2,871

قرطبة 367هـ .. تغلف العاصمة الأندلسية حالة من الترقب الحذر بعد الشهور العصيبة التي تلت وفاة خليفة الأندلس العظيم الحكم المستنصر الأموي، والذي ارتكب خطأ قاتلًا عندما أسند ولاية العهد إلى طفله الصغير هشام، مما هوى بالأندلس في لُجَّةٍ من الصراع المفتوح بين مراكز القوى القائمة، والتي يطمع كل منها في الانفراد بحكم أغنى وأزهى دولة في العالم آنذاك.

لم يصدق أهل قرطبة مشهد بعض قادة الصقالبة مصلوبين في الساحة الكبرى أمام قصر الزهراء. لسنواتٍ طويلة كان أمن الأندلس واستقرارها بين إصبعيْن من أصابع هؤلاء، الذين كان يُنظَر لهم إلى وقت قريب على أنهم زينة الخلافة، وبياض حاضرتها، وكان موكولًا لهم حصريًا حراسة الخليفة، وقصوره، وحريمه، وخدمته. لكن كما وضعهم هذا القرب الشديد من الشمس في بقعة الضوء، فإن القرب أكثر كان من المحتم أن يحرقهم.

كانت الطفرة الأهم في صعود نجم الصقالبة في الأندلس مع عصر عبد الرحمن الناصر أعظم حكام الأندلس الأمويين 300-350هـ ، ووالد الحكم، والذي استكثر من جلب آلافٍ من هؤلاء العبيد الصغار من كافة أسواق أوروبا، جريًا على السنة التي بدأها جده عبد الرحمن الداخل مؤسس الدولة الأموية في الأندلس قبل 200 عام. كانت كلمة الصقالبة تُطلَق أساسًا على العبيد من الأصول السلافية التي تكثر في شرق أوروبا، لكن مع الوقت شملت الجميع، كل العبيد المجلوبين صغارًا إلى الأندلس.

لكن لماذا سنّ الداخل هذه السنة؟!

الصقالبة.. جيش الوافد الجديد وعصبته

الغريب يسيطر على الغرب

عندما نزل عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الأموي، إلى الأندلس عام 138هـ، بعد ست سنواتٍ من رحلة هروب فريدة، كان فيها من قلائل الأمراء الأمويين الذي نجوا من الاستئصال العباسي في الشرق، كان أمامه اختياران لا ثالث لهما في هذا الغرب البعيد، إما القصر أو القبر.

لعب الداخل -كما لقب تاريخيًا- أولًا على التوازنات القائمة في الأندلس، والتي كانت لسنوات تموج بفتنة طاحنة بين القبائل العربية على أساس التقسيم القديم قبل الإسلام بين اليمنية والمُضرية. اتصل الرجل بالمُضرية أولًا، والذين تنتسب قريش لهم، لكنهم رفضوا نصرته، بينما قبله اليمنية، الذين أرادوا استخدامه ورقةً رابحة للثأر من المضرية الذين أرادوا الاستحواذ على مُلك الأندلس من خلال تنصيب حاكم قرشي ضعيف، هو يوسف الفهري، باعتباره واجهة يحكمون من خلالها.

انتصر الداخل على الفهري وحلفه في موقعة المصارة 138هـ، ودخل العاصمة قرطبة، وأصبح أمير الأندلس، وقدّم نفسه حاكمًا للجميع، ومنع الأعمال الانتقامية عشية انتصاره، مما أحنق الموتورين من اليمنية. وجد عبد الرحمن نفسه حاكمًا لدولة مكتظة بالخيرات، وبالمطامع والثارات كذلك، وتتنازعها الولاءات القبلية العربية، وكذلك غير العربية كالبربر، وسكان الأندلس الأصليين من الوندال وغيرهم، وتشمل الخارطة الدينية  مسلمين ومسيحيين ويهود. لم يكد يمر عام على الداخل دون ثورة أو فتنة هنا أو هناك، أكثرها لمطامع فردية أو قبلية أو انفصالية، وبدا كأن الجميع يريدون انتزاع ما تحت يديه.

حاول الداخل استخدام العصا الغليظة لقمع الخارجين عليه، كما فعل بعد ثورة العلاء بن مغيث التي دبّرها العباسيون، والتي انضم لها الكثير من العرب خاصة اليمنية، حيث قتل 4 آلاف أسير من الخارجين بعد انتصاره عليهم. لكن مثل هذه الأعمال كانت تضيف ثاراتٍ أكثر إلى الحلقة المفرغة الجهنمية التي تدور بالأندلس.

أراد الداخل للدولة الأندلسية رجال حُكم وحرب ممن لا يعرفون ولاءً ولا انتماءً لسواها، وله بالطبع، كأمثال بدر الخادم رفيق رحلة هروبه، وقائد جيوشه منذ أصبح أمير الأندلس، والذي لم يكن له من نسبٍ خلاف خدمة الأمير. تفتق ذهن الداخل عن الفكرة التي أدت لظهور الصقالبة على مسرح التاريخ الأندلسي لما يقارب ثلاثة قرون.

بدأ يرسل رجاله ينتقون العبيد الصغار أشداء البنية من أسواق الرقيق في أرجاء أوروبا، ليتم جلبهم إلى الأندلس، فيتم تعليمهم الإسلام والعربية وعلوم وفنون عصرهم، ومهارات الحرب، وبالطبع إرضاعهم الولاء للأمير وللدولة، فهما بمثابة الأب والأم لهؤلاء. اعتمد الداخل كذلك في دواوين الدولة والحكم على المولودين  -مختلطي النسب بين الفاتحين وسكان الأندلس الأصليين- والموالي غير العرب، والمسيحيين واليهود… إلخ، أما الزعامات القبلية العربية والبربرية التقليدية، فأغدق عليهم الأموال، والإقطاعات الزراعية، ينشغلون بها عن المطامع السياسية والنزعات العصبية.

أصبح الوافدون الجدد هم عصب الجيوش الأندلسية خاصة حرس الخليفة الخاص، وكان منهم كذلك العبيد المخصيِّين، وهؤلاء كانت توكل لهم رعاية قصور النساء وخدمتهن. وأصبح لهم نفوذ كبير لدى الأسرة الأموية الحاكمة، خاصة مع أدوارهم الهامة في حماية حدود الدولة من هجمات الممالك المسيحية شمال الأندلس، وكذلك كان لهم دور بارز في التصدي لهجوم غريب مدمر قام به الفايكنج عبر البحر، على الأندلس في زمن عبد الرحمن الثاني، ابن حفيد الداخل.

أفول زمن الصقالبة

مع الوقت ضاق الكثيرون من وجهاء الأندلس ذرعًا من المكانة الاستثنائية التي حظيت بها طبقة الصقالبة، خاصة مع إغداق الأمويين عليهم بالأموال والإقطاعات لاسيما زمن الناصر وابنه الحكم، حيث تطاول العبيد السابقون، وبدأوا يتعاملون كدولة داخل الدولة، وفاحت مظالم بعضهم،  وتغاضى الخلفاء عنها من قاعدة «لكن سيد قومِهِ المتغابي».

تربص الخصوم بالصقالبة الدوائر، وجاءت الفرصة عندما حاول الصقالبة ليلة وفاة الحكم تدبير انقلابٍ في القصر، بأن حجبوا خبر وفاة الخليفة، وأرسلوا سرًّا لأحد إخوته (المغيرة بن الناصر) يستدعونه للقصر لتولى الخلافة بعد أخيه بدلًا من ابن أخيه هشام الصغير، مقابل أن يكون قادتهم رجال دولته. تسرَّبت الأخبار إلى خصومهم وهم خليط من الموالي والعرب، فقتل أحدهم وهو محمد بن أبي عامر المعافري- الذي سيصبح بعد حين أقوى حاكم في تاريخ الأندلس، ويؤسس الدولة العامرية- أخا الخليفة، وأخذوا البيعة للطفل الصغير، وأصبحت العداوة بين الطرفين معلنة، ووضع المنتصرون أعينهم في منتصف رؤوسهم تحسبًا مما قد يفعل الصقالبة.

في الأسابيع التالية، سيحاول بعض الصقالبة تدبير مؤامرة لاغتيال الخليفة الصغير، يستغلها الوصي على عرشه  محمد بن أبي عامر ليقضي على نفوذ الصقالبة، فيوسعهم قتلًا وأسرًا ومصادرة، ويستصفي منهم أصحاب الولاء له، ليؤسس منهم طبقة من الصقالبة التابعين له، يتقوى بهم في صراعه مع باقي الأحزاب المتنافسة على صلاحيات الخليفة الصغير، حتى ينصِّب نفسه حاكمًا فعليًا على الأندلس باسم الملك المنصور، ويجبر هشام المؤيد على التنازل العلني له عن أعباء السلطة.

سيكون للصقالبة العامريين، أو الفتيان العامريين كما كانوا يسمَّون، شأنٌ كبير في دولة المنصور، ثم ابنه المظفر عبد الملك، والذي اعتمد عليهم كثيرًا، لأن المنصور لم يكن يثق في باقي الأحزاب التي أثار حفيظتها في معركته للوصول للسلطة. ويتوفى بعد حوالي ربع قرن عام 392هـ تاركًا الدولة القوية التي أسسها في الأندلس والمغرب الأقصى في حكم ابنه المظفر، وكان يشبه أباه شيئًا في الحزم والتدبير.

عام 399 هـ، يموت المظفر فجأة، حتى قيل قتله أخوه عبد الرحمن بالسم. تولى عبد الرحمن هذا الحكم، لكن سوء تدبيره، وسيرته، وضعف إمكاناته الشخصية، أدى خلال شهور قليلة، إلى إضاعة ما فعله أبوه، بل ما فعله الأمويون الأقوياء على مدار قرنيْن قبل أبيه، في تأسيس دولة قوية بالأندلس.

وبدأت الفتنة العارمة، عندما ثار أحد الأمويين، وهو محمد بن عبد الجبار الملقب بالمهدي على عبد الرحمن العامري وقتله، وانفجرت كافة تناقضات الأندلس، ودارت رحى عدة حروب أهلية متوازية على مدار 23 عامًا، حاول بعض الصقالبة إيجاد مساحة لأنفسهم في ساحاتها، ومن أشهرهم الفتى واضح الذي كان مقدم الصقالبة في زمان المنصور وابنيْه.

ستؤول الفتنة إلى انقسام الأندلس لأكثر من 20 دويلة، فيما سيُعرف بعصر ملوك الطوائف، وسيكون للفتيان العامريين نفوذٌ بارز في شرق الأندلس خاصةً، حيث فرُّوا من انتقام خصومهم في العاصمة قرطبة. كان من أشهر الفتيان العامريين في عصر الفتنة والطوائف مجاهد العامري، والذي حكم دويلة دانية، وجزائر البحر المتوسط الشرقية مثل ميوركا ومنورقة، لعشرات السنين، واشتهر بغزواته البحرية في المتوسط. لكن بعد حين سيختفي الصقالبة تدريجيًا من صفحة التاريخ الأندلسي، لكن لن تموت الفكرة التي ظهر بها الصقالبة في الأندلس، بل ستصل في شرق العالم الإسلامي إلى آفاقٍ أبعد.

«على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ».. كيف رسخ المتنبي «أسطورة» سيف الدولة لقرون؟

الانكشارية.. «فلما اشتد ساعده رماني»

الأناضول.. منتصف القرن الرابع عشر الميلادي: على أنقاض الدولة البيزنطية الغاربة، والدويلات التركية السلجوقية المتحللة، ينمو صرح جديد  في الأناضول، وتمتد فروعه إلى البحار الحيوية حول القسطنطينية، واسطة عقد العالم آن ذاك، وصلة الشرق والغرب، وبرزخ البحار الباردة والدافئة.

الإقطاعية التي كوفئ بها الغازي الرحالة أرطغرل منذ نصف قرن بعد إنجاده لأمير قونية -وسط الأناضول- علاء الدين كيقيباد من الهزيمة في أحد حروبه، أصبحت الآن  دولة قوية، يحكمها حفيده أورخان بن عثمان بن أرطغرل، وتكتسب في كل يومٍ أراضٍ وأنصارًا جدد.

لكن الحفاظ على استقرار ووحدة دولةٍ عمادها القبائل التركية، صعبة المراس، عسيرة القيادة، شديدة الطموح، متشعبة الولاءات، ليس بالمهمة السهلة أبدًا، ويحتاج لحلول استثنائية، تتناسب مع الظهور الاستثنائي للعثمانيين على مفترق طرق التاريخ والجغرافيا. من المنطلق السابق ستصبح اليد الطولى في الآلة العسكرية العثمانية الهائلة لحوالي خمسة قرون، لطائفة عسكرية فريدة، ستزلزل صيحاتها الهادرة ربوع شرق ووسط أوروبا، وآسيا الغربية والقوقاز والشرق الأوسط … إلخ، حيث مختلف ساحات الحروب العثمانية.

«الجيش الجديد»

بنمطٍ شبيه بما فعله الداخل في الأندلس، سيكون للدولة العثمانية جيشها الذي لا يتناسب مع قوته، سوى ولائه المطلق للسلطان وللدولة. سيقترح قره خليل أحد وزراء أورخان فكرة تأسيس «يني جري» أو «يني تشيري».. أو «الجيش الجديد». جيش متحرر من الولاءات القبائلية والمناطقية، يتم تأسيسه من أسرى الحرب من النصارى، خصوصًا الشبان الصغار، ليتشربوا بالأساس كل ما يحتاجه السلطان والدولة: الإسلام .. الولاء .. فنون القتال.

حرص أورخان أن تحظى الدفعة الأولى من الجند الجدد ببركة شيوخ الطريقة الصوفية البكداشية ذات النفوذ الروحي لدى العثمانيين. مع مرور الوقت تحولت كلمة «يني تشيري» إلى «يانيشاري»، ثم إلى «انكشارية» في التراجم العربية. ولضمان إمداد بشري مستمر للفيالق الانكشارية التي أصبحت بمرور السنين والعقود رأس حربة الجيش العثماني في مختلف الجبهات، خاصة الجبهة الأوروبية التي كانت أشبه بحرب عالمية مفتوحة إلى أجل غير مسمى، قرر العثمانيون الحصول على الجزية من البلاد المسيحية خاصة في منطقة البلقان جنوب شرق أوروبا، والتي كانت المسرح الأول والأكبر لغزواتهم ولنفوذهم على مدار خمسة قرون، على هيئة ضريبة رؤوس، وهكذا خرج إلى النور نظام «الدفشرمة» الشهير، والذي كان وما زال مثار جدل كبير بين المؤرخين الأتراك ونظرائهم الأوروبيين.

مقابل كل 40 شخصًا من الخاضعين لسلطان العثمانيين في البلقان، كان يُقدم طفل ليصبح في خدمة السلطان في إسطنبول، وعلى مدار سنواتٍ عديدة من التعليم والتدريب الشاق، وطبقًا لمهاراته الشخصية، وصفاته، يصبح هذا الطفل من خاصة جنود السلطان، فإما أن ينضم للفرق الانكشارية على الجبهات، أو يعمل في إحدى مؤسسات الحكم الهامة، أو يصبح من الحرس السلطاني … إلخ.

أغدق السلاطين على الانكشارية الأموال والألقاب، وأصبح لهم مكانة بارزة لدى الشعب العثماني خاصة في القرون الأربعة الأولى من عمر الدولة العثمانية والتي كان عنوانها الانتصارات والتوسع الهائل. ولعل هذا ما كان يدفع بعض الأسر المسيحية للتسابق لإلحاق أولادهم بنظام الدفشرمة، وذلك ليترقى هؤلاء، ويغدقوا على أهلهم ومناطقهم.

انتقام السلطان

في أول الأمر، أعطى الانكشارية حيوية استثنائية للدولة العثمانية، وكانوا بتدريبهم وتسليحهم أقوى فرقة حربية في العالم. لكن مع مرور الوقت، واتساع رقعة الدولة العثمانية بشكل هائل، وتزامُن هذا مع ضعف السلاطين اللاحقين، وتسلل الشيخوخة الزمنية شيئًا فشيئًا إلى الدولة الفتية، انفلت عقال الطبقة العسكرية الانكشارية، وبدأت تتدخل في سياسة الدولة واقتصادها، وتعزل وتولّي، وتقتل بعض السلاطين إن لزم الأمر، وتفتعل الثورات والاضطرابات من أجل ابتزاز الدولة بالمزيد من الامتيازات والعطاءات.

كذلك كانت تقاوم الفيالق الانكشارية إدخال الأسلحة النارية لاحقًا في القرنين السابع عشر والثامن عشر، فبدأت كفاءتها العسكرية تتراجع أمام الجيوش الأوروبية التي بدأت تحدّث نفسها مستفيدة من التطور العلمي الذي وصل إلى فورة الثورة الصناعية الكبرى منتصف القرن الثامن عشر.

أصبحت الانكشارية عبئًا على الدولة، وعقبة كأداء أمام محاولات إصلاحها، أو حتى تطوير أنفسهم، وأصبحوا حبلًا من الماضي يلتف على عنق الدولة التي بدأ منحناها في الهبوط المندفع، وأصبحت تخسر كل عامٍ أراضٍ جديدة، والمزيد من هيبتها. بعد فوات الأوان، في نهاية الربع الأول من القرن التاسع عشر الميلادي، يحاول السلطان العثماني محمود الثاني حل المعضلة الانكشارية بأي ثمن، فيحاول حملهم حملًا على الالتزام بنظم الدولة، وبتطبيق خطط الإصلاح والتطوير.

لكن لسنواتٍ لم تصل جهوده لنتيجة ملموسة، رغم وصول الأمور إلى حد الصدام الحربي معهم، مستخدمًا الفرق العسكرية الأكثر ولاء له، وللنظام، مثل البحرية. لكن كان الانكشارية يدافعون عن ظلهم الباهت بكل الوسائل، حتى أنهم أضرموا النيران في أجزاءٍ واسعة من إسطنبول ليجبروا السلطان على الإذعان لطلباتهم، وكان لهم هذا في الجولات الأولى.

في غضون هذا، استمرت تراجعات الدولة أمام الجيوش الروسية، وثورات الصرب في البلقان، وثورة إقليم المورة في اليونان والتي استعان السلطان لمحاولة إخمادها  بالجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا بن محمد علي والي مصر، والذي تأسس على النمط الحديث، وظهرت كفاءته مقارنة بالفرق الانكشارية التقليدية، وهكذا زادت النقمة على الانكشارية لعجزهم، ولتعجيزهم للدولة.  فبدأ السلطان ينظم فرقًا عسكرية جديدة، يدربها خبراء أوروبيون على الأسلحة الحديثة، فاستشاط الانكشارية غضبًا، وبدأوا يتعرضون للجند الجدد، ويظهرون التمرد والعصيان، وبدأت تتجمع في الأجواء نذر حرب شوارع مهلكة في العاصمة إسطنبول.

يوم 9 ذي القعدة 1240 هـ، الموافق 25 يونيو (حزيران) 1826م، سيحدث ما عُرف تاريخيًا بالواقعة الخيرية. تجمهر المتمردون الانكشارية في أحد أكبر ميادين إسطنبول. أمر محمود الثاني وحدات المدفعية الموالية له، بالتمركز في الأماكن الحيوية بالعاصمة، خاصة حول الميدان، وعلى المرتفعات المحيطة. فلما لم يمتثلوا للطاعة، سحقتهم نيران المدفعية. حاول الناجون الاحتماء بثكناتهم، فتحولت إلى مقابر جماعية لهم بعد أن دكَّتها مدافع السلطان. صدرت بعد هذه الواقعة المراسيم السلطانية بإبطال الفرق الانكشارية، وهكذا نالوا نهاية لا تتناسب بتاتًا مع روعة وقوة البدايات.

من العجيب في قصة الانكشارية، أنهم لم يتعلموا من دروسٍ تاريخية بارزة في تاريخهم أنفسهم. قبل أكثر من ثلاثة قرون من نهايتهم الأليمة، كانت الفرق الانكشارية في طليعة الجيوش العثمانية التي قضت على دولة قوية مجاورة، هي دولة المماليك، التي هيمنت على قلب العالم الإسلامي في مصر والشام والحجاز لقرنيْن ونصف. خلال عاميْن فحسب 1516-1517م، سحقت الجيوش العثمانية هذه الدولة التي كانت قبل قرنيْن أقوى دول العالم، وضمت أراضيها إلى سلطانها. أما السبب، فكان تكلس دولة المماليك لأكثر من قرن، واستشراء الفساد في الطبقة المملوكية المهيمنة، ومقاومتها لمحاولات التحديث العسكري، واستخدام البارود، واكتفائهم بما اعتادوا عليه من أنظمة قتالية عمرها قرون، مما أعطى تفوقًا تقنيًا ساحقًا للغزاة العثمانيين!

نعود الآن إلى بداية تجربة المماليك، وهي شبيهة بكل من الصقالبة والانكشارية، مع فارق رئيس، هو وصول طبقة العبيد السابقين إلى سدة الحكم بشكل مباشر، وليس من وراء ستار.

المماليك.. «عبيد السلطان» الذين حكموا مصر والشام لقرون

مصر والشام.. النصف الأول من القرن الثالث عشر الميلادي (السابع الهجري): أبناء وأحفاد صلاح الدين الأيوبي يتقاسمون حكم أرجاء الدولة التي أسسها الأيوبي تحت رايات الجهاد والوحدة، لكن لسوء الحظ، لم يبق الكثير من الجهاد أو الوحدة، في حين طغى على المشهد المزيد من الصراع على السلطة والنفوذ فيما بينهم. نتيجة لهذا، أخذ بعض الأمراء الأيوبيين يصنعون جيوشهم الخاصة، التي لا تعرف ولاءً لسواهم، فاستكثروا من جلب العبيد، خاصة الصغار، من آسيا الصغرى والوسطى، والقوقاز والقفجاق … إلخ.

كان أبرز من تبنوا هذا المسار الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل بن العادل الأيوبي، والذي كان والي أبيه الكامل على الإمارات الشرقية ومنها ديار بكر، جنوب تركيا حاليًا. نجح الكامل في ضم معظم أراضي الدولة الأيوبية خاصة حاضرتيْها القاهرة ودمشق إلى حكمه، لكنه فاجأ العالم أجمع بصفقة غريبة عقدها مع فريدريك الثاني الإمبراطور الألماني، والذي كان صديقًا للكامل، فسلَّمَه الكامل حكم القدس التي استردها عمه صلاح الدين قبل 40 عامًا، مقابل أن يحفظ المسلمين ومقدساتهم فيها، وعقد هدنة طويلة مع الدويلات الصليبية الباقية في الشام.

الصالح يكون جيشه الخاص

توفي الكامل عام 635 هـ، تاركًا حكم الدولة لابنه العادل سيف الدين. غضب الصالح أيوب، لأنه كان يرى نفسه أحق بخلافة أبيه، خاصة مع سوء سمعة العادل، وضعف قدراته. بدأ الصالح أيوب رحلةً صعبة انطلقت من حصن كيفا جنوب تركيا الحالية، وانتهت في قلعة الجبل بالقاهرة، بعد صعود وهبوط في حروبه مع بعض أعمامه وأبناء عمومته. كان سيف ودرع الصالح في ذلك المخاض العسير لدولته هو جيشه، والذي كان عموده من العبيد الأشداء الذي اصطفاهم، وأحسن تربيتهم على الولاء له، وعلى فنون الحرب، ومبادئ الدين، والذي سيكونون النواة الفعلية للمماليك الذين عرفهم التاريخ.

لما تسلطن أيوب في القاهرة عام 637هـ /1239م ، قرّب إليه مماليكه مكافأة على إخلاصهم له في صراع السلطة، وبدأ في جلب المئات من أمثالهم من أسواق الرقيق، وأوكل لقدامى المماليك استقبال هؤلاء الجدد، وتلقينهم كل ما يعرفون، وبالطبع تربيتهم على الولاء المطلق للسلطان وللدولة. كذلك مع الوقت ستنشأ علاقة خاصة من الولاء والطاعة بين هؤلاء الأساتذة، والمماليك الجدد، سيكون لها آثار جانبية عديدة فيما بعد.

بدأ الصالح يجني ثمار الجيوش المملوكية، فانتصر بهم انتصارًا مدويًا في موقعة غز -لافوربييه عام 1244م/642هـ  على تحالف كبير بين الصليبيين وبعض خصومه الأيوبيين، لينجح بعدها في استعادة القدس بمساعدة المماليك الخوارزمية الذي استجلبهم لخدمته بعد تفرقهم في البلاد إثر الغارات المغولية المدمرة التي قضت على الدولة الخوارزمية في آسيا.

جاءت النقلة الأكبر في تاريخ المماليك بينما الصالح أيوب على فراش الموت. دهمت الحملة الصليبية السابعة بقيادة ملك فرنسا لويس التاسع مصر 1249م/647هـ ، فاحتلت ميناء دمياط، وتوغلت في البلاد بقصد احتلال مصر، والتي كانت مركز العالم الإسلامي آنذاك. توفي الصالح أيوب أثناء الحرب.

Embed from Getty Images

تخفي زوجته المملوكة السابقة شجر الدر الخبر، وبمساعدة مقدمي المماليك كأقطاي وأيبك وبيبرس وقطز تنجح في إدارة الدولة في تلك اللحظة الحساسة حتى تحقق النصر الكاسح، وسقط لويس التاسع أسيرًا. ارتفعت أسهم المماليك كثيرًا بعد النصر العظيم، ولذا لم يقابلهم اعتراضات كبيرة عندما قتلوا توران شاه بن أستاذهم الصالح أيوب، والذي كان صاحب ولاية العهد بعد أبيه، بعدما أساء معاملتهم، وقدم عليهم رجاله الذين أتى بهم من معقله في جنوب تركيا.

نصب المماليك شجر الدر حاكمةً لمصر، فقوبل هذا باعتراضاتٍ جمة لكونها امرأة، فتزوجها أحدهم وهو أيبك، وتلقب بالمعز عز الدين أيبك وأصبح هو السلطان، وبذلك وصل المماليك إلى سدة الحكم لأول مرة في تاريخ مصر الإسلامية.

انهيار حكم المماليك

بعد سنوات اتسمت بصراع السلطة بين المماليك وبعضهم البعض، آل حكم مصر إلى المملوك سيف الدين قطز، في وقتٍ عسير للغاية، وصل فيه زحف الغزوات المغولية البربرية إلى حدود مصر، مكتسحة ما بين الصين إلى فلسطين. يقود قطز جيوش مصر وعمادها المماليك لنصر تاريخي بارز ضد التتار في عين جالوت 1260م/658 هـ، ويحرر بعدها الشام وأجزاء من العراق من حكمهم، بعد عاميْن فقط من تدميرهم لبغداد العاصمة التاريخية للدولة الإسلامية، وقضائهم على الخلافة العباسية.

في القرن التالي لعين جالوت، ستتعزز شرعية حكم العبيد السابقين، بتأسيسهم دولة قوية حاضرتها القاهرة، خاصة في عهود حكم الظاهر بيبرس، والمنصور قلاوون، وابنه الناصر محمد بن قلاوون، ودفاعهم عن الأمة في معارك طاحنة، قضوا بها تباعًا على التهديد المغولي لمصر والشام، وأنهوا بقايا  الوجود الصليبي الذي استمر زهاء قرنيْن في السواحل الشامية.

كان من أبرز سمات عصر المماليك، كثرة الصراعات على السلطة فيما بينهم، حتى أن نهاية أكثر سلاطينهم كانت القتل. ولذا كان يحرص كل سلطان مملوكي، وكذلك الأمراء الأقوياء، على جلب المزيد من المماليك أصحاب الولاء المطلق له، وذلك ليتقوى بهم، ويحفظ سلطانه وحياته.

ثم تجري قوانين الدول التاريخية على المماليك ودولتهم، فتبدأ مسار الانهيار الحتمي، والذي آل إلى الانهيار الأول على يد سليم الأول العثماني عام 1517م. لكن يظل لطبقتهم الكثير من النفوذ في مصر العثمانية زهاء قرونٍ ثلاثة، انتهت بمذبحة القلعة الشهيرة التي رسمت مشهد النهاية الدامي لخمسة قرون ونصف، افتُتِحَت بالدم كذلك، وكان فيها المماليك الرقم الأصعب في معادلات الحرب والسياسة في العالم الإسلامي.

عبد الحميد الثاني.. قصة السُلطان «المُستبد» الذي رفض بيع القدس