لم يكن صباح أمس محافظة السويداء الواقعة في الجنوب الشرقي بسوريا إلا صباحًا مفجعًا، ففيه استيقظ مشايخ ووجهاء السويداء ونساؤها وأطفالها على وقع أكثر من هجوم عنيف، فيما كان مسلحوها عاجزين لحد كبير عن وقف الانتحاريين ومنعهم من ارتكاب المزيد من الهجمات.

وفي التفاصيل أن «سويداء الشام» التي أرادت أن تحمي أبناءها من القتال في صفوف النظام السوري، دفعت الثمن غاليًا نظير عنادها برفض هذا التجنيد، فقد زج النظام بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في نظر الكثير من المحللين المؤيدين للمعارضة السورية، ليكون اليد الباطشة التي تنال بالذبح والرصاص من الأطفال والنساء والرجال، لقد سقط أكثر من 200 قتيل في أكثر من هجوم متزامن.

مجارز «داعش» تغرق السويداء بالدماء

صباح الأربعاء، الموافق 25 من يوليو (تموز) 2018، يوم لن تنساه محافظة السويداء الواقعة في الجنوب السوري، وتحديدًا قرى دوما والسويمرة وحزم المتونة ولاهثة شرق السويداء، وبلدات الشريحي والشبكة والغيضة وحمايل شمال شرق السويداء، حيث أصبحت تلك المناطق على برك من الدماء لأكثر من 215 شخصًا قتلوا إثر عدة هجمات شنها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذي تبنى جرائمه في ذات اليوم.

التفجيرات التي تسبب بها الانتحاريون في السويداء (المصدر: أ ف ب)

وقع في هذا اليوم ثلاثة انفجارات، أولها في سوق مدينة السويداء الرئيسي، والثاني عند دوار المشنقة في المدينة، والثالث عند دوار النجمة، كما شهدت بلدات عدة في ريف السويداء الشمالي الشرقي هجمات مباغتة استهدفت منازل المدنيين بما فيها من أطفال ونساء، لقد كان هدف التنظيم قتل أكبر عدد ممكن من المدنيين، وأخذ عناصره يطلقون النار على أي منزل يمرون به، ويذبحون آخرين بالأدوات الحادة، فيما نفذ الانتحاريون ما خططوا له.
يقول أحد سكان السويداء ويكنى بـ«أبو عمر» (60 عامًا) أن: «ما حدث اليوم في السويداء لا يمكن أن يوصف إلا بأنه عملية غدر، مفضوحة، يتحمل مسؤوليتها من أتى بالدواعش من جنوب دمشق إلى بادية السويداء، ومن كان يتحدث يوميًا عبر إعلامه عن انتصارات على داعش في بادية السويداء وإبعادهم عشرات الكيلومترات، ويبدو أنه كان كذابًا في كل ما قال».

لم يكن أبو عمر وحده من لمح لمسؤولية النظام عن ما فعل داعش، فأهالي السويداء الذين لم يلمسوا أي أثر لإعلان النظام في يونيو (حزيران) الماضي عن بدء عملية عسكرية ضد التنظيم في ريف السويداء، سرعان ما أشاروا إلى النظام بالتقصير على الأقل في حمايتهم، حيث إن  قواته التي تسيطر على كامل المحافظة، لم تقم بأي تعزيزات عسكرية مؤثرة في القرى التي تعرضت للهجمات، واكتفى بتمرير بعض دوريات المخابرات التي سرعان ما طردها الأهالي، كذلك المراقبون، قدموا مع الساعات الأولى لوقوع الهجمات، العديد من الأدلة التي تثبت تواطؤ النظام مع «داعش» على المحافظة.

قبيل أيام سحبت قوات النظام السلاح من أبناء قرى في ريف السويداء الشرقي، وتحت ذريعة عدم وجود سبب للاحتفاظ بالأسلحة بعد انتهاء الخطر من درعا عقب السيطرة عليها سلم أبناء قرية المتونة سلاحهم إلى قوات النظام قبل أيام، ناهيك عن أن النظام مسؤول بشكل مباشر عن نقل المئات من مقاتلي «داعش» مع عتادهم الكامل من مخيم اليرموك إلى بادية السويداء في مايو (أيار) الماضي، فقد وضعهم على بعد 10 كيلومترات من البلدات المأهولة بغية جعل قرى السويداء الشرقية خطوطًا أولى لمواجهة التنظيم، وذلك دون توفير أي حماية عسكرية لهذه القرى.

لماذا دفع النظام السوري «داعش» نحو السويداء؟

تتضارب الأنباء حول بداية ظهور تنظيم «داعش» في السويداء، إلا أنه يمكن تأريخ هذا الظهور مع إعلان التنظيم في ديسمبر (كانون الأول) عام 2014، عن أول تمدد له إلى مناطق جنوب سوريا، حيث أكد وجود عناصره في بلدة بيرقصب الواقعة شمال شرقي محافظة السويداء.

تعزيزات النظام السوري في ريف السويداء (المصدر : جيتي)

لكن أبرز وصول لعناصره كان في شهر مايو الماضي، حين قضى النظام السوري بخروج التنظيم من الحجر الأسود واليرموك في دمشق نحو السويداء بناء على اتفاق رعته روسيا، بل لا يستبعد المراقبون أن يكون النظام هو من أجبر عناصر التنظيم على الخروج إلى ريف السويداء الشمالي الشرقي تحديدًا خلال تلك المفاوضات، خاصة أنه كان بالإمكان إخراجهم نحو ريف مدينة البوكمال بريف الدير الزور الشرقي، تلك المنطقة التي أصبحت معقلًا رئيسيًّا للتنظيم بعد سيطرة قوات النظام وقوات سوريا الديمقراطية «قسد» الكردية على غالبية مناطق التنظيم.

وفيما يذهب البعض إلى أن النظام درب عناصر «داعش» في أطراف السويداء من جهة الشمال في منطقة تل أصفر والخالدية، لاستخدامهم في معركته ضد السويداء، يمكن الوقوف على دوافع النظام بزج التنظيم نحو السويداء، وفتح الطريق أمام عناصره للوصول للمحافظة، فأول هذه الدوافع أن النظام لا يريد الظهور باعتباره مهاجمًا لأقلية هامة كالدروز، فاعتمد على سياسة قائمة لديه وهو العمل على دفع قوى متناحرة في المنطقة التي يريد اقتحامها لضرب بعضها ببعض بهدف إضعافها ثم السيطرة عليها بجهد أقل في حال كانت المنطقة مستقرة وجاهزة لللتصدي له، فيما تكون الخطوة التالية هي تقديم النظام نفسه منقذًا يحارب الإرهاب الذي ينال من السويداء، والظهور بدور حامي الأقليات بعد إحداثه صدمة في المجتمع الدرزي وتخويفه من الأخطار المحدقة به.

ينهب ويغتال المعارضين.. من الذي مهد طريق «داعش» إلى إدلب؟ 

في نظر العديد من المحللين سيعمل النظام فيما بعد على إضعاف دور شيوخ الطائفة الدرزية الذين يحكمون المحافظة، والذين وقفوا في وجه معظم صلاحياته خاصة قضية التجنيد الإلزامي لشباب السويداء، فرسالة النظام لهؤلاء أنكم: «مستهدفون من الإرهاب، وعليكم العمل والتعامل والقبول بنا، لنحميكم، ونتعاون ضد داعش والإرهاب»، كما قال رئيس مجلس السوريين أسامة بشير، وهو أمر يسمح للنظام باقتحام القرى ومن ثم إجبار الشباب على الالتحاق بالخدمة الإلزامية، وإقامة حواجز للنظام لحمايتهم، وبالتالي عودة المحافظة ككل إلى حضن النظام، ولا يستبعد المراقبون أن تشهد المنطقة اتفاقًا بين «داعش» والنظام يقضي بخروج التنظيم من السويداء، وتسليم مناطقه للنظام.

متظاهرون في السويداء يحملون رايات الدروز (المصدر: الشرق الأوسط)

وبعيدًا عن أهداف النظام تلك، هناك رسائل خاصة يحققها تنظيم «داعش» جراء كسر هدوء المحافظة بهجماته التي نقلت السويداء إلى أجواء الدم، ومن هذه الرسائل أنه ما يزال موجودًاً رغم بعض الخسائر الجمة التي تعرض لها في مناطق نفوذه في الأراضي السورية والعراقية، كما أن التنظيم أراد إبراز أنه ما يزال يملك قدراته العسكرية والميدانية في بث الرعب في أجزاء من سوريا، في وقت يؤكد التحالف الدولي ضد التنظيم أن عملياته قد تستغرق أشهرًا لكسر قدرة «داعش» على إعادة الاحتشاد.

أهداف روسيا في السويداء

بالرغم من أن زيارات الوفود الروسية لم تنقطع إلى السويداء، إلا أن الزيارة الأخيرة التي سبقت أحداث الأربعاء أثارت الكثير من الشكوك حول الدور الروسي في السويداء، فقد كان هدف هذه الزيارة واضحًا، وهو إقناع مشايخ المحافظة بأهمية انضمام شبابها للخدمة الإلزامية في ميليشيا «الفيلق الخامس»، لذلك اعتبر هذا التحرك الروسي «لعبة» من نظام الأسد وروسيا.

ضمن ملف الجنوب السوري تعمل روسيا على جعل النظام هو الحاكم في السويداء عبر فكرة الانضمام إلى الفيلق الخامس، ومن ثم ضمان انضواء السويداء تحت الجناح الروسي بإرسال أبنائهم للخدمة الإجبارية، كما أنه تبعًا لتغير الأهداف الروسية حسب طبيعة المنطقة، لا يعنى الروس فقط بتركيع السويداء وعودتها إلى حضن النظام، بل هم معنيون أيضًا بالسيطرة على منطقة جغرافية جديدة، وذلك بعد سيطرتهم على درعا عبر «اتفاقات التسوية» مع فصائل الجنوب، كما يريد الروس أن يصبح دروز السويداء بمثابة قوة أمنية تحمي المنطقة الجنوبية، بعد الانسحاب الإيراني الذي يتمّ الترتيب له.

بشار الأسد خلال استقباله مبعوث الرئيس الروسي الخاص إلى سوريا ألكسندر لافرنتييف  (المصدر: روسيا اليوم)

يقول الباحث السوري همام الخطيب: «تهدف روسيا من خلال تلك الزيارات المترافقة مع توزيع المساعدات إلى خلق (ألفةٍ) بينها وبين الأهالي في السويداء، تمهّد لقبولها لاحقًا باعتبارها قوة موجودة على الأرض. ومن جهةٍ أخرى تحرص (قيادة حميميم) على أن تكون هذه النشاطات برفقة شخصيّاتٍ تمثّل (الدولة) في محاولةٍ منها لتصنيع هيبةٍ لتلك الدولة، بعدما تغوّلت المليشيات المدعومة إيرانيًّا عليها وابتلعتها. تلك المليشيات التي تحوّلت إلى مافيا تقتل وتسرق وتُهرِّبُ السلاح والمخدّرات علنًا من دون حسيبٍ أو رقيب، إضافةً إلى ضلوعها في عمليّات الخطف والخطف المضادّ بين درعا والسويداء».

 ويضيف في موقع «المدن» اللبناني: «هذه الخطوة الجديدة ضربة استباقية لما كثر الحديث عنه مؤخرًا من تعاون أمريكي-أردني-إسرائيلي في الجنوب. ومن جهة أخرى قد يغري هذا العرض كمًا كبيرًا من الشباب الممتنعين عن أداء الخدمة العسكرية في قوات النظام والذي بلغ عددهم أكثر من 25 ألف مُتخلِّف عن أداء الخدمة الإلزامية والاحتياطية في السويداء».

خاضت روسيا «معركة سياسية» في السويداء عندما اعتبرت فصيل قوات شيخ الكرامة «تنظيمًا إرهابيًّا» إثر اجتماع وفد لها مع وجهاء السويداء، وردًا على هذا الموقف الروسي، أصدر الفصيل بيانًا اعتبر فيه روسيا بأنها «قوة احتلال»، وذكر البيان: «الكلام الروسي الأخير عن وجود منظمات إرهاب في جبل العرب تصعيد خطير جدًا، فكيف لرعاة الإرهاب وصانعيه، ولدولة محتلة، أن تصنف من حمل السلاح مدافعًا عن أرضه وعرضه بالإرهاب؟»، ويعد هذا الفصيل واحدًا من أقوى فصائل السويداء الذين وقفوا ضد أهداف النظام برفضهم الالتحاق بالجيش السوري، بل وحماية من رفض الذهاب للخدمة الإلزامية خلال السنوات الماضية من أهالي السويداء، كما أنهم جابهوا أجهزة المخابرات الناشطة في السويداء، وهم يتصدون لممارسات النظام القمعية في السويداء.

روس في السويداء يوزعون مساعدات إنسانية (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي)

 وقد شكل هذا الفصيل المسلح أزمة مع النظام منذ سنوات، منذ أن تزعمه ابن السويداء وحيد البلعوس، «عراب» الإعفاء من الخدمة، الذي اغتيل في العام 2015 لتنتقل مسئولية زعامته لشقيقه رأفت، ويستمر الفصيل بالعمل ضد إرادة النظام، فيساهم في إطلاق سراح العشرات من معتقلي السويداء بتهديد النظام والضغط عليه، خاصة الشباب الذين يحتجزون من قبل النظام تحت ذريعة «الخدمة الإلزامية والاحتياطية» كما أسلفنا.

السويداء قطعت يد النظام عن تجنيد أبنائها

تـعرف بأنها تقع تحت سيطرة النظام السوري، إلا أن المدينة بشوارعها وجدرانها تنفي ذلك، ففي السويداء لا يافطة تمجد بشار الأسد على مبانيها ولا صورة لقتلى أبناء المحافظة الذين سقطوا في المعارك الجارية بعد أن قبلوا التجنيد لصالح الأسد، لأن «هكذا أفضل» كما يقول أهالي السويداء، وفي قول أوضح لأن: «يريد النظام إقحامهم في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل»، بحسبهم.

مقاتلون دروز من السويداء

مشكلة أكبر للنظام في هذا المنطقة تتجاوز مشكلة عدم كشف الولاء له، فمطامع النظام على الصعيد السياسي أنه يريد استخدام السويداء باعتبارها ورقة ضغط لتحقيق عدة أهداف، كأن يظهر أنه يحارب «الإرهاب» في سوريا، أما على الصعيد العسكري فهو يريد أن ينهم من شباب السويداء عشرات الآلاف للقتال لصالحه، لكن مشايخ المحافظة حالوا دون ذلك منذ سنوات، إذ كان وما يزال التجنيد الإجباري أكثر العوامل التي رفعت من وتيرة الخلاف بين النظام والسويداء الرافضة كلية لذهاب أبنائها إجباريًا للقتال في معارك الأسد.

تعود تفاصيل هذا الخلاف إلى يوم  أعلن مؤسس فصيل قوات شيخ الكرامة وحيد البلعوس أنه لن يسمح بسحب أي شاب للخدمة العسكرية باستثناء مَن يذهب برغبته، فدروز السويداء ومنذ زمن «الأب» حافظ الأسد حرموا من الرتب العسكرية الكبيرة، وبقوا في السلك العسكري دون صلاحيات، وتراكم هذا التهميش مع العسكريين من أبناء المحافظة، حتى أضعف لديهم ثقافة الخدمة العسكرية خاصة أنهم مقتنعون أن الحرب القائمة حاليًا ليست معركة وطن، وبالتالي رفضوا أن يكونوا وقودًا فيها.

وبالعودة إلى الأيام الأولى للثورة السورية، مثل الدروز «بيضة القبان»، فحاول النظام كسبهم بغية الظهور بإبقاء أقلية بوزن الدروز إلى جانبه، وكذلك حاولت المعارضة كسبهم لكسر السمةِ العامة للانتفاضة السورية، بوصفها «ثورة سنيّة على نظام علوي»، لكن السويداء فضلت أن تبقى على «الحياد» بشكل عام.

المصادر

تحميل المزيد