هل تتجه أوروبا أكثر صوب التكامل السياسي، فتصبح قوة عظمى عالمية في نهاية المطاف، أم تتميع مؤسساتها القائمة، ما قد يسفر عن إحياء الصراع داخل المنطقة؟ خياران يواجهان أوروبا بحسب المراقبين.

لكن معظم المحللين يتفق على أن أوروبا الموحدة سوف تصبح في وضع أفضل لمعالجة المشاكل الأمنية المتنوعة، والتي تشمل كبح جماح روسيا التي استعادت عافيتها، والمساعدة في تهدئة أوضاع آسيا المنقسمة، وحماية المشتركات العالمية.

رغم أن التكامل السياسي يعتبر الحلقة الأضعف في أوروبا، أصبح صعودها كقوة عظمى موضوعًا مألوفًا للنقاش بين الأكاديميين، ويرى المتفائلون أن أوروبا إذا توحدت ستصبح أكبر من مجموع أجزائها، ويمكن أن تقدم مساهمة متميزة في العلاقات الدولية.

بيد أن آخرين، مثل هيدلي بول، يرون ذلك ينطوي على تناقض في المصطلحات؛ لأن الاتحاد مكون من دول منقسمة في كثير من الأحيان، وعملية التكامل الأوروبي كانت في الواقع تهدف لإلغاء سياسات القوة، وحتى وقت قريب كان الاتحاد يفتقر إلى الأدوات اللازمة لممارسة السلطة في الواقع، مثل: الدبلوماسية المشتركة والقوة العسكرية.

على أي حال، كشفت هذه النقاشات أن معاملة أوروبا كقوة عظمى يتطلب تعريفات إبداعية للمفهوم. على النقيض، يمكن وصف الولايات المتحدة بأنها قوية وفق أي تعريف، ودون إثارة أي أسئلة، ما عدا ربما تلك المتعلقة باستخدام قوتها بشكل مناسب أم لا.

وتنشأ هذه الصعوبة من طبيعة الاتحاد الأوروبي ذاتها، التي تأسست على رفض القوة كوسيلة لتنظيم العلاقات بين الدول، والتمحور حول إدارة التحديات والخلافات من خلال قواعد وتفاوض وتسوية مشتركة، أو بعبارة أخرى: رفض سياسات القوة التي أدت إلى التاريخ الكارثي في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

[c5ab_gettyimages ][/c5ab_gettyimages]

وخارجيًّا، يعتمد الاتحاد أيضًا على رفض استخدام القوة كأداة سياسية، وهو ما يعتبره بعض الأعضاء امتدادًا لتقاليدهم الإستراتيجية الخاصة بالسعي لبسط النفوذ وتحقيق المصالح عبر الوسائل السلمية، فيما يراه آخرون، على النقيض من ذلك، نمطًا تاريخيًّا جديدًا من الاشتباك مع العلاقات الدولية، ويؤدي إلى تطبيع تراجعهم النسبي كقوة، وحتى عندما يعالج الاتحاد الأوروبي اليوم القضايا الأمنية والدبلوماسية، فإنه يفعل ذلك بطريقة لا تنسجم مع الرؤية الكلاسيكية لسياسات القوة.

ورغم وضع سياسات خارجية مشتركة، مثل: السياسة التجارية المشتركة، وسياسات التعاون والتنمية، ومؤخرًا السياسة الأمنية والخارجية المشتركة، يظل إنشاء القوة العظمى الأوروبية نتيجة غير بديهية للتكامل الأوروبي.

تكامل أم تفكك؟

من ناحية، أظهرت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إرادة سياسية هامة للحفاظ على إنجازات التكامل الأوروبي، مثل الاتحاد الاقتصادي والنقدي، وفي إنقاذ منطقة اليورو الهشة، أظهرت هذه الدول تماسكًا يتعارض – في بعض الحالات – مع مصالحهم الشخصية العقلانية الاقتصادية والمالية.

ومنذ إنشائه كان تصميم الاتحاد النقدي الأوروبي سياسيًّا وليس نقديًّا منطقيًّا، لكن الدول الأعضاء أظهرت الآن التزامها بهذه الرؤية السياسية عبر الحفاظ على الاتحاد النقدي الأوروبي بتكلفة اقتصادية عالية، أيضًا كانت هناك خطوات جديدة نحو مزيد من التكامل في قضايا رئيسية مثل مراقبة الميزانيات الوطنية وظهور الاتحاد المصرفي.

على الجانب الآخر، أرسل نمو عدم الثقة المتبادل خلال الأزمة بين الدول الأعضاء (ومواطنيها)، ورفض آخرين المضي قدمًا في ربط اقتصاداتها معًا بشكل وثيق، إشارات متضاربة، تذكرنا بأن التضامن والتكامل الأوروبي لا ينبغي أن يكون أمرًا مفروغًا منه، بل إن العديد من الأركان الأساسية طويلة الأمد للتكامل السياسي تبقى موضع تساؤل وسط تهديدات إعادة التأميم. هذا هو الحال، على سبيل المثال، فيما يتعلق بالأمن المشترك وسياسة الدفاع، ومع السياسة المشتركة بشأن اللجوء والهجرة.

الواقع الآن، أن لأوروبا مستقبل متعدد الوجهات. فبينما كان الاتحاد الأوثق هو المآل الأوحد في الماضي، برزت اتجاهات أخرى تشير إلى التفكك، إما نتيجة للتمييع الداخلي، أو للضغط الخارجي.

وتثبت الدول الأعضاء باستمرار أنها تدعم الاتحاد الأوروبي؛ فقط لأنها تعتبر ذلك أكثر فاعلية من البدائل. لكنها في الوقت ذاته، ستكون على استعداد لقبول المزيد من التكامل إذا كان بإمكانه مساعدتها على إدارة مصالحها في العالم، والدفاع عنها وتعزيزها، وسوف تكون على استعداد لدعم الاتحاد الذي يسمح لها بتشكيل البيئة الدولية، بدلاً من مجرد التكيف معها، أو المعاناة بسببها. بعبارة أخرى: ستكون هذه الدول على استعداد لمزيد من التكامل، إذا كان بإمكان الاتحاد الأوروبي العمل كقوة. والمفارقة هنا، تكمن في أن الاتحاد الأوروبي لن يستطيع أن يصبح قوة إلا إذا سمحت له الدول ومواطنيها بالقيام بذلك عبر مزيد من التكامل.

ويمكن أن يتفكك الاتحاد الأوروبي إما عن طريق انسحاب دولة أو أكثر طواعية، أو من خلال التبرؤ الصريح من سياسات مشتركة معينة، أو جوانب محددة من التكامل. ويمكن أن يحدث ذلك عبر التراجع التدريجي إذا فشل الاتحاد الأوروبي في التكيف مع الواقع المتغير؛ وهو ما لا ينبغي التخفيف من خطره أبدًا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد