«خزينة رؤوس الأموال السرية وغير الشرعية»، هذا ما يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن بنوك سويسرا ، التي باتت قِبلةً للأغنياء وخزينة لأموال المتهمين بالتهرب أو الفساد، خاصة من المسؤولين السياسيين.

كل ذلك كان بسبب النظام المصرفي، المدعوم بقوانين بنكية توفر حماية وإجراءات إدارية سرية، لا تقارن بالدول الأخرى في العالم. لكن مع مرور الوقت لم يكن من صالح سويسرا أن تبقى قبلة للأموال غير الشرعية في هذا العالم، لذلك كان عليها التعجيل بإصلاح نظامها المصرفي، والتوجه نحو كل ما يردع الطغاة الذين اعتبروها ملجأً لإيداع الأرصدة المالية المسروقة.

النظام المصرفي السويسري مُشجع

في الساحة المالية السويسرية، ثمّة حوالي 30% من إجمالي الأصول العابرة للحدود في العالم. ووفق تصنيف مؤسسة «بوسطن كونسالتينج جروب» الأميركية، فإن سويسرا تحتل المرتبة الأولى عالميًا في استضافة الثروات الأجنبية، إذ يوجد بها حوالي 2.2 تريليون دولار.

ولم تأتِ هذه النسبة الضخمة من الأموال إلا من نظام مصرفي سلس، بالمقارنة مع الأنظمة المصرفية العالمية. نظامٌ جعلها محط اهتمام الساسة وصناع القرار الاقتصادي في العالم، فالبنوك السويسرية متميزة بأنظمتها السرية التي تضمن تمتع حسابات المودعين بسرية تامة.

 

كما يساعد نظامُها المصرفي أصحابَ هذه الحسابات، على التهرب الضريبي في بلادهم. وقد كان غسيل عائدات التهرب من الضرائب الأجنبية فيها قانونيًّا، ولم تفرض أي غرامة على المُودعين، إذ ضمنت قوانينها المصرفية السرية دائمًا عدم الكشف عن وجود حساب دون موافقة العميل. كما أن مصارفها الخاصة الصغيرة قبلت ودائع بدون إجراءات التدقيق في الهوية وأصل الأموال المودعة، وهو ما سهّل إمكانية إنشاء حسابات بأسماء مُستعارة، بل إن بإمكان العميل أن يستبدل بالأسماء أرقامًا سرية لا يعرفها غير صاحب الحساب نفسه.

النظام السياسي في سويسرا يُشجع الكثيرين على إيداع أموالهم في بنوكها، كونها دولة مُستقرة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا. وبكل سهولة تُوفّر سويسرا لجنة المظالم المعنية ببنوكها، وهي «هيئة مقرها زيوريخ، تبحث في الشكاوى في حالة النزاع وتحلل الصراعات الدائرة بين البنوك وعملائها وتطرح حلولًا دون الكشف عن أسماء المصارف التي تخل بواجباتها بشكل خطير».

سويسرا تغير إجراءاتها وقوانينها

«لم نعد مستودع الأشياء المسروقة من العالم. لقد أطلق القطاع المصرفي عملية تخليق، كما استنتج أنه ليس من الضروري ممارسة التلاعب لتحقيق النجاح. فقوة الفرنك والاستقرار السياسي والمؤسسات التي تعمل بانتظام، عوامل كافية اليوم لضمان نجاحه»، هذا الاقتباس الذي قاله جاك نايرينك، النائب الديمقراطي المسيحي في مجلس النواب السويسري، جاء تعقيبًا على التحركات الأخيرة التي اتخذتها الحكومة السويسرية، لمواجهة أزمتها مع الدول التي وضع مسؤولوها المتهمون بالفساد، أموالهم فيها.

أدت الضغوط الهائلة التي تعرضت لها سويسرا، إلى الموت البطيء لما سُمي بـ«السر المصرفي»، خاصة بعد فضيحة المصارف السويسرية، التي ارتكبت مخالفات قانونية في الدول التي تعمل بها، وساهمت في تهريب وإخفاء ودائع في حسابات سرية.

وضغط الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية على الحكومة السويسرية، من أجل تغيير كل ما يسمح للمسؤولين السياسيين بوضع أموالهم بسهولة في البنوك السويسرية، كذلك اضطرت سويسرا لقبول تبادل تلقائي للمعلومات والبيانات حول ثروات رعايا الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، كما مارست منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومجموعة الثماني ومجموعة العشرين ضغوطًا على سويسرا حين وضعتها ضمن قائمة الدول غير المتعاونة في مكافحة التهرب الضريبي، وهددت سويسرا بتعريضها لعقوبات اقتصادية.

لذلك رضخت سويسرا لتوقيع اتفاقيات تحتم على بنوكها تزويد السلطات الأجنبية ببيانات المودعين الأثرياء، واستقطاع الضرائب المستحقة على الثروات المودعة في بنوكها وتسليمها خاصة إلى السلطات الأميركية وسلطات الدول الأوروبية المعنية.

وأخذت يومًا بعد يوم تصبح مقاييس المصارف السويسرية أكثر صرامة في مجال الشفافية ومكافحة غسيل الأموال، مُتخذةً العديد من التدابير والإجراءات، خلال السنوات الأخيرة، للتمكين من استرداد الأصول المنهوبة، وتسهيل تجميد ودائع «الطغاة» الذين فقدوا السلطة. في عام 2013 ودع السويسريون سرية الحسابات المصرفية التي تميزت بها المصارف السويسرية.

تقول باسكال بايريسفيل، نائبة مدير إدارة القانون الدولي العام في وزارة الخارجية السويسرية: «نحن نتَّبع في حالة إعادة أموال الحكام الطُغاة المُكتسبة بطُرُق غير مشروعة، أو ما يُعرف باسترداد الموجودات ثلاثة توجهات رئيسية. منها الحيلولة دون الإفلات من العقاب، والبُعد التنموي السياسي ذو العناصر الإيجابية والسلبية. سلبية بمعنى ضرورة حماية الساحة المالية من وصول أي أموال غير مشروعة إلى بلدنا، أي تقديم الدعم للدول التي تمر بمرحلة انتقالية بكافة إجراءات التعاون الملموسة».

ماذا عن القانون الجديد؟

يعد القانون السويسري الأخير، الذي اتخذ في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أحد أهم القوانين الخاصة بردع المسئولين الذين يلجؤون إلى سويسرا لوضع أموالهم غير المشرعية غالبًا، إذ اعتبر أنه الأبرز قانونيًا وأخلاقيًا. ويتوقع أن يوفر إمكانية استرداد الأصول غير المشروعة للمسئولين الذين أزيحوا من مناصبهم.

الهدف الرئيسي للقانون هو «تجميد وإعادة الأصول المتأتية من مصادر غير مشروعة لأشخاص معرّضين للمحاسبة سياسيًّا في الخارج»، كما أنّه وفّر الدليل على أن مصدر أصول حكامهم السابقين غير مشروعة، وإثبات أن أصولهم المودعة في المصارف السويسرية قد تم اكتسابها بطريقة سليمة وهو شرط أعاق سابقًا استرداد أموال الربيع العربي.

الأموال المصرية في بنوك سويسرا

تعاني مصر من أزمة اقتصادية خانقة، بينما تحتفظ البنوك السويسرية بـ690 مليون فرنك سويسري من أموالها التي هربت بواسطة مسؤولين سابقين في نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك.

هذه الأموال المجمدة منذ 11 فبراير (شباط) 2011، مُددّ قرار تجميدها ثلاث سنوات أخرى حتى 2017، في محاولة لحث الحكومة المصرية على تقديم ما يتطلبه القانون السويسري، إذ تنتظر سويسرا من مصر إجراءات لمصادرة الأموال المجمدة، أهمها الحكم النهائي على مبارك ومسئولي نظامه، وإثبات أن هذه الأموال منهوبةٌ من الحق العام المصري.

ومؤخرًا اتهمت سويسرا الحكومة المصرية، التي خصصت إدارة لملف الأموال المهربة يرأسها النائب العام الراحل هشام بركات، بالتقاعس عن أداء دورها، فعملية استرداد الأموال المصرية تواجه بعض العقبات بسبب الإجراءات الخاصة بالقوانين السويسرية، التي تشترط أن يصدر أحكام إدانة بتهمة إحراز مال عام ضد المسؤولين المصريين المجمّدة حساباتهم، وأن يثبت أن هذه الأموال الموجودة في بنوك سويسرا هي أموال مسروقة.

 

إذ قال النائب العام السويسري، مايكل لوبير، إنّ بلاده قدمت 30 طلبًا للحكومة المصرية للمساعدة القضائية، ومنذ بداية التحريات كان هدف السلطات السويسرية إعادة الأموال إلى مصر لأنها ليست ملكَ سويسرا. وشدد النائب العام السويسري على أهمية أن تكون الأحكام القضائية الصادرة نهائية وباتة، وتتعلق بقضايا الفساد والاستيلاء على المال العام، وربط ذلك باسترداد مصر لأموالها.

الأموال التونسية

نحو 555 مليون فرنك سويسري أودعت لمسؤولين تونسيين مقربين من الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، في بنوك سويسرا . وسارعت سويسرا بعد أقل من أسبوع من الإطاحة بابن علي في 19 يناير (كانون الثاني) 2011  بتجميد أصول هذه الأموال.

 

ولم تكتفِ سويسرا بما سبق، بل أعدت قائمة بأسماء الشخصيات المقربة من بن علي، وأخضعت أموالهم لعملية تجميد، ومما أخذ على الحكومة التونسية في إجراءاتها غير الجدية لاسترداد الأموال أنها قدمت قائمة بعدد أقل من أسماء القائمة السويسرية، مما دفع سويسرا لتسوية الأمر بتكيّف قائمتها مع القائمة التونسية، لذلك وجهت الحكومة السويسرية لتونس كما مصر مطالبَ باتخاذ الإجراءات القانونية المتبادَلة للتمكن من استرداد الأموال غير المشروعة.

أموال ليبيا

في بنوك سويسرا يوجد حوالي 650 مليون فرنك من أصل 220 مليار دولار لليبيا، مهربة في دول العالم حسب الإحصائيات الرسمية، لكن ما يميز ليبيا عن دول الربيع العربي أنها حصلت على جزء من أموالها المجمدة بسويسرا.

 

كان ذلك بعد قرار مجلس الأمن الدولي بـ«تسريح قسم من تلك الأموال للإيفاء بالاحتياجات الإنسانية للشعب الليبي»،  حيث تمكنت ليبيا من سحب 385 مليون دولار كدفعة أولى من الأموال المجمدة في البنوك السويسرية، ومع هذا ما زالت الظروف الداخلية في ليبيا تعيق عملية استعادة باقي هذه الأموال، لكن مصادر رسمية ليبية ذكرت أن هناك ملفًا للتسوية الودية مع سويسرا لاسترداد الأموال.

المصادر

تحميل المزيد