لا شرقًا ولا غربًا. توفي سليم الأول فجأة وهو في الخمسين من عمره عام 1520م، وتحدثت المصادر عن أن سبب الوفاة هو مضاعفات مرض السل الذي انقضّ عليه في شهوره الأخيرة.

لم تقتصر الآثار الكبرى لعهد سليم الأول العثماني على سنوات حكمه الثمانية الخاطفة التي أضافت فيها للدولة العثمانية أكثر من ثلثي مساحتها، لتبلغ ما يقارب 7 مليون كم مربع، إنما ستستمر على الأقل لحوالي نصف قرنٍ تالٍ، هي مدة حكم ابنه سليمان القانوني الذي اشتهر في الغرب باسم «سليمان العظيم»، والذي سيتربع على أقوى عروش الأرض، ويمد حدود الدولة لتحيط ما يقارب 15 مليون كم مربّع!

بعد تأمين الشرق والجنوب في عهد سليم، ستدور المدافع العثمانية إلى سابق وجهتها نحو الغرب وأوروبا، وتأمين البحر المتوسط، بؤرة الصراع البحري والتطاحن التجاري في ذلك العصر. 

وستندفع جيوش العثمانيين في عهد سليمان لتحتل جزيرة رودس معقل القراصنة الصليبيين عام 1521م، والذين أغاروا منها على مئات القوافل البحرية والموانئ الإسلامية. في العام التالي 1522م، سيحقق سليمان ما عجز عنه جده الفاتح، ويستولي على مدينة بلجراد عاصمة الصرب. عام 1526م ستدمر المدفعية العثمانية جيوش مملكة المجر في موقعة موهاكس الشهيرة، التي فتحت الطريق أمام العثمانيين للتوغل في شرق ووسط أوروبا، وصولًا إلى حصار فيينا عام 1592م.

في العقود التالية سيحرِّر العثمانيون العراق وأجزاء واسعة من جنوب القوقاز من حكم الصفويين، ويجبرون الشاه طهماسب القوي عام 1555م على توقيع معاهدة أماسيا التي أقرّت بالوضع الحدودي الجديد. كذلك ستخوض الأساطيل العثمانية حربًا مفتوحة في البحر المتوسط ضد الأساطيل الإسبانية والصليبية، للدفاع عن تونس، وغيرها من الثغور البحرية الإسلامية التي احتُلّ الكثير منها خلال المد العسكري الصليبي في القرنيْن الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين. وسينجح العثمانيون في تأسيس دولة الجزائر، التي ستواصل مهمة تحرير الغرب الإسلامي من الاحتلاليْن الإسباني والبرتغالي على مدار أكثر من 200 عام لاحقة.

المصادر

عرض التعليقات