نفَّذ الشعب الفلسطيني يوم أمس، الثلاثاء 18 مايو (أيار) 2021، إضرابًا عامًّا شملَ كافة الأراضي الفلسطينية في حالة من توحُّد المقاومة الشعبية رغم الانفصال الجغرافي بين غزة والضفة المحتلَّة والداخل. لهذه الدعوة، واستجابة الشعب الفلسطيني بالكامل لها، رمزيةُ توحُّد افتقدها الفلسطينيون لسنوات، ولكنها ليست المرة الأولى في تاريخ القضية الفلسطينية.

دخلَ مفهوم الإضراب العام أو العصيان المدني إلى النضال الفلسطيني مستلهمًا من حركات التحرر الوطنية الصاعدة آنذاك حول العالم، ليأتي الإضراب الكبير الذي كان فاتحة ما يُعرف باسم الثورة الكبرى في فلسطين عام 1936 ضد الانتداب البريطاني وسياساته المحابية للحركة الصهيونية، وضد تغولها في الأراضي الفلسطينية موظفةً سياسة الهجرة المكثفة لليهود من مختلف أنحاء العالم إلى فلسطين، للسيطرة على أكبر كمٍّ ممكن من الأراضي بغية إنشاء وطن قومي لليهود عليها.

ونظَّم الفلسطينيون حركات إضراب وعصيان مدني كثيرة منذ 1936 وحتى اللحظة، في سياقات وظروف مختلفة، شملَ بعضها الأراضي الفلسطينية كاملة، واقتصرَ بعضها على جزء من الأراضي الفلسطينية، ومنها: إضراب 1936، وإضرابات في الانتفاضتين الأولى والثانية، وإضرابات عفوية وسريعة في أعقاب اغتيال إسرائيل لقيادات في المقاومة، وتنوَّعت أشكال الإضرابات لتشمل الإضراب عن الطعام، ينفذه باستمرار الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال للضغط لتحسين أوضاعهم في الأسر.

العصيان المدني سلاحًا رمزيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا

أهمية الإضراب والعصيان المدني تأتي من تحديه للسلطة القائمة ونزعه للشرعية عنها. فكيف يحصل هذا؟

لاستمرار وجود الدولة وسلطتها مقوِّمات كثيرة، تتجاوز البعد الملموس المتمثل بالمؤسسات والأجهزة الأمنية والعسكرية إلى أبعاد رمزية ومعنوية، وعبرَ مؤسسات الدولة وأجهزتها تفرضُ على الأفراد الخاضعين لسلطتها وعيًا وشكلًا محددًا من السلوك، منه مثلًا: إعطاء «الرعايا» الذين تحكمهم السلطة الاستعمارية أدوارًا مثل الإنتاج الاقتصادي ودفع الضرائب، وبعضهم أدوات في مؤسسات التعليم، أهم أدوات السلطة لفرض ما تريد على وعي رعاياها، وفي مؤسسات الرقابة والأمن.

الهدفُ من تكامل هذه الرمزية للدولة مع مؤسساتها وأجهزتها هو إخضاع الفلسطينيين، أو أي شعبٍ مُحتل، دونَ الحاجة لاستخدام عنف كثيف بشكل مستمر، بهدف استمرار دوران عجلة الاقتصاد دون انقطاع.

ومن أهم مصادر شرعية الدولة وأسباب وجودها، قدرتها على إدارة حياة الناس والحفاظ على استمراريتها، فيأتي الإضراب والعصيان المدني ليتحدى هذه الرمزية والدور، موقفًا عجلة الاقتصاد لمدة من الزمن، ويسمحُ للشعب بأن يُثبت قدرته على نزع الرمزية والشرعية عن الدولة، ما يُضعف رصيدها الرمزيَّ. وفي الوقت نفسه، يُعزز هذا العصيان من المكاسب السياسية للحركة التحررية أو المُنظمة للعصيان.

وفي حال نجحَ العصيان، يُثبت قدرة طرف آخر غير الدولة أو السلطة الاستعمارية على قيادة المجتمع والناس، ويفتح الباب أكثر للنضال لتخريب أهداف السلطة الاستعمارية، وصولًا في النهاية للمطالبة بالاستقلال عن السلطة الاستعمارية، أي الاحتلال الإسرائيلي في حالتنا هذه.

فكيف يُضر الإضراب بسلطة الاحتلال وموقفه؟ أولًا، حاول الاحتلال جعلَ شبكات المصالح الاقتصادية والاجتماعية مرتبطةً به مباشرة، وبالتالي أيُّ إضرار بالاحتلال أصبح يضرُّ بالمصالح الاقتصادية للناس، وهنا خطورة الإضراب؛ إذ يُقنع الناس بالقيام بفعل ضدَّ مصالحهم الشخصية، لتقويض وتدمير السلطة السياسية للاحتلال.

وثانيًا، إذ استمرَّت الإضرابات لفترة كافية تُفقد الدولة جباية الضرائب التي تستعملها لتمويل وجودها وبيروقراطيتها.

من أول إضراب عام 1936 إلى الانتفاضتين

لفلسطين ظرف استثنائي ناتج من الاحتلال والتقسيم الحاصل للأراضي الفلسطينية، منذ قيام دولة الاحتلال عام 1948، ولطبيعة المخططات الاستعمارية المتعارضة أصلًا مع نشوء دولة ناتجة من المجتمع العربي في فلسطين، ولو كانت هذه الدولة مستغِلة له مستبدة به كما هو الحال في باقي البلدان العربية، فمخطط تهجير السكان الفلسطينيين وإحلال المهاجرين اليهود لإقامة وطن قومي لهم على الأراضي المحتلة، مع ضرورة ترافق ذلك مع عدم السماح بوجود كيان فلسطيني سياسي مستقل سيطالب بالضرورة بإنهاء الاحتلال وعودة اللاجئين المهجرين، وتمثيلهم لأنفسهم سياسيًّا على كامل الأرض الفلسطينية.

تنبه الفلسطينيون عام 1936 لخطر استمرار المخططات الرامية لفرض الهجرة اليهودية والإحلال الاستيطانيِّ على حساب الفلسطينيين وحقهم في تقرير مصيرهم. وكان الرد الأمثل للقيادة الفلسطينية هو تقديم بديل فلسطيني، ليقود العرب في الأراضي الفلسطينية، ويطالب بالاستقلال وإيقاف الهجرة اليهودية.

قامت الثورة الكبرى وإضرابها في أبريل (نيسان) 1936، في ظرف عالميٍّ سابق بثلاث سنوات لبدء الحرب العالمية الثانية، وكان متزامنًا مع تصاعد تحرُّكات التحرر الوطنية المختلفة في العالم العربي وبشكلٍ خاصٍّ في سوريا والعراق، ليتحدى الفلسطينيون بذلك سلطة الانتداب، مقدمةً البديل الوطني لقيادة سياسية للبلاد، على رأسها مفتي القدس، الحاج أمين الحسيني، والمجلس الإسلامي الأعلى، وترافق الإضراب مع حركة ثورية وصدامات مسلحة مع القوات البريطانية والوجود اليهودي في عموم فلسطين، وكان للصحف المحلية الفلسطينية دور بارز في نشر أخبار الإضراب، ما ساعد في تنسيق الجهود الفلسطينية لشمول الإضراب وعمومه الأراضي الفلسطينية تحت الانتداب البريطاني.

استمرَّ هذا الإضراب، الأنجح في تاريخ النضال الفلسطيني، لمدة ستة أشهر، ولكنه توقَّف بوعود من الانتداب البريطاني بدراسة المطالب الفلسطينية وأخذها بعين الاعتبار، كما يحكي بهجت أبو غريبة، المناضل الفلسطيني الذي شارك في الثورة وفي الحروب التي تلتها، في مذكراته «في خضم النضال الثوري العربي».

ولاحقًا، لم تُحقق السلطات البريطانية شيئًا من مطامح الفلسطينيين، فصُعَّدت الثورة في مراحلها اللاحقة لتصبح عمليات عسكرية بالكامل، إلا أن الثورة قُتلت عام 1939 بعدوان بريطاني عنيف على القرى والمدن الفلسطينية، وأوقعت سلطة الانتداب عقوبات جماعية على مدن وقرى بأكملها، بنسف بيوتها أحيانًا، أو فرض غرامات طائلة تُدفع لسلطة الانتداب من أموال عموم أهل المدينة الواحدة، وهذا ما حصل مع مدينة الخليل. حوَّل الاستعمار البريطاني الثورة إلى فرصة لإنهاك المجتمع الفلسطينيِّ وتدمير قدراته على المقاومة.

وتقولُ أرقام الأرشيف البريطاني، بحسب ما ينقل بحثٌ تاريخيٌّ نُشر عام 2009، إن عدد الشهداء الفلسطينيين في الثورة يزيد على الألفين، ووثَّق الانتداب رسميًّا إعدام أكثر من 110 فلسطينيين على يد القوات البريطانية شنقًا، وفي الغالب لا تعكس هذه الأرقام حجم القتل والعقوبات التي أوقعها الاستعمار على الفلسطينيين.

وبعد انتهاء الثورة بأقل من عقد، حلَّت «النكبة» واحتلَّت العصابات الصهيونية أغلب الأراضي الفلسطينية مُعلنةً قيام إسرائيل في 1948، وفرضَ فصل جغرافي على ما بقي من الأراضي الفلسطينية غير المحتلة، الضفة الغربية وقطاع غزة، ولكن تقسَّمت الجغرافيا الفلسطينية أكثر وأكثر بسبب الخلاف العربي: فأعلن انفصال الضفة وتبعيتها للحكم الهاشمي في الأردن، وأعلن قيام حكومة عموم فلسطين في قطاع غزة، تحت دعم ونفوذ مصري.

وفي أقل من عقدين بعد زلزال النكبة، جاءت «النكسة» عام 1967، لتدخل الضفة وغزة تحت الاحتلال الإسرائيلي.

اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الأولى بعد عقدين من النكسة، فبعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، وبعد عقدين من احتلال أراضي الضفة والقطاع، مع ما انتهجته سلطات الاحتلال من تقويض سبل عيش الفلسطينيين في الضفة، اتَّبعت الانتفاضة أساليب الإضراب والعصيان المدني، ومقاطعة المنتجات الإسرائيلية، واشتهرت بمواجهات رمي الحجارة ضد جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي، واستشهد فيها ما لا يقل عن ألف فلسطينيٍّ. وجاءت نهاية الانتفاضة فعليًّا بتوقيع اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، وبدء مسار السلام وإقامة السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1993.

Embed from Getty Images

من مشاهد الانتفاضة الأولى، الصورة من عام 1988 في الضفة الغربية

إلا أن فشل مسار السلام، ورفض إسرائيل الوفاء بالتزامات أوسلو، وتعنت حكومات اليمين الإسرائيلية المتتالية أدت بعد اقتحام آرييل شارون للمسجد الأقصى عام 2000 إلى اندلاع الانتفاضة الثانية أو ما عرف بـ«انتفاضة الأقصى»، التي امتازت بقدر أكبر من الأعمال العسكرية الفلسطينية ضد أهداف إسرائيلية، وقد كانت الانتفاضة الثانية آخر المحطات الكبيرة التي شهدت وحدة في الفعل الشعبي الفلسطيني في الضفة والقطاع والداخل.

وكان القطاع التجاري هو أكثر ما أنجح إضراب الانتفاضة الأولى، بإغلاق المتاجر والمحلات، والامتناع عن دفع الضرائب وإقامة اللجان الشعبية لتنظيم العمل المدني ومحاولة إنتاج مشاريع تعتمد على الذات في محاولة للانفكاك عن الاقتصاد الإسرائيلي ودعمه.

كيف يمكن أن يؤثِّر الإضراب الحاليِّ في إسرائيل؟

بَنت إسرائيل وضعًا من التكامل والاعتماد المُتبادل بينها وبين الضفة وغزة، ومع قوة العمل الفلسطينية على وجه الخصوص، إذ يعمل ما يزيد على 127 ألف عامل فلسطيني في الداخل الإسرائيلي وفي مستوطناته في الضفة الغربية، وهو ما يمثل 24% من قوة العمل في الضفة الغربية، بحسب تقرير عام 2019 لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، وجميعهم مصنفون عمالًا غير مهرة، ولكنهم يحصلون على رواتب أعلى بـ60% من متوسط الرواتب في الضفة الغربية، ويعملون عامَّة في قطاعات مثل البناء والزراعة، ويوفِّرون العمالة غير الماهرة التي لا تتوفر للمجتمع الإسرائيلي بكثرة.

وفي بحث منشور عام 1998، للباحثين علي قادري، ومالكولم ماكميلين، يحاججان فيه بأن الواقع الاقتصادي الفلسطيني الحالي شكَّلته سياسةٌ وإستراتيجية إسرائيلية هدفها منع نشوء اقتصاد مستقل أو أيٍّ من مقوماته.

فبينما كان المجتمع الفلسطيني مجتمعًا زراعيًّا خاصةً باعتماده على دورة إنتاج الزيتون، وما يتعلق به من نشاطات اقتصادية تمثل وحدها 8% من الناتج المحلي، وهي نسبة أعلى من نسبة الصناعة، التي يذكر الباحثان أن وجودها أصلًا قد يكون مرتبطًا بعملية عصر الزيتون.

تركَّزت السياسة الإسرائيلية على تقويض أساسات هذا الاقتصاد الزراعي، عن طريق سياسات مصادرة الأراضي التي تسببت بشكل مباشر بتدمير القطاع الزراعي الفلسطيني، وبسبب تردي الوضع الاقتصادي العام في الأراضي الفلسطينية انخفض متوسط أجور العمال الفلسطينيين وازدادت حاجتهم إلى الوظائف داخل إسرائيل والمستوطنات، لارتفاع أجورها مقارنة بالأجور في الوظائف المتوفرة في الأراضي الفلسطينية. وتناسب هذا الوضع مع حاجة الاقتصاد الإسرائيلي المتقدم والمتخصص للعمالة غير الماهرة.

ومع ضعف التنمية الاقتصادية في الأراضي الفلسطينية، يظلُّ هذا الجيش الكبير من العمالة الفلسطينية غير الماهرة في خدمة الحكومة الإسرائيلية، التي تحتاجهم لتشغيل قطاعات الزراعة والبناء، أما الإسرائيليون فيعملون في وظائف بأجور أعلى، تحتاج إلى مؤهلات علمية وتدريبية وتحتاج للتخصص، ليعملوا في قطاعات مثل البتروكيماويات، وصناعة السلاح، والذكاء الاصطناعي، وهي القطاعات الصناعية الدافعة للنمو الاقتصادي الإسرائيلي.

Embed from Getty Images

فلسطينيون في طابور الانتظار أمام حاجز من حواجز الاحتلال في الضفة الغربية 

تعزز هذه الإستراتيجية الإسرائيلية حالة التخلف الاقتصادي في الأراضي الفلسطينية وتطيل تأخُّر العمال الفلسطينيين، وتصعِّب إحداث أي تنمية أو تحسن في المستوى التعليمي والتدريبي للعمالة الفلسطينية، ويُبقي حالة الاعتماد المتبادل في صالح اقتصاد الاحتلال.

ويشيرُ البحث الذي ذكرناه سابقًا، وبحثٌ آخر نشرته جامعة كامبريدج عام 2002، إلى استغلال الاحتلال للعمالة الفلسطينية سياسيًّا، فقرار إسرائيليٌّ واحد لمنع دخول العمال أو تقنينه، يكفي ليؤدي إلى تضاعف معدلات البطالة بين العمالة الفلسطينية.

ولكن معادلة الاعتماد هذه ليست أحادية الطرف، بل متبادلة؛ إذ لا يوجد لدى إسرائيل بديلٌ في المدى القريب أو المتوسط للعمالة الفلسطينية، خاصةً وأنهم يشغلون قطاعات مهمة لا تحتملُ التأخير لأثرها في مخططات الاحتلال ومشاريعه الاستيطانية، مثل قطاعي البناء والزراعة، وبتوقفهما سينتقل الضرر إلى قطاعات أخرى في الاقتصاد الإسرائيلي.

ويظلُّ الفلسطينيون في حاجة إلى إستراتيجية تُنهي الاعتماد على الاقتصاد الإسرائيلي، بتحدي الواقع الاقتصادي المفروض من قبل الاحتلال على الفلسطينيين بمنع التنمية الاقتصادية عنهم، وفي حصرهم في مستوى معين من الوظائف والأعمال، وينطبقُ هذا على العمالة غير الماهرة وعلى المؤهَّلين من فلسطينيي الداخل.

ولربما يكون هذا الإضراب خطوةً نحو بناء اقتصاد أكثر اعتمادًا على الذات واستقلالًا عن الاحتلال، وأقل نفعًا له.

وعدا عن الأثر الاقتصادي للإضراب، فلهُ منافع سياسية أهمها تعزيز شعور الوحدة بين الفلسطينيين في جغرافياتهم المختلفة، في إطار الهبَّة والاحتجاج المشتعل في عموم فلسطين بالتزامن، وفي كسرهِ لمحاولات الاحتلال لإدامة وضع الانفصال نفسيًّا وجغرافيًّا.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ سنتين
الرصاص والتراب.. قصة بدايات المقاومة الفلسطينية للحركة الصهيونية

المصادر

تحميل المزيد