في الثلاثين من أكتوبر الماضي (2014)، أعلنت السويد رسميًّا على لسان وزير خارجيتها «مارجوت فالستروم» أن الحكومة السويدية قد اتخذت قرارها الرسمي بالاعتراف بدولة فلسطين، لتصبح بذلك أول دول أوروبا الغربية، التي تعلن اعترافها بفلسطين، برغم الضغوط التي تمت ممارستها عليها من قبل الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وإسرائيل نفسها التي سارعت باستدعاء سفيرها في ستوكهولم.

وفي الأسبوع الماضي، اتخذت السويد قرارًا بعدم تمديد اتفاقية التسليح بين السويد والمملكة العربية السعودية، في أعقاب أزمة ديبلوماسية نشبت بين البلدين، على أثر انتقادات وجهتها وزيرة الخارجية السويدية للمملكة العربية السعودية بسبب سجلها الحقوقي السيئ خاصة في مجال حقوق المرأة، إضافة إلى العقوبة المثيرة للجدل بالسجن والجلد بحق المدون «رائف بدوي»، وهي التصريحات اللي اعتبرتها المملكة العربية السعودية استفزازية، فقامت على أثرها بالضغط لإلغاء كلمة منتظرة للوزيرة السويدية أمام الجامعة العربية، أعقبه قرار السويد أنها لن تمدد اتفاقية تزويد السلاح مع المملكة العربية السعودية، الأمر الذي سرعان ما ردت عليه الحكومة السعودية عبر سحب سفيرها من ستوكهولم.

الحكومة في السويد

“وزيرة الخارجية السويدية مارغوت فالستروم”

يتولى مقاليد الحكم في السويد منذ سبتمبر الماضي تحالف يسار الوسط بين الحمر (الاشتراكيين الديمقراطيين) والخضر واليسار، الذين حصلوا على إجمالي 44.8% من الأصوات، متفوقين على ائتلاف يمين الوسط الحاكم (39%) الأمر الذي آل إلى تشكيل حكومة أقلية أنهت 8 سنوات متصلة من حكم اليمين في السويد.

يفخر الديمقراطيون الاجتماعيون دومًا بسياستهم الخارجية التي لا تهدف فقط إلى تحقيق مصلحة بلادهم، ولكن إلى جعل العالم مكانًا أفضل، وهو ما أكدته وزيرة الخارجية في معرض تبريرها لأسباب الاعتراف بدولة فلسطين، وهو كونه لا يعني دعمًا لطرف على طرف بقدر ما يعني الرغبة في منح الطرفين مواقف تفاوضية متماثلة إلى حد ما، وخلق أمل لدى الشباب الفلسطيني والإسرائيلي بإمكانية وجود بدائل للعنف، مؤكدة أنه لا يمكن أن يقوم أي حل للصراع بغير الاعتراف بالدولتين على حد قولها.

يذكر أن السويد كانت قد اعترفت سابقًا بدول مثل كرواتيا في عام 1992، وكوسوفو عام 2008، على الرغم من عدم وضوح بعض المناطق الواقعة تحت سيطرتها. وهذا الذي يجب أن يحدث مع الفلسطينيين كما أشارت الخارجية السويدية في بيانها.

وبالعودة إلى الموقف من السعودية، تبدو توجهات الحكومة الجديدة في السويد منسجمة بشكل كبير مع ما سبق، حيث أثارت قضية تصدير الأسلحة السعودية خلافًا طويلًا بداخل الائتلاف الحاكم بين الديمقراطيين الاشتراكيين (مؤيدين)، وبين الخضر (معارضين)، الذين يدّعون أن هناك اتفاقًا مسبقًا داخل الائتلاف الحاكم بعدم تصدير الأسلحة إلى أنظمة قمعية.

وكانت الحكومة قد أعلنت في وقت سابق عن رغبتها في تمديد الاتفاق قبيل الأزمة الأخيرة التي رفعت معدلات التوتر بين البلدين إلى أقصى مستوياتها.

الاتفاق السعودي السويدي

رئيس الوزراء السويدي: ستيفان لوفين

وأعلن رئيس الوزراء السويدي «ستيفان لوفين» الثلاثاء أن بلاده قررت إنهاء التعاون العسكري مع السعودية بسبب وضع حقوق الإنسان فيها، والذي يثير الكثير من الانتقادات، وقررت السويد عدم تجديد اتفاق التعاون العسكري الموقع مع السعودية في 2005، وحاول رئيس الوزراء الاشتراكي الديمقراطي «ستيفان لوفين» تبرير هذا للإذاعة العامة «إس آر»، بأن هناك جدلًا داخل الغالبية اليسارية بسبب مسألة حقوق الإنسان في السعودية.

وتم توقيع الاتفاقية في أبريل عام 2005 في عهد حكومة الحزب الاشتراكي الديمقراطي السابقة برئاسة «يوران بيرشون»، ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في مايو من نفس العام، وبموجب هذه الاتفاقية أصبحت السعودية ثالث أكبر مستوردي السلاح من السويد، حيث اشترت الرياض في 2014 أسلحة بقيمة 338 مليون كورون (37 مليون يورو).

داخليًّا يطالب ممثلو القطاعين الصناعي والتجاري السويدي باستمرار العمل باتفاقية التعاون المشترك بين مملكة السويد والمملكة العربية السعودية، مبدين تخوفهم من أن إلغاء الاتفاقية سوف يضع مصداقية السويد كشريك تجاري على المحك؛ مما قد يؤثر على مصداقية الشركاء التجاريين السويديين في كافة المجالات.

من جانبه اعتبر اليمين المعارض في السويد قرار الحكومة قرارًا متهورًا، حيث قال وزير الخارجية السويدي الأسبق، «كارل بيلد»: «الأمر يضر بمصداقية السويد في عقود الشراكة».

وتابع «بيلد» قائلًا، عبر حسابه بموقع تويتر: «ما حدث مؤسف للغاية، لقد تضررت السويد»، أما «ليف جوهانسون»، رئيس مجلس إدارة شركة «إريكسون» السويدية للاتصالات، فقد حذر من أن تؤدي الخطوة إلى إلحاق الضرر بالمصالح التجارية السويدية في الخارج.

ونقلت صحيفة «ذا لوكال» السويدية عنه قوله: «إذا دخل المرء في عداء مع الجامعة العربية فقد يتعرض لخسارة كبيرة، ولن نعرف مدى انعكاس ما يحصل علينا إلا بعد سنوات».

المعارضة السويدية الحالية استغلت الأمر للتأكيد على عدم صواب الاعتراف السويدي بدولة فلسطين، حسب اعتقادها، واستغلت الفرصة لمحاولة إثبات فشل السياسة الخارجية للحكومة الحالية، التي أساءت لعلاقاتها بإسرائيل ولم تقترب من العرب، مشيرين إلى أن السويد لم تشهد في تاريخها المعاصر مثل تلك الحالة، علاقات سيئة مع طرفي النزاع، السعودية أهم الدول العربية، ومع إسرائيل.

الأهداف السويدية

يبدو الموقف السويدي محيرًا بشكل كبير، فالحكومة السويدية استفزت إسرائيل بسرعة اعترافها بالدولة الفلسطينية، الأمر الذي تسبب في أزمة بين البلدين، بلغ حد منع استقبال وزيرة الخارجية السويدية في إسرائيل، ما فسر ساعتها أن السويد تحاول مغازلة الأنظمة العربية عبر الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ثم جاء الموقف من السعودية مؤخرًا لتصنع بذلك السويد توترًا في علاقاتها مع المملكة العربية السعودية أيضًا.

ووفقًا للمراقبين فإن هناك عدة محددات تحكم السياسة السويدية بشكل كبير:

“المسلمون في السويد”

أولًا: توجهات اليسار العائد إلى الحكم في البلاد بعد ثماني سنوات من الغياب، والذي يسعى لترسيخ صورته كمدافع عن مبادئ الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان، والسعي نحو جعل العالم مكانًا أفضل، من خلال إبداء قدر من الانحياز نحو هذه المبادئ على حساب بعض المصالح الاقتصادية، وبخاصة مع مشاركة الخضر المعروفين بمعارضتهم لبيع الأسلحة للأنظمة الديكتاتورية في التحالف الحاكم.

ثانيًا: تسعى السويد إلى ترسيخ نفوذها السياسي من خلال الحصول على عضوية مجلس الأمن، (أحد المقاعد العشرة غير الدائمة)، وتتنافس السويد مع إيطاليا وهولندا على هذا المقعد الهام بالنسبة لدول أوروبا الغربية، أي حال فوزها ستحتل السويد المقعد للمرة الرابعة، وهو ما يتطلب قدرًا من الفاعلية في السياسة الخارجية وبخاصة في قضايا حقوق الإنسان.

اقرأ أيضًا: ماذا وراء الاعتداءات المتزايدة على المسلمين في السويد؟

ثالثًا: التزايد الكبير في أعداد المسلمين في السويد، فبرغم عدم وجود إحصاء رسمي لعددهم (لا تضع السويد خانة الديانة في بطاقة الهوية)، إلا أن التقارير غير الرسمية تشير إلى أن عددهم يبلغ حوالي 900 ألف شخص من إجمالي 9.5 مليون شخص يقطنون السويد، أي ما يقارب نسبة 10% تقريبًا من مجموع السكان، وبرغم محاولة السويد تصدير صورة براقة حول التعايش والتسامح الديني في داخلها، إلا أن اعتداءات متتالية على مساجد المسلمين في ديسمبر ويناير الماضيين أسهمت في تعزيز مخاوفهم، لذا يميل بعض المحللين – وبخاصة الإسرائيليين- منهم، إلى تفسير الاعتراف السويدي بدولة فلسطين بأنه رسالة موجهة للداخل أولًا، في ظل تغيرات ديموغرافية تبشر بزيادة نسبة المسلمين في السويد.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد