كما كانت للعرب بطولاتهم في صراعهم المُستمر على مدار أكثر من 70 عامًا مع الاحتلال الإسرائيلي؛ ثمّة جانب آخر مُظلم لبعض العرب فيما يخص قضية التحرر الوطني. هذا الجانب المُظلم رَحْب على عكس ما قد يرى البعض، فهو لا يشتمل فقط على المواقف السياسية الدوليّة العامة، ولا على ما تُمثّله بصورة فردية بعض الأوجه العربية في العوالم السياسية والاقتصادية، أو حتى الثقافية والطبية. لكنّه أيضًا ينطوي على تبدّل في موقف الانتماء الوطني – إن جاز تسميته بذلك – منذ أن بدأ الصراع في العقدين الأوّلين للقرن العشرين.

هذا التبدّل – أو كيفما سُمّي – وصل حتى القتال جنبًا إلى جنب بصورة مُباشرة دون مواربة أو مجاز، مع اليهود، ضد العرب، للمساهمة في إنشاء مُستعمرتهم الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية العربية.

في هذا التقرير، سنعرض لهذا النموذج الذي استمر على مدار سنوات الصراع، مُتطورًا وفقًا لتطوره، كما سيتضح.

الوحدة 300 .. عرب برايات إسرائيلية

منذ إطلاق وعد بلفور وبدء الهجرات اليهودية إلى الأراضي الفلسطينية، بدأ الصراع العربي مع المُستعمر في أخذ منحى فارق. فالمُستعمر هذه المرّة يرى أن هذه الأرض حقّ تاريخي له، يتعامل معها باعتبارها ملكًا خالصًا له بكل ما فيها وما عليها. لكن وإن كان خطاب المُستعمر يتجاهل الوجود البشري القائم بالفعل على الأرض، فإن الواقع لم يتجاهله، وكذا لم يتجاهل المُستعمر في حقيقة الأمر هذا الواقع، الذي انبرى في التعامل معه.

بدأ اليهود المُهاجرون إلى فلسطين في خلق تحالفات مع من أمكنهم ذلك لتسهيل عملية بسط النفوذ على الأرض ومقدراتها باستدامة، ولتضييق دائرة العدو المحلّي قدر المُستطاع. ومن هُنا كانت توجهاتهم نحو عرب البادية أو من يُمكن على هامش المدينة ومركزيتها. وفي الوقت الذي تكرر فيه فشل مُحاولاتهم، لقوا الفرصة سانحة بالنسبة لبعض آخر. تحديدًا ما عُرفوا لاحقًا بـ”رُمَة الهَيْب” أو آنذاك بعرب الهَيب.

عرض عسكري إسرائيلي لجنود عرب الهيب (الوحدة 300) عام 1948.

الهيب عشيرة عربية سكنت بعض أرجاء البادية الفلسطينية، كما أنّ لها تواجدًا في مناطق شامية أخرى كسوريا ولبنان والأُردن. مُنذ بدايات الهجرة اليهودية المُوسعة إلى الأراضي الفلسطينية، بدأت تتشكل علاقات تجارية بين أبناء العشيرة واليهود المُستوطنين. وقد كان الأمر أشبه بعرف لا حفيظة عليه بشكلٍ عام، ولم تكن تلك العائلة العربية الأولى التي تخوض غمار المشاركة التجارية مع اليهود أو غيرهم من “الأجانب”. لكنّها عن غيرهم ذهبت إلى توطيد أكبر للعلاقة مع اليهود.

وفقًا لبعض وثائق أرشيف مخابرات الهاجاناه التي اعتمدها كتاب “صفد في عهد الانتداب البريطاني” لمؤلفه مُصطفى العباسي؛ فقد كانت صراعات الجاه والصراع المدني الريفي/ البدوي واحدًا من أسباب نزوع بعض العرب إلى التحالف مع اليهود، كاختيار كيدي أو لغلبة كفّته مُقابل الطرف الآخر. حتى إنّ بعض العائلات البدوية اعتنقت عن بكرة أبيها اليهودية، كورقة احتجاج ضد بعض كبار أعيان المدينة، قبل أن يتدخل وسطاء في هذا النزاع، لتعدل العائلات عن قرارها الذي قالت إنّه كان صوريًا فقط.

في ضوء هذه البنية الاجتماعية وما انطوت عليه من صراعات ونزاعات من هذا النوع، لجأ أبو يوسف حُسين العلي زعيم عرب الهيب إلى توطيد علاقاته باليهود. ووفقًا للوثائق المُخابراتية (تحديدًا وثيقة مُستعمرة روش بينا المُجاورة لمضارب قبيلة عرب الهيب)، أرسل حُسين العلي برسالة إلى بعض أعيان مدينة صفد، ومن بينهم زُعماء الحركة الوطني، قال فيها نصًا:

من الآن وصاعدًا سأكون إلى جانب اليهود كحزبٍ واحد. ما يضرهم يضرني، وما يُغضبهم يُغضبني.

بدأ ذلك الحلف الهَيبي اليهودي منذ عام 1946، وتطوّر لاحقًا بعد أن وجد عرب هيب في اليهود حليفًا قويًا؛ ليتطوّع أبناء تلك العشيرة في قتال إخوانهم العرب إلى جوار أبناء عمّهم اليهود، أو كما كان اليهود يُنادون على العرب!

قاتل أبناء عرب هيب، أو من قاتل منهم، تحت ما عُرف بالوحدة 300، والتي كانت بمثابة فرقة العرب العسكرية تحت اللواء الإسرائيلي. ولموقعه الجغرافي الذي جعلهم ضمن ما يعرفوا بعرب الـ48، باتت لعرب الهيب هويات إسرائيلية، عززت من مكانتهم ودورهم داخل مُؤسسات دولة الاحتلال الإسرائيلي.

وللآن، لايزال لأبناء عرب الهيب دورٌ فعّال داخل صفوف الجيش الإسرائيلي، وبخاصة في وحدة قصاصي الأثر (مُقتفي الأثر). ويُشار إلى أنّ قائد مدرسة ضُباط قصاصي الأثر في الجيش الإسرائيلي، هو أيضًا أحد أبناء عرب الهيب، ويُدعى زُهير فلاح الهيب.

زُهير فلاح الهَيب (المصدر: Noam Moskowitz)

 

كتيبة السيف ليست آخر “الشراكات” الدُرزية الإسرائيلية

قبل أشهر قليلة فقط، أصدر رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي قرارًا بإلغاء كتيبة السيف (حيريف) العسكرية، والتي كانت تُعتبر كتيبة مُخصصة لأبناء الطائفة الدُرزية. ووفقًا للبيان الرسمي لجيش الاحتلال، وكذا للمتحدث الرسمي للجيش في الإعلام العربي أفيخاي أدرعي، فإنّ قرار حلّ هذه الكتيبة، عائد إلى رغبة أبناء الطائفة الدرزية الاندماج في باقي قطاعات الجيش الإسرائيلي.

أيضًا كلا البيانين (بيان الجيش الرسمي وبيان أفيخاي أدرعي) أكّدا على أنّ قرار إلغاء الكتيبة حدث بعد التشاور والتفاهم مع كبار زُعماء الطائفة الدُرزية. كان ذلك بعد وصلة مديح في الكتيبة، التي على ما يبدو – وفقًا للبيانين – شاركت بدورٍ فعّال في حرب لبنان الثانية، أو ما تُعرف بحرب تموز/ يوليو 2006.

هذا وتعود العلاقات الدُرزية-الإسرائيلية إلى بدايات الانتداب البريطاني على الأراضي الفلسطينية، والذي ألحقته هجرات جماعية ليهود العالم إلى فلسطين. وثمّة العديد من التكهنات حول سبب وجود هذه العلاقات بشكل مُستمر إلى الآن، بل بشكل مُضطرد، دفع إسرائيل – مثلًا – إلى الاهتمام فقط بالطائفة الدُرزية في سوريا على خلفية الصراعات الدائرة هُناك، عندما أعرب الرئيس الإسرائيلي عن قلقه على مصير دروز سوريا في خطاب أمام الأمم المتحدة.

ويُشار هُنا إلى أنّ لسلطات الاحتلال الإسرائيلي موقف مُتخوف بالجملة من تجنيد العرب في الجيش، ونحن نقصد هُنا عرب 48. وإن كانت ثمّة دعوات خجلة إلى استيعاب تطوّع عرب في جيش الاحتلال، فإنّها وفقًا للكاتب الصحافي الفلسطيني عطاالله منصور؛ تهدف إلى دفع العرب نحو الهجرة من أراضيهم خوفًا من تحوّل الدعوات إلى إجبارية على أبنائهم. لكن فيما يخص عرب الطائفة الدرزية أو عرب الهيب قبلهم، فإن الأمر كان ولا يزال مُختلفًا.

جنود من كتيبة السيف قبل حلّها

أيضًا يُشار إلى جانب آخر، قد يكون مُفسرًا بصورةٍ ما، وهو أنّ التحاق أعداد من الشباب العربي لجيش الاحتلال الإسرائيلي، رُبما يكون عائدًا إلى بحثهم عن الإعاشة التي تتوفر لهم في جيش الاحتلال. فبحسب إحصائية رسمية، فإن رُبع الشباب الذكور المُتعلمين من عرب 48 عاطلون عن العمل، فيما أن نحو 50% من الشابات الإناث المُتعلمات عاطلات عن العمل. وقد يُوضح هذا أيضًا بشكل أو بآخر، أسباب زيادة نسب الفتيات الملتحقات بجيش الاحتلال عن الفتيان، فبحسب إحصائيات عام 2011، بلغ عدد المُلتحقات بجيش الاحتلال من الفتيات العربيات نحو 1400. علمًا بأنّ أول فتاة عربية التحقت بالجيش الإسرائيلي، تنتمي لعرب الهيب، وتدعى أميرة الهيب، حيث التحقت بالجيش عام 2004، وكانت وقتها في التاسعة عشر من عمرها.

أما فيما يخص الدروز، فإن التحليلات لعلاقاتهم باليهود، تُرجّح أنّها بدأت على إثر انعزال هذه الطائفة عن التكوين العربي للمناطق التي سكنوها أو سكنوا جوارها. لذا فإنّ الحس القومي العربي لم يطل الدروز بشكل مُؤثّر، وهو أمرٌ لعبت عليه السلطات الإسرائيلية منذ البداية وسعت إلى تكريسه بفصلها بين الهويّة الدُرزية والهوية العربية الجامعة التي تنطوي للآن على المُسلمين والمسيحيين معًا، كما كان من المُفترض أن يحدث مع الدروز باعتبارهم مُكوّنًا عربيًا فلسطينيًا.

على هذا النحو تشابكت العلاقة الإسرائيلية بالدروز الذين تطوّعوا منذ البدايات الأولى للقتال جنبًا إلى جنب مع اليهود ضد العرب. هذا الأمر حقق لهم استقرارًا وأمانًا ملحوظًا عن غيرهم من أبناء فلسطين، إذ لم تتعرض مناطق الدروز إلى أي ضرر أثناء حرب 48 وما سبقها من معارك ومُناوشات. وبعد إعلان قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي، انبرى الدروز للالتحاق بالدولة كمواطنين صالحين.

لكنّ هذا الانبراء وما سبقه من علاقات وطيدة، لا يُمكن النظر إليه إلا عبر منظار اليهود نحو العرب بصفة عامة. كما أنّه لا يُمكن بالنظر إلى نتائجه، تغافل السلبيّ منها، والذي يتضمن تيه الهوية الدرزية بين الأصول وطبيعة العلاقات.

مُنذ أن اتسعت مداركي، شعرت بعدم ارتياح إزاء العلاقة الدرزية اليهودية. وقد أدركت في مرحلة مبكرة أن الصفقة التي تمت بين الجانبين ليست نزيهة، إن لم نقل نتنة. أدركت أنّ القوة الصهيونية-اليهودية المُتنفذة، مارست خدعة على الدروز، واستغلتهم في لعبة غايتها الوحيدة خدمة المشروع الصهيوني والدولة اليهودية. –الكاتب والباحث الدرزي رباح حلبي

ومن الحوادث التي تدلل على التمييز القائم ضد الدروز باعتبارهم عرب، وإن كانوا كبار ضباط في الجيش الإسرائيلي، ما حدث عام 2013، عندما منع جيش الاحتلال ضباطًا دروزًا من دخول مُفاعل ديمونة لأسباب أمنية! هذه الحادثة اعتبرتها صحُف عبرية بمثابة “إذلال للجنود الدروز خلال أدائهم مهامهم”، وهو توصيف يُكمل الصورة التي رسمها رباح حلبي، تحديدًا عندما قال، إن الصفقة بين الدروز واليهود ليست نزيهة.

بدأ ما تُسميه إسرائيل بـ”حلف الدماء” بين اليهود والدروز، تحديدًا عام 1947، عندما أعلن كبار زُعماء ومشايخ الطائفة الدرزية، فتح باب التطوع والالتحاق بصفوف كتائب الهاجاناه الإسرائيلية. ومع اندلاع حرب 48 نشط الوجود الدُرزي في صفوف القوات الإسرائيلية بشكلٍ بارز، حتّى تشكلت لهم ما سُمّيت بكتيبة الأقليّات، أو كتيبة السّيف لاحقًا عند تأسيسها رسميًا عام 1974 .. وعلى مرّ السنين اللاحقة كانت تلك الكتيبة مُخصصة لأبناء الطائفة الدُرزية. كما أنّها شاركت في مُعظم الحروب التي خاضها الاحتلال الإسرائيلي على مدار أعوامه كحروب غزّة وحرب تموز/ يوليو 2014.

جُندي دُرزي يقوم بحراسة محطة كهرباء متنقلة إسرائيلية، عام 1948

لحقت حرب 48، خُطوة غاية في الأهمية في مسار العلاقات الدُرزية الإسرائيلية. ففي عام 1956 أصدرت سُلطات الاحتلال قانونًا بالتجنيد الإجباري لأبناء الطائفة الدُرزية على وجه الخصوص. وبهذا القانون انطلقت سُلطات الاحتلال إلى التكريس على صناعة هويّة جديدة-مُبهمة للدروز الفلسطينيين؛ تُوسع من المصالح المُشتركة بين الدروز واليهود، ولو بطريقة إجبارية. وفي المُقابل، تُقلّص من المساحات المُشتركة بين المكونات العربية للمجتمع الفلسطينية وبين الدروز.

ثُمّ في عام 1974 أُسست رسميًا كتيبة السّيف، التي ظلّت فرقة الدروز العسكرية داخل الجيش الإسرائيلي، حتى حلّها في مايو من العام الجاري. وفي نفس العام من تأسيسها عُين على رأس قيادتها ضابط من أبناء الطائفة يُدعى فؤاد بن إليعازر.

ومن أبرز العمليات التي خاضتها تلك الكتيبة، كانت حرب تموز/ يوليو 2006، إذ كانت أوّل فرق مشاة الجيش الإسرائيلي التي تعبر الحدود إلى لبنان لتنفيذ عملية عسكرية.

اقرأ أيضًا: ماذا تعرف عن عقيدة الدروز وطبيعة علاقتهم بإسرائيل؟

المصادر

تحميل المزيد