يتحدث الكاتب مايكل ويليامز عن حدود سايكس بيكو التي وضعت من قرن من الزمن، وتأثير داعش على تلك الحدود فيقول في لقاء تم منذ فترة قريبة إن وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند قال: “إن النضال ضد الدولة الإسلامية آخر فرصة لتظل دولة العراق مستقلة وموحدة “.

وجاء هذا التقييم الكئيب على أثر زيارته للعراق معبرًا عن ذلك بجملة”صالون الفرصة الأخيرة” أي آخر فرصة بعدها الموقف سيكون مختلفًا تمامًا، لوصف المأزق المتردي في العراق.

ظهرت العراق مثلما ظهرت سوريا، كنتيجة لتداعيات الحرب العالمية الأولى وهزيمة الدولة العثمانية، بناء على الاتفاق الذي تم بين *السير مارك سايكس **وفرانسوا جورج بيكو والتي أدت إلى تقسيم أراضي الدولة التركية العثمانية السابقة، من قبل اثنين من القوى الأوروبية العظمى وقتها، وهما بريطانيا وفرنسا. بعد مرور تقريبًا قرن من هذا الاتفاق، فإنه يظهر في حالة يرثى لها، حيث إن كلا البلدين في حالة حرب منذ عدة سنوات – بل العراق منذ عقود– ويتنازعها تقسيم طائفي مخيف في وقت لا يظهر أي عمليات لإصلاح سهل أو متوقع.

في هذا الصدد،علينا أن ننظر إلى أوروبا الشرقية بعد عام 1989.

بعد انهيار جدار برلين، جميع دول أوروبا الشرقية، باستثناء دولتين، انتقلت تدريجيًّا إلى الاتحاد الأوروبي ومنظمة حلف شمال الأطلسي دون مشاكل. أولها تشيكوسلوفاكيا السابقة التي تحولت إلى دولتين، جمهورية التشيك، وسلوفاكيا، في انفصال أطلق عليه “طلاق مخملي” أي تم بسهولة ويسر. ولكن الدولة الأخرى يوغوسلافيا قدمت نموذجًا أكثر مأساوية. فقدت اندلعت سلسلة من الحروب المتتالية في كرواتيا والبوسنة وكوسوفو، والتي استمرت طوال عقد التسعينات.

نفس ظروف تكوين سوريا والعراق، تم تكوين تشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا حيث ظهرت كبلاد مستقلة في مؤتمر فرساي للسلام بعد الحرب العالمية الأولى سنة 1919. وأيضًا نجد أن يوغوسلافيا – مع الخليط العجيب من السلوفينيين والكروات الكاثوليك والصرب الأرثوذكس والمسلمين- تشبه التنوع العرقي والديني في سوريا والعراق.

العراق وسوريا أكثر أمتين بهما تنوع في منطقة الشرق الأوسط، باستثناء لبنان الصغيرة نسبيًّا، كلا البلدين بهم أكثرية سنية بالإضافة إلى الشيعة وجميع الطوائف المسيحية، فضلاً عن أعداد من الدروز والعلويين واليزيديين. والمشكلة الأساسية وجود ما يقدر بنحو 30 مليون كردي– تعترف بعض الأبحاث أنهم أكبر جماعة عرقية في العالم دون دولة خاصة به- متفرقين في البلدين.

منذ الاستقلال عن بريطانيا وفرنسا يُحكم كلا البلدين بالحديد والنار، حيث إن النمط السياسي للبلدين العربيين لم يعترف أبدًا بالديمقراطية خلال عقود من الحكم الاستبدادي شديد المركزية.

الانكسار الذي يمر به البلدان والذي في الأغلب لا رجعة منه، لا يعني أن سوريا والعراق سيختفيان من على الخريطة، ولكن الأرجح أنهما سيمران بمرحلة من التعثر لعدة سنوات، وهو الأمر الذي سيستنفذ قوة البلدين ومواردهما. الآن الأمر يشبه كثيرًا مجموعات من الجيوب المحصنة والمستقلة يغذيها رعاة من الخارج تشمل إيران والسعودية وتركيا والولايات المتحدة.

التشرذم الحاصل في البلدين وعدم سيطرة فريق قوي سيجعل البلدين ينتصران في النهاية، ولكن بعد إراقة الكثير من الدماء.

في العراق أدى العنف الطائفي الذي استمر لعدة سنوات في أعقاب الغزو الأمريكي/ البريطاني سنة 2003 إلى أن المجتمعات الثلاثة الرئيسة في البلاد – السنة والشيعة والأكراد– يذهب كل منها في طريقه ومصلحته الخاصة. وقد تفاقم هذا الأمر بعد أن سيطر الشيعة مدعومين بإيران على مقدرات البلد، وهو الأمر الذي تسبب في أن الدولة الإسلامية تستقبل الكثير من الدعم المالي والبشري والعيني من الداعمين في المملكة العربية السعودية وممالك الخليج الأخرى.

كل هذا كان لا يهم لولا حقيقة أن الدولة الإسلامية قد وضعت نصب أعينها تدمير اتفاقية سايكس بيكو، التي فرضت بكل إمبريالية حدودها منذ قرن من الزمان، والاستعاضة عنها بخلافة سنية تمتد من الخليج العربي إلى البحر الأبيض المتوسط.​

بطبيعة الحال لن تسمح هذه الدولة أن يكون هناك وجود للشيعة والأكراد والمسيحيين وجميع الأقليات الأخرى في المنطقة.

في هذا الصدد تجدر الإشارة إلى أن اتفاقية سايكس بيكو نفسها لم تأخذ في الاعتبار المجتمعات العرقية أو الدينية، وعلى أية حال فلقد تمت تغيرات كثيرة منذ سنين من قبل القوات البريطانية والفرنسية. فنجد أن في الخرائط الأصلية التي وضعتها سايكس بيكو قد خصص لفرنسا ليس فقط سوريا ولبنان ولكن أيضًا شمال العراق المتضمنة الموصل عاصمة الدولة الإسلامية الآن، وأيضًا معظم كردستان. وكانت بريطانيا تسيطر على جنوب العراق وما يعرف الآن بالأردن.

ولكن لاحقًا دارت مناقشات بين رئيس الوزراء الفرنسي جورج كليمنصو ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد لويد جورج أدت إلى تنازل فرنسا عن العراق كلها إلى بريطانيا. وقد تأكد هذا في المؤتمر الدولي في سان ريمو في عام 1920.

من الواضح أن التغييرات في اتفاق سايكس بيكو تؤكد زيف المشروع الإمبراطوري، والتي لم تعط أي اعتبار يذكر للجغرافيا أوالتضاريس أو العرق.

ورغم ذلك فإن سوريا المعاصرة والعراق ليسا وحدهما في هذا الصدد.

والملاحظ أن الأنظمة ودولها كانت تعيش في تطابق لمعظم الوقت منذ الحرب العالمية الثانية، ولكن منذ إسقاط ديكتاتورية صدام حسين بوحشية بسبب غزو الولايات المتحدة لعام 2003اختلف الأمر، ومن وقتها وبدأت العراق كأمة واحدة في التآكل.

الحرب غالبًا هي ***القابلة للدول الجديدة. ففي أوروبا الحديثة هذه الدول كرواتيا /البوسنة والهرسك /كوسوفو أصبحت دولاً فقط بسبب حروب حقبة التسعينيات.

مؤخرًافإن تيمور الشرقية وجنوب السودان تعدان من الدول الجديدة، والتي نشأت بعد صراع على المستعمرات السابقة. الخطر الحقيقي هو أن سوريا والعراق ستفتح المجال لدول جديدة.

المؤكد حاليًا بلا أدنى شك أن عودة سوريا والعراق بصورتهما القوية على حدود سايكس بيكو نخشى أنه ليس واردًا إطلاقًا.

*العقيد سير مارك سايكس 1879) 1919) مستشار سياسي ودبلوماسي وعسكري ورحالة بريطاني. كان مختصًا بشؤون الشرق الأوسط ومناطق سوريا الطبيعية خلال فترة الحرب العالمية الأولى. وقّع عام 1916 على اتفاقية سايكس-بيكو عن بريطانيا مع بيكو، عن فرنسا، لاقتسام مناطق النفوذ في أراضي الهلال الخصيب التابعة بمعظمها آنذاك للدولة العثمانية المتهاوية. شاركت روسيا القيصرية آنذاك في التصديق على الاتفاقية راغبة باقتسام مناطق نفوذ هي الأخرى قبل أن تسقط على يد الثورة البلشفية.

** فرانسوا ماري دينيس جورج-بيك( 1951-1870 )كان سياسي ودبلوماسي فرنسي وقّع اتفاقية سايكس-بيكو عن الجانب الفرنسي بعد الحرب العالمية الأولى لاقتسام مناطق النفوذ مع بريطانيا في منطقة الهلال الخصيب وأراضي أخرى كانت تابعة للإمبراطورية العثمانية. فيما بعد، كان مسؤولاً عن إلحاق مناطق المشرق العربي للنفوذ الفرنسي والتأسيس للانتداب الفرنسي على سوريا.

***القابلة هي المرأة التي تقوم بدور طبيبة التوليد.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد