برعت الحضارة المصرية القديمة في جميع أنواع الطب، وكانت رائدة في العديد مجالاته، وقدمت مصر القديمة للعالم أول طبيبة ورئيسة للطبيبات في التاريخ بحسب ما ذُكر في كتاب «الطب المصري القديم» للكاتب والطبيب البريطاني جون إف نن، والتي تعرف باسم: «بس شت».

يرجع تاريخ ممارسة تلك الطبيبة للمهنة إلى الأسرة الخامسة، وإذا كانت الطبيبة الأولى في التاريخ الحديث هي البريطانية اليزابيث أندرسون؛ فقد سبقتها المصرية «بس شت» بأربعة آلاف عام.

كذلك قدم المصريون القدماء أيضًا أول صيدلاني في التاريخ، وكان اسمه «باي بدجت»، وعاش في فترة حكم الملك «رمسيس الثاني» الذي لُقب بالبناء العظيم، وهناك العديد من البرديات التي تركتها الحضارة المصرية القديمة وراءها، والتي تشرح مفاهيم طبية متطورة بشهادة الأطباء العالميين الآن، ومن أشهرها بردية «إدوين سميث».

تاريخ الحضارة المصرية القديمة في الطب حافل ومليء بالمعلومات، وفي هذا التقرير نختص بالذكر الجراحة في تلك الحضارة؛ نظرًا لكونها من أشد مجالات الطب احتياجًا للدقة والمهارة.

«شمس الله تسطع على الغرب».. كيف طوّر المسلمون الطب ومنحوه للعالم بالمجان؟

«بي سش كف».. مشرط الحياة والموت

يحاول بعض علماء الآثار في الغرب إنكار دور المصريين القدماء وتطورهم في مجال الجراحة، ولكن في المقابل هناك متخصصون من أبناء جنسهم قدموا العديد من الدلائل الموثقة على ممارسة المصريين القدماء للجراحة، بل النجاح فيها.

الأدوات الجراحية على حائط معبد كوم أمبو

من أهم تلك الدلائل مجموعة من الأدوات التي وصفها أطباء الغرب بالـ«رائعة»، والموجودة على جدران معبد كوم أمبو بأسوان، وتلك الأدوات المرسومة على حائط المعبد تضمنت خطاف حاد بفرعين، وشفرة منشار، وجفت للأسنان والعظام، ومقص، وآلة كي.

ويعتبر من أهمهما رسمتان لمشرطي جراحة، وهما آلتان تشبهان بعضهما ذواتا عنق طويل من الحديد وفي نهايتهما نصل جراحي، بالإضافة إلى رسمة تجسد حاوية للأدوات الجراحية التي قد تشير إلى اهتمام المصريين القدماء بتعقيم وحفظ الأدوات الجراحية.

المشرط الجراحي ذُكر في أكثر من بردية طبية تعود إلى مصر القديمة، وهناك في اللغة المصرية القديمة خمس كلمات تشير إلى المشرط الذي كان يستخدم في الأغراض الطبي وهي: «خي بت»، و«دس»، و«شاس»، و«هي مم».

وكل اسم يعود إلى طبيعة استخدام المشرط والمنطقة الجسدية التي يمكنه العمل عليها، ومن المعروف لدى علماء الآثار أن «مشرط خي بت» مُخصص لجراحة الأذن فقط. وصنع المصريون القدماء أدوات الجراحة من الحجر الصوان، وكان لهم مهارة خاصة في قطع وتشذيب الصوان فاقت قدرات العالم أجمع بحسب جون إف نن.

المشرط الخامس المذكور في البرديات المصرية الطبية، هو مشرط يمثل حالة خاصة، واسمه «بي سش كف» وهو مشرط له نهاية تشبه ذيل السمكة ويبدو مثل سكين صنع من الصخر المميز وكان يستخدم منذ عصر ما قبل الأسرات في فتح فم المتوفى. وهو طقس ديني يُطعم فيه الكاهن المتوفى هبات الله في فمه أثناء تحنيطه، وكان له دور كبير في تثبيت الفك السفلي للمومياء، وكذلك كان يستخدم لقطع الحبل السري بعد الولادة، ولذلك فهو بمثابة مشرط للحياة والموت، على حد سواء.

«بردية إبيرز» تكشف علاج المصريين للفتق السري

«ورم يقع في أعلى جدار البطن، إذا قمت بفحصه تجده فوق السرة، فعليك أن تضع يدك عليه، ولاحظ انتفاخ الورم تحت يدك عندما تأمر المريض بالسعال» تلك الفقرة المذكورة في «بردية إيبرز» تعتبر وصف كلاسيكي دقيق للغاية لحالة الفتق السري.

بردية إبريز

 وجاء تسجيل الفتق السري في عدة رسومات ونقوش لدى بعض العمال والخدم، وتكملة تلك الفقرة هي وصف تفصيلي لعلاج هذا الفتق السري مثلما يعالجه الجراحون المعاصرون تمامًا، وينطبق الأمر نفسه في البردية على وصف علاج حالات الاستسقاء.

وبخلاف الفتق السري والاستسقاء؛ فإن الأمراض التي ذُكر علاجها جراحيًا في بردية إبيرز، تتضمن الورم الدموي، والخراج، وكيس الشعر، والأورام الدهنية، وأورام الأوعية والأورام الخبيثة، والتجمعات الدموية أيضًا، ويمكنك أن تتخيل أحد الأطباء المصريين قديمًا، وهو ينادي بصوتًا عاليًا بعد أن فحص المريض؛ ويقول: «دجي وا»؛ أي نحتاج لإجراء إحدى العمليات الآن.

في بردية إدوين سميث والتي تعتبر مرجعًا لكيفية التعامل مع إصابات الجزء العلوي من الجسم، نجد فيها ثلاثًا من الحالات الجراحية المهمة، والتي تشير إلى أورام أو قرح والتهابات الثدي، وفي هذه الحالات نجد في البردية وصفًا واضحًا لكتل منها الصلب ومنه اللين، منها المؤلم، وآخر يحتوي على سائل بداخله. 

ثقب الجمجمة وختان الذكور.. عمليات جراحية بأدوات فرعونية

التربنة أو ثقب الجمجمة هو إجراء جراي يجري في الوقت الحالي عن طريق إزالة جزء من العظام بالجمجمة بغرض إيجاد طريق إلى مخ الإنسان لعلاجه، وهناك ما يثبت أن هذه العملية الجراحية أجريت في مصر القديمة.

حتى عام 1930 ظن علماء الآثار أن المصريين القدماء لم يعرفوا عمليات التربنة، وهذا لأن البرديات التي وصلت إلى أياديهم ليس بها أي ذكر لتلك العملية الجراحية، وملاحظة الموميات ودراستها وضحت أن الثقوب بالجماجم نتيجة ضربات قاتلة أو حوادث، ولا تشبه الثقب الذي يجب فتحه لإجراء الجراحة.

ثم اكتشف عالم الآثار جيمس هنري برستد عام 1930 حالة تربنة في إحدى الجماجم التي تعود لأحد نبلاء الأسرة الثانية عشر، وأكد أن هذا الثقب يعود إلى إجراء تلك لعملية الجراحة، وليس ثقبًا نتيجة إصابة قاتلة.

النقش الذي يجسد عملية الختان في مصر القديمة

ومن بعده في عام 1973، جاء بول غليونجي الطبيب وعالم الآثار، وأوضح أن الثقب الموجود في جمجمة الأميرة «حورسيس نست» يدل مظهره على أنه تم بواسطة مطرقة، أو أزميل، أو منحت محدب بقطر واسع كما هو الحال في طرق إجراء عملية التربنة الجراحية، وأثبت غليونجي أن صاحبة الجرح عاشت بعده سنوات طويلة؛ ما يؤكد أن الجرح ليس نتيجة إصابة قاتلة.

ومن الأمور التي أشار إليها غليونجي، ولفت الأنظار إليها، هما: نقشان يرجعان للأسرة الأولى، أحدهما للملك «أها» والثاني للملك «دي جير»، ويظهر في النقشين شخص جالس على ركبتيه وذراعيه خلف ظهره، بينما يقف أمامه شخص آخر يشير بشيء يشبه الخنجر ناحية الجزء الأعلى من صدره. 

واختلف في تفسير الأمر علماء الآثار؛ يرى بعضهم أنه الرسم قد يكون تجسيدًا لتضحية بشرية، بينما يرى البعض الآخر أنها تجسيد واضح لإجراء عملية فتح القصبة الهوائية. أما المؤكد ذكرها بتوضيح يصعب الشك في أمره أو الجدال في تفسيره؛ فهي عملية الختان.

وتظهر خطوات تلك العملية بوضوح كامل في النقش الموجود في مقبرة عنخ ماهور وهو الرجل الذي كان وزيرًا ورئيسًا لجميع العاملين لدى الملك تيتي من الأسرة السادسة، وهناك أيضًا بقايا رسم مشابه في معبد الكرنك.

ويظهر في الرسم رجلًا جالسًا يجري العملية لرجل آخر بينما يردد الجالس: «أنا سأجعل الأمر مريحًا»، بينما يقول الرجل الذي تُجرى له العملية: «ادعك جيدًا حتى يكون فعالًا» وفي هذه الجملة يقصد المخدر الذي يعفيه من ألم الجراحة، ولم يحدد علماء الآثار بعد نوع المخدر الذي استخدمه المصريون القدماء في إجراء العمليات الجراحية الحساسة.

الدين بوابة الدخول للطب المصري القديمة

برع المصريون القدماء في خياطة الجروح وخاصة في حالات جروح الرأس، وجروح الحاجب، وجرح الأنف، وجرح الأذن، وجرح الشفة العليا، وجرح منفرج بالحلق، وجرح منفرج بالكتف.

وأثبت علماء الآثار أن المصريين القدماء كان لهم قدرة فائقة على استخدام الإبرة في خياطة الجروح، وترجع أقدم الإبر الجراحية التي عُثر عليها إلى فترة ما قبل الأسرات.

ووصف المصريون القدماء عملية خياطة الجروح بعد الجراحة أو لإنقاذ المريض من جروح مؤذية قائلين: «فإذا قمت بفحص إنسان يعاني جرحًا منفرجًا في عنقه ويخترق البلعوم، وإذا حاول المريض شرب الماء فإنه يكون على شفا الاختناق، ويخرج الماء من الجرح، ويحدث التهابًا شديدًا؛ مما يسبب ارتفاعًا في درجة حرارته، فعليك في هذه الحالة أن تغلق جانبي هذا الجرح باستخدام الغرز».

ما اتفق عليه علماء الآثار هو تميز المصريين القدماء في الطب عامة، وفي الجراحة خاصة وربما يعود هذا إلى أسباب دينية؛ وهذا لأهمية تحنيط الجسد بعد الوفاة حتى يجد الإنسان جسده عونًا له في رحلته الأبدية بعد الوفاة كما آمن المصري القديم في دينه، وهذا الإيمان الديني هو ما دفعهم لسبر غور الجسد البشري، ومحاولة فهم كيفية عمله وعلاجه ليكون صالحًا في الحياة الأبدية بعد الموت.

مات لأجله إمبراطور الصين.. هل توصل العلم أخيرًا إلى «إكسير الشباب الدائم»؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد