هل تشعر بالذنب ولوم النفس طوال الوقت لأنك نجوت من حادث ما أو حتى تخفيض عمالة؟ هذا الشعور يُعرف بـ«متلازمة الناجي».

في إحدى فعاليات التظاهرات التي قامت على إثر مقتل جورج فلويد، المواطن الأمريكي الأسود، على يد رجال الشرطة الأمريكية؛ قام بعض الأشخاص البيض بغسل أقدام بعض المواطنين السود، نوعًا من أنواع الرمزية للتكفير عن خطايا الرجل الأبيض تجاه السود، وبرغم أنهم ليسوا المسئولين عن ذلك بشكل شخصي، فإنهم يشعرون بما يُسمى بـ«الذنب الأبيض»، ذلك الشعور الذي ينتاب الرجل الأبيض تجاه من استعمرتهم بلاده، ونال هو شخصيًّا امتيازات على إثره.

لكن الأمر لا يقتصر على «الذنب الأبيض»؛ فقد يشعر شخص بالاكتئاب أو الحزن بعد نجاته من حادث ما أليم، سواء كان حربًا أو  زلزالًا، أو وباء عالميًّا. ففي واقع الأمر يشعر البعض بالذنب إذا نجوا بمفردهم، ولم ينج الآخرون، فيحمِّلون أنفسهم مسئولية وفاة أو عدم نجاة غيرهم، دون أن يكون لهم يد فعلًا فيما حدث لهم.

حينها يسيطر على الشخص سؤال: هل كان يمكن أن أمنع ما حدث للآخرين؟ إذ يرى أنه كان ينبغي أن ينجو الجميع أو يموتوا معًا. هذه الحالة تسمى «متلازمة الناجي» أو «ذنب الناجي». ومتلازمة الناجي موجودة أيضًا في الثقافة الشعبية في قصة «سوبر مان»، فهو الناجي الوحيد في كوكب كريبتون لذا يشعر بشيء من الذنب.

هل أخذت فرصة غيري في النجاة؟

كان سيجموند فرويد هو أول من لاحظ أن البعض ينتابهم شعور بالذنب لنجاتهم وموت الآخرين. لكن مصطلح «ذنب الناجي» ظهر لأول مرة عام 1961، لوصف المتلازمة التي انتابت الناجين من الهولوكوست، وكان أول من استخدمه هو الطبيب النفسي ويليام نيديرلاند. وهذه المتلازمة هي أحد الأحداث المترتبة على كرب ما بعد الصدمة.

«أنا قلق بشأن عائلتي التي ما تزال بسوريا؛ لم أفعل شيئًا لأستحق النجاة، كيف لي أن أمكث هنا لألعب بالأرقام في الوقت الذي تعاني فيه عائلتي؟» * شاب سوري يدرس الرياضيات في الولايات المتحدة

Embed from Getty Images

أحد الناجين من معسكر أوشفيتز بيركينو

فتئنُّ مجموعة ممن يخضعون لعلاج جماعي من أثر السرطان، لوفاة زميلة لهم، ويتساءلون لماذا رحلت وظللنا نحن؟ هل نحن فئة محظوظة؟ ويعاني من هذه المتلازمة أيضًا رجال الإطفاء، والمحاربون القدامى، والناجون من أحداث 11 سبتمبر، ومن خضعوا لعمليات زرع أعضاء، والناجون من حادث قتل جماعي، والناجون من وباء الإيدز بشكل خاص، كما لاحظ الباحثون أن المتلازمة تصيب أيضًا بعض أفراد العائلات الأكثر حظًّا، وثروة من أقاربهم.

ما هي أعراض متلازمة الناجي؟

بينت دراسة صدرت عام 2018 وأُجريت على مجموعة ممن يعانون من متلازمة كرب ما بعد الصدمة، أن 90% منهم يشعرون بالذنب لمجرد نجاتهم من أحداث أليمة دون الآخرين. وتتشابه أعراض متلازمة الناجي مع أعراض متلازمة كرب ما بعد الصدمة، من حيث استدعاءات الذاكرة لأطياف الحادث، ومن الغضب والضيق والخوف والارتباك، وانعدام الرغبة في الحياة، واضطرابات النوم، واللجوء للعزلة، واضطرابات في النوم، والكوابيس، وزيادة ضربات القلب، والتفكير في الانتحار.

وبينت الأبحاث أن الشخص الناجي يبالغ في تقديره حول دوره في الحادث، وقدرته على التنبؤ بحدوثه، أو قدرته على منعه، وحماية الآخرين، أما هؤلاء الذين يعانون في الأصل من الاكتئاب والقلق وتاريخ من الصدمات، خاصةً في الطفولة؛ فتتعاظم تأثيرات متلازمة الناجي عليهم.

على عكس الشائع.. المتلازمة تقلل من إنتاجية الأفراد

يشيع قول بأن العمال الناجين من التسريح من العمل، أو الذين لم يشملهم تخفيض العمالة، سوف يشعرون بالامتنان لصاحب العمل، ويعملون بجدية أكثر، لكن العكس هو ما يحدث. ففي إحدى الدراسات التي حملت  اسم «لا تتوقع من الناجين من التسريح من العمل أن يكونوا ممتنين» بينت أن 74% من العمال انخفضت انتاجيتهم بعد تسريح العمال الآخرين، ويقول 69% من العمال إن جودة خدمات الشركة، ومنتجاتها قد انخفضت منذ أن خفضوا العمالة، بينما وصف 62% من المشتركين في الدراسة إحساسهم بثلاث كلمات: الغضب والقلق والذنب.

Embed from Getty Images

لذا يرى المتخصصون أهمية تعاطف أصحاب العمل مع العمال الذين شملهم التسريح، وتقديم مكافأة نهاية الخدمة لهم، وإيجاد طريقة لتهدئة وإدارة العمال الآخرين الناجين، وأن يوجد أصحاب العمل باستمرار بالقرب من العمال، لبناء الثقة، والتحدث معهم صراحةً عما إذا كان تسريح العمال مؤقتًا، وإلا لن يوفر اقتطاع العمال التكاليف كما كان متوقعًا.

كيف تنجو من متلازمة الناجي؟

1- اسأل نفسك من هو المسئول فعلًا؟ احزن على الفقد لكن لا تحمِّل نفسك المسئولية. فالطالب السوري ليس مسئولًا عن معاناة عائلته، بل النظام السوري و«داعش»، وقوى أجنبية أخرى، إن الأمر خارج عن سيطرته تمامًا، أما الموظف الذي قللت شركته العمالة وسرحت زملاءه بسبب جائحة كورونا، فهو غير مسئول عما حدث، بل سياسة الشركات، والسوق العالمي، وتطور الفيروسات، فلا ينبغي أن يحمِّل نفسه أخطاء غيره.

2- المرور بمشاعر قوية ليس سيئًا كله، ذكِّر نفسك بأن الحزن والفقد يمكن التعامل معهما، فربما كان الشعور بالذنب هو حالة للهروب من الاكتئاب، تقبَّل ما حدث فحسب.

3- ذكر نفسك بتأثير نجاتك على من يحبونك.

4- إذا كان من بدٍ فاجعل الذنب يحركك، لكي تنقذ شخصًا آخر.

5- لا تترك نفسك فريسة للعزلة، وتواصل مع الآخرين.

6- شتت تفكيرك الذي انصب على الحادث، بأي ممارسات حياتية، من قراءة، أو يوجا، أو استماع لموسيقى.

7- الجأ لمتخصص في العلاج النفسي.

8- في الحياة لا يربح الجميع، أو يخسرون بالتساوي؛ فيأتي الذنب من فكرة أنك كنت محظوظًا بما يكفي لتنجو من المذبحة، في حين حُرم الآخرون، لكن الحظ في الحياة عشوائي تمامًا، وأنت غير مسئول عن ذلك.

صحة

منذ سنتين
«الغضب يدفعك لحلّ المشاكل».. 5 تأثيرات إيجابية مثبتة علميًّا تجلبها المشاعر السلبية

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد