سفيتلانا أليكسفيتش، اسم يصعب نطقه وكتابته وجب علينا الاهتمام به فجأة، اختيار لجنة تحكيم نوبل للآداب لهذا العام كان من الصعب تقييمه من كل المنتظرين، حيث كشف عن نوع مختلف تمامًا من الأدب اقترب إلى الواقع لدرجة الملامسة، نوع نقل أصوات نطقت لأول مرة إلى الورق، ولمَ لا وسفيتلانا بالأصل صحافية استقصائية.

عكس المخاوف التي انطلقت من قراءة أدب تاريخي كتبت سفيتلانا تاريخًا للعواطف في أشد الحروب والكوارث على لسان النساء والأطفال، وجاء في بيان الأكاديمية السويدية أن أعمالها “المتعددة الأصوات تفنّد معاناة عصرنا”، وهو بالضبط ما أرادته سفيتلانا مع تخصصها في رصد أصوات واعترافات الإنسان الحقيقية، وأدلة الشهود، والوثائق، وكما عبرت فهي بهذه الطريقة تستطيع أن تكون عدة أشخاص في وقت واحد: كاتب، وصحفي، وعالم اجتماع، وعالم نفس، وواعظ.
الآن وكل ما نتمناه أن نجد من ينقل أدب سفيتلانا من عزلته اللغوية، وهي التي تكتب الروسية والبيلارسية أحيانًا، وقليل ما تم ترجمته للإنجليزية لنستعد لقراءة أدب غير معتاد جمع بين جفاف الأحداث وعواطف الضحايا.

أبناء الزنك: أصوات من الحرب الأفغانية

في حربها غير المعلنة على أفغانستان من عام 1979 إلى عام 1989، قدرت القوات السوفيتية بنحو مليون جندي خلفوا 50 ألف قتيل وعبثوا بمستقبل الآلاف وإنسانيتهم، وهنا نطقت سفيتلانا بصوت التاريخ المخفي عن الحرب الأفغانية، فوثقت لقصة أكثر ما يثيرك فيها وحشيتها، وكشفت التشابه بينها وبين حرب فيتنام الأمريكية في بحث استمر أربعة أعوام عن تلك النظرات المروعة.

جعلت سفيتلانا في الرواية كل قارئ على صلة حميمية بحرب بعيدة جدًّا عنه، وكأنها أعادت شحن القتلى من توابيت الزنك المختومة أمام دولة نفت مرارًا وقوع الحرب ومجتمع سوفيتي ما زال يرفض ذكر “فيتنام السوفيتية”.

أضرت “أبناء الزنك” بالكاتبة وأثارت الجدل والغضب حولها عندما نشرت لأول مرة في الاتحاد السوفيتي حتى وصفوا روايتها “بنص افتراء صنعة الخيال وأصوات هستيرية لهجمة خبيثة في صورة كتاب”، فقد حوى الكتاب شهادة صريحة للجنود والممرضات والأمهات وأبناء الضحايا وبناتهم، كل من لا ينسى أثرًا للحرب حتى ملأت سفيتلانا ثقبًا في الذاكرة اسمه حرب أفغانستان، وهي تحكي عن جمال الطبيعة بها، ووحشية القوات العسكرية، وتعمد القتل والتشويه، واضطراب الحياة اليومية.

لمتابعة الرواية على موقع Goodreads

صلاة تشيرنوبل: أصوات من الكارثة النووية

في 26 أبريل 1986، وقع حادث بمفاعل تشيرنوبيل وظل أسوأ حادث نووي في التاريخ، وغطت آثاره المدمرة ثلاثة أرباع أوروبا، حيث كان ما يقرب من 200 موظف يعملون في مفاعل الطاقة النووي بأوكرانيا، لقى منهم 36 شخصًا مصرعهم، وأصيب أكثر من 2000 شخص.

“صلاة تشيرنوبيل” كان الكتاب الأول الذي نقل أصوات من وقعت عليهم المأساة في صمت، قامت سفيتلانا بإجراء مقابلات مع 500 ناجٍ وناجية من الانهيار ورجال الإطفاء ومن تم تكليفهم بدفن وجه الأرض الملوث وإطلاق النار على كل الحيوانات بالمنطقة، وقصصهم التي كشفت عن الخوف والغضب واللا يقين المستمر معهم رغم تنظيف آثار الكارثة جيدًا لكنها الآثار التي لا تمحى من نفوس البشر.

نقلت سفيتلانا أصوات الضحايا داخل روايتها في شكل مونولوج بصدق وعاطفة لا تسعها اللغة جسدت التغيرات النفسية التي أحدثتها الكارثة، والتحولات الجينية التي تركت أثرًا كبيرًا لدى السكان هناك، ولكل الساعين في البقاء ولكن بدلًا من المضي قدمًا قررت سفيتلانا الرجع لكارثة وصفتها بأنها أسوأ بكثير من معسكرات الاعتقال ومصارعة المجهول.

لمتابعة الرواية على موقع Goodreads

ليس للحرب وجه أنثوي

بعد كل هذا أعتقد بوضوح اهتمام سفيتلانا بالمرأة أو بالطرف الصامت أيًّا كان منذ كتابها الأول “ليس للحرب وجه أنثوي” فهنا سجلت عن 200 امرأة كيف أصبحت الفتيات اللاتي يحلمن بالعرس جنودًا عام 1941، فأكثر من 500 ألف امرأة شاركت الرجل في الحرب العالمية الثانية قاتلن عدوًا هجم على أرضهم قتل أطفالهم في اعترافات مليئة بتفاصيل صادمة كافية لوقف نشر الرواية عشرة أعوام حتى انطلاق برنامج جورباتشوف الإصلاحي ”

البيريسترويكا” ومقابلة اتهامات بالتشهير والادعاء والطبعانية “مذهب أدبي فرنسي”.

قضت سفيتلانا أربع سنوات من العمل تنتقل بين 100 بلدة ومستوطنة تنقل عن المحاربات القديمات، فقد أرادت التذكير بدور نساء تراوحت أعمارهن بين 15 و30 عامًا وقفن في الخطوط الأمامية للحرب العالمية الثانية وأتقنّ مهن الرجال في الطيران والقنص حتى قيادة الدبابات، ولم يكتفين فقط بالتمريض حتى سرق الرجال منهن النصر ونسوا دورهن حتى عبرت النساء عن ذلك بشكل لا يقدر عليه رجل معلنات مخاوفهن من المرور بين الجثث فأجمعن “كانت الجثث كأكوام البطاطا”.

لمتابعة الرواية على موقع Goodreas

زمن الأشياء المستعملة

في آخر رواية صدرت لها حتى اليوم، تختم سفيتلانا حديثها حول “الإنسان السوفيتي”، وتمنح حق الحديث لأشخاص وجدوا أنفسهم “صنفًا ثانيًا” بدافع من مدرستها الأدبية الدستوفيسكية ومبدأ التعاطف مع “الإنسان الصغير”، والاهتمام بحاجاته وآماله.

تحكي سفيتلانا عن ما لم ينهار مع انهيار الإمبراطورية السوفيتية، والإنسان الذي فرض عليه مواجهة واقعًا جديدًا وانتقل من اشتراكية ماركس لرأسمالية حولت المنازل لمحلات تجارية وسيطرت الحكومة على المصارف ليقف غير المستفيدين يحكون عن شهدائهم وخيبة الأمل والغضب والإحباط والصدام مع الواقع.

فازت سفيتلانا عن هذه الرواية بجائزة السلام التي تمنحها “الرابطة الألمانية لتجارة الكتب” (2013)، ووسام الفنون والآداب الفرنسي من رتبة ضابط (2014). يراها الكثير سببًا من عدة لاختيار لجنة جائزة نوبل التي جاء في نص بيانها أنها قررت منح الجائزة لأليكسيفيتش “على إبداعها متنوع النغمات، الذي يحفظ ذكرى المعاناة والشجاعة في عصرنا”.

لمتابعة الرواية على موقع Goodreads

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد