لم تفشل التظاهرات السودانية هذه المرة، رغم تجاهل وسائل الإعلام والجيش لها في البداية؛ فبعد 114 يومًا من الهتافات الصاخبة، انتصرت ثورة السودان وانكسرت عصا البشير التي حكمت السودان ثلاثة عقود، الرجل الذي فشلت كافة المحاولات السابقة في الإطاحة به، كما فشلت الانتفاضات المتكررة في هزيمته؛ لكنّ أحداث خمس ليالٍ ضبابية قضاها الثوار في اعتصام القيادة العامة للجيش بعد نحو أربعة أشهر من التصعيد كانت فاصلة.

الجيش الذي اتهم الثوار بالأمس بدفع البلاد إلى نفق الفوضى المظلم، شوهدت آلياته العسكرية وهي تطوّق العاصمة في الوقت الذي أعلنت فيه الوكالة الرسمية السودانية القبض على 100 شخصية سياسية، وتوقفت الأنفاس فجأة بعد بيان الجيش الذُي طال انتظاره لساعاتٍ، حتى خرج وزير الدفاع ونائب الرئيس الأول وهو يتلو بيان الهزيمة قائلًا: «صبر أهل السودان كان فوق تصور البشر».

هذا التقرير يتجاهل كل رجال الدولة، ويُسلط الضوء على أيقونات ثورة السودان المنتصرة، الذين قُتل بعضهم بفوهات البنادق، بينما بقي الآخرون شاهدين على انتصار ثورتهم الضبابية.

«بلومبرج»: ماذا حدث في السودان حتى الآن وما المتوقع؟ 8 أسئلة تشرح لك

«الكندانة».. أرهبيهم بصوتك يا فتاة

بين الوجوه الشاحبة التي أنهكها اعتصام القيادة العامة، تقدمت شابة سودانية الصفوف، واعتلت سطح سيارة مرتدية الثوب السوداني التقليدي، وزينته بأقراطها الذهبية ووشاحها الأبيض، ودوى صوتها عاليًا، وهي تشدو بأغاني ثورة السودان التي تدعو لإسقاط النظام.

جرأة الفتاة وشجاعتها في المكان نفسه الذي دارت فيه معارك الشرطة لفض الاعتصام بالقوة سرعان ما جذبت إليها الأنظار، وأصبحت حديث مواقع التواصل الاجتماعي لتصدرها الحراك، وتساءلت عنها الصحف الأجنبية التي اعتبرتها رمز ثورة السودان ونضال النساء فيها.

لُقبت الشابة آلاء صالح بعدها بـ«الكندانة»، وهو لقب يُطلق على الملكة النوبية قديمًا التي تركت لأحفادها تاريخ نساء حاربن بقوة دفاعًا عن بلدهن وحقوقهن، وفي حديثها لـ«وكالة الأنباء الفرنسية»، اعتبرت الفتاة أنّ النساء يشكلن حجر الأساس في الانتفاضة ضد النظام.

قصة صورة أسقطت النظام

تفاجأ أحد الجنود السودانيين بأمه تهتف بين صفوف المتظاهرين؛ وفي وقتٍ أصرت فيه قوات الأمن على فض الاعتصام بالقوة مستخدمين الرصاص الحي وقنابل الغاز، التقط هذا الجندي صورة مع أمه بين الحشود، في دلالة واقعية على رمزية هتاف «جيش واحد شعب واحد».

وكان الثوار قد بدأوا اعتصامًا مفتوحًا أمام مقر القيادة العامة للجيش بعد أربعة أشهر من الاحتجاجات، مُعلنين أنه الأمل الأخير في حراكهم السلميّ، وبينما حاول الأمن فض الاعتصام بالقوة، تدخل حرس وزارة الدفاع – بينهم الشاب الذي في الصورة – لحماية المتظاهرين، وكانت النتيجة سقوط أول قتيل من الجيش برصاص الشرطة.

شوقي الصادق.. «الشهيد» الذي عاش

المفارقة أنّ ثورة السودان بدأت بـ«انتفاضة الخبز» التي أطاحت البشير، والتي أشعلها طلاب مدرسة صناعية في مدينة عطبرة شمال البلاد – المدينة التي طالما أزعجت البشير – بسبب غضب الطلبة من انعدام الخبز في وجبة الإفطار، عقب قرار الحكومة زيادة أسعار الخبز ثلاثة أضعاف، ليصبح سعر الرغيف بما بين ثلاثة إلى خمسة جنيهات سودانية.

في بداية ثورة السودان في 19 ديسمبر (كانون الثاني) العام الماضي، لم تكن التظاهرات قد حصلت على زخمها بعد، لذا قوبلت الاحتجاجات بالرصاص الحي، في الوقت الذي انطلق فيه جهاز الأمن والمخابرات في القبض على قادة الأحزاب المعارضة، لكنّ وميض شرارة الثورة سُرعان ما جذب حشودًا أكبر عقب مقتل أصغر متظاهر برصاص الشرطة، هذا الطفل هو شوقي الصادق – 12 عامًا – وقد تم تداول عدة صور له أثناء مشاركته في الاحتجاجات وعقب مقتله، ليصبح «الشهيد الذي عاش» أيقونة الاحتجاجات في بداية الثورة.

أطفالٌ ضد البشير.. أنشودة في مواجهة الرصاص

على إيقاع الرقص الأفريقي جذب مجموعة صغار آلاف المتابعين عبر أنشودة «قوة البشير.. قوة فاسدة»، والتي أدوها عبر رقصاتٍ تقليدية من التراث السوداني، وسُرعان ما تداولت مواقع التواصل أغنيتهم على نطاقٍ واسع، وحتى اليوم لا يُعرف من هم الثوار المجهولون الذين اشتركوا في ثورة السودان دون أن يكتبوا أسماءهم شأنهم شأن الكثير.

وطيلة أيام الثورة برر النظام السوداني عمليات العنف تحت غطاء أنّ «هناك مُندسين قاموا باستغلال الاحتجاجات السلمية للقيام بأعمال تخريبية».

صورة من الميدان

في الوقت الذين وصف فيه الرئيس المخلوع عمر البشير المتظاهرين بالخونة والمندسين والعملاء، انتشرت صورة للشاب وهو ينحني فوق عربة ليتسنى لفتاة شابة الصعود على ظهره، ليتلقفها زملاؤه من جهة أخرى لإخلاء موقعهم. اعتبرت الصورة إحدى أيقونات ثورة السودان والتي تزامنت مع توجه الحشود للاعتصام أمام القصر الرئاسي مقر القيادة العامة للسودان.

الثائر ذو القدم الواحدة

كانت أبرز المشاهد التي التقطت خلال التظاهرات التي استمرت نحو أربعة أشهر هي صورة شاب بُترت إحدى قدميه يشارك في احتجاجات الخبز المطالبة برحيل البشير.

 

والفيديو الذي انتشر على نطاق واسع كان في إحدى المسيرات بمدينة أم درمان – أكبر المدن السودانية – في العاصمة الخرطوم، خلال الشهر الأول من الاحتجاجات.

عريس ثورة السودان.. فقد عينه وأضاء الوطن

فقد الشاب سامح سيد إحدى عينيه من جراء مقذوف غاز مسيل للدموع أثناء مشاركته بإحدى التظاهرات في العاصمة الخرطوم، وتبدو قصته متشابهة مع الكثيرين الذين أصيبوا أو قتلوا في الميادين.

سامح مع خطيبته في المستشفى- مصدر الصورة «الجزيرة نت»

لكن اللافت أنّ خطيبة الشاب طلبت الزواج منه وهو مصاب في المستشفى ليتم عقد القرآن أثناء فرض حظر التجوال في جو احتفال لُقّب بـ«الزاوج الثوري»، لتتحول صورة العروسين في ما بعد لأيقونة في مجموعات «واتساب» و«تليجرام» التي استخدمت بصفتها تجمعات لحشد المتظاهرين. 

المفارقة أنّ الشاب يعمل مصرفيًّا في أحد البنوك السودانية، وهي طبقة تفلتت من الأوضاع الاقتصادية التي فرضها البشير على شعبه، إذ بلغ سعر الدولار الأمريكي نحو 47 جنيهًا سودانيًّا، كما تخطى التضخم حاجز 70%.

شريعة في خدمة الدكتاتور.. كيف طوّع البشير الإسلام لإرهاب معارضيه؟

المصادر

s