هذا التقرير جزء من مشروع «الحج إلى واشنطن» لتغطية أنشطة لوبيات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة بين 2010-2020. ومعظم المعلومات الواردة في التقرير تستندُ لوثائق من قاعدة بيانات تابعة لوزارة العدل الأمريكية، تتبع لقانون «تسجيل الوكلاء الأجانب (فارا)»، الذي يلزم جماعات الضغط بالإفصاح عن أنشطتها وأموالها، وكافة الوثائق متاحةٌ للتصفح على الإنترنت.

مع اندلاع الثورة السورية أفرزت الأحداث تيارات سياسية عدّة لتمثيل تطلّعات السوريين في مستقبل أفضل في مرحلة ما بعد نظام البعث.

ومن هذه التيارات ما اتحد تحت مظلّات أوسع نتيجة للتقارب في المنطلقات والأهداف، كما حدث مع الائتلاف الوطني للثورة السورية وقوى المعارضة الذي تأسس مع بدايات انطلاق الثورة في سوريا من مجموعة من القوى السياسية التي تنتمي لأطياف سياسية مختلفة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2012 في الدوحة، عاصمة قطر.

فماذا يمكن لائتلاف ثوري أن يفعل في أروقة السياسة الأمريكية؟ في هذا التقرير نستعرض أنشطة الائتلاف وتعاونها مع شركة بريطانية للضغط السياسي.

ائتلاف ثوري يدخل عالم اللوبيات

تكوَّن الائتلاف في البداية من 63 مقعدًا، واتسع لاحقًا ليبلغ عدد أعضائه 113 حتى يمثل أكبر شريحة ممكنة من القوى والكيانات السورية المعارضة المختلفة. من بينها المجلس الوطني السوري، والهيئة العامة للثورة السورية، ولجان التنسيق المحلية، إلى جانب قيادة الجيش الحر، والحراك الثوري، والمجلس الثوري لعشائر سوريا، ورابطة العلماء السوريين، إضافة إلى بعض الشخصيات الوطنية وممثلٍ عن المنشقين السياسيين عن نظام الأسد.

وكان الخيط الفكري السياسي الناظم للائتلاف هو دعم القيادة المشتركة للمجالس العسكرية الثورية والجيش الحر، وإنشاء صندوق دعم الشعب السوري بتنسيق دولي، وإنشاء اللجنة الوطنية السورية. وأوضح أن من ثوابته الحفاظ على السيادة واستقلالية القرار الوطني السوري، وذلك إلى جانب إسقاط النظام بكل رموزه وأركانه وأجهزته الأمنية، والحرص على قيام دولة مدنية ديمقراطية.

أدركت قيادة الائتلاف منذ البدايات أن العمل العسكري الذي يهتم به الجيش الحر لابد له عن رافعة سياسية تكمّل مهمته، وتوصل رسالته ورسالة السوريين إلى حيث يجب أن تصل، إلى واشنطن العاصمة السياسية الأهم في العالم، وإلى أروقة الأمم المتحدة، أكبر مجمع دبلوماسي في العالم.

لذا فقد قام مكتب الائتلاف الوطني للثورة السورية وقوى المعارضة في واشنطن بالتعاقد مع شركة «إندبندنت ديبلومات (Independent Diplomat)»، لتنفيذ خدمات ضغط سياسي على وزارة الخارجية الأمريكية والبعثة الأمريكية بالأمم المتحدة لحشد الدعم في قضايا سياسية وإنسانية مرتبطة بالثورة السورية. بالإضافة لتقديم الشركة لخدمات تدريب دبلوماسي للعاملين في الائتلاف بأمريكا، وذلك حسب وثائق وزارة العدل الأمريكية.

وخلال العلاقة التي امتدت قرابة خمسة أعوام، من مارس (أذار) 2013 وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2018 ركزت الشركة البريطانية على مصالح الائتلاف في السياسة الخارجية الأمريكية على أكثر من جبهة، ومن الجدير بالذكر أنه يحقّ لشخصيات وشركات غير أمريكية العملُ في الضغط السياسي على أراضي الولايات المتحدة، وهذا هو الحال مع شركة «إندبندنت ديبلومات».

والشركة منظمة غير حكومية تأسست عام 2004 على يد الدبلوماسي البريطاني السابق كارني روس؛ لتقديم المشورة والمساعدة الدبلوماسية للحكومات، والجماعات السياسية، والشعوب الساعية إلى التحرر، وتوفِّر الشركة دبلوماسيين للحكومات غير المعترف بها، وتساعد هذه الحكومات والحركات على حضور المنتديات السياسية والمشاركة فيها.

كارني روس

كارني روس، مؤسس شركة «إندبندنت ديبلومات (Independent Diplomat)»، مصدر الصورة: ويكيبيديا.

هذه العلاقة كلّفت الائتلاف السوري على مدى هذه السنوات 3 ملايين و987 ألف دولار، دفعتها الحكومة البريطانية من خلال وزارة الخارجية البريطانية، لتغطية أتعاب الشركة من ديسمبر 2013 وحتى نهاية التعاقد. جزء من هذه الأموال تبرعت به البعثة الدائمة لهولندا لدى الأمم المتحدة لصالح مكتب الائتلاف في أمريكا، قيمته 12 ألف و880 دولارًا في سبتمبر (أيلول) 2016.

الائتلاف السوري بين الخارجية الأمريكية والأمم المتحدة

مؤسس الشركة كارني روس، استقال من منصبه مستشارًا أمنيًا للحكومة البريطانية في الأمم المتحدة على خلفية تورط بلاده في حرب العراق عام 2003. وهو متمرس في تمثيل الشعوب والحركات الساعية للتحرر في واشنطن والأمم المتحدة، إذ مثّل سابقًا العديد من الحركات في كوسوفو، وجنوب السودان، والصومال، والصحراء الغربية، كما مثّل السلطة الفلسطينية.

ولذا عمل جنبًا إلى جنب مع الائتلاف السوري لقوى المعارضة طوال خمسة أعوام، لكن دون تحقيق أي مردود سياسي ملموس على الأرض، وركزت الشركة على ثلاث محاور أساسية تبعًا للتطورات السياسية في الساحة السورية تمثلت في الخارجية الأمريكية، والبعثة الأمريكية للأمم المتحدة والجهات المختصة بقضايا المرأة.

فمنذ بدايات التعاقد بين الطرفين حتى منتصف العام 2015 ركزت الشركة على مكاتب وزارة الخارجية الأمريكية المختلفة والعاملين فيها. خصوصًا كروتس ريد، المسؤول عن ملف الشرق الأوسط في البعثة الأمريكية للأمم المتحدة، والذي يعمل حاليًا موظفًا سياسيًا في السفارة الأمريكية بالقدس.

وتواصلت الشركة مع العديد من موظفي مكتب عمليات النزاع والاستقرار في وزارة الخارجية الأمريكية، ويبرز منه اسم ماريا ستيفان المسؤولة الرئيسية عن الشؤون الخارجية في المكتب والتي عملت مع المعارضة السورية من تركيا. بالإضافة لوين دايتون الذي كان يرأس العمليات الخارجية في نفس المكتب، ويشغل حاليًا منصب نائب رئيس البعثة الدبلوماسية بالسفارة الأمريكية في بيروت.

من وثائق الائتلاف السوري وأنشطته في الأمم المتحدة. المصدر: موقع وزارة العدل الأمريكية.

إلا أن نشاط الشركة شهد تحولًا جذريًا في مجالات الضغط السياسي، خصوصًا مع بدء التدخل الروسي في الصراع السوري لصالح النظام في سبتمبر 2015، فقد بدأت الشركة تركز نشاطها على البعثة الأمريكية في الأمم المتحدة وأفراد طاقمها. إذ تشير الوثائق إلى لقاءات متكررة مع سامانثا جين باور، السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة. ومع نائبها مايكل سيزون، لتنسيق لقاءات مع نجيب غضبان، رئيس مكتب الائتلاف بأمريكا، بخصوص العملية السياسية في سوريا. ونسقت لقاءات لصالح الناشطتين النسويتين لمى قنوت، ورفيف جويجاتي على هامش اجتماع لجنة وضع المرأة التابعة للأمم المتحدة.

انصبّ اهتمام الشركة في هذه المرحلة على آخر تطورات محادثات جنيف الثالثة، و«المجموعة الدولية لدعم سوريا (ISSG)» التي تشكلت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015. وعملت على ملفات أخرى للثورة، منها تحضيرات المعارضة لمحادثات جنيف، والحاجة لإنزال مساعدات جوية للمناطق المحاصرة، وإحالة رسالة إلى مجلس الأمن بخصوص العدوان الروسي، وأخرى إلى المجلس باسم لجنة المفاوضات العليا المشكَّلة من أطياف المعارضة السورية المختلفة، وكما نسقت سفر نجيب غضبان إلى الصين لذات الغرض.

وسَّعت الشركة لتنسيق اجتماع مع السفيرة الأمريكية ونائبها في الأمم المتحدة لصالح مازن درويش، المحامي والناشط في حقوق الإنسان ورئيس المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، لسماع تجربته في الاعتقال.

منذ أواخر عام 2017 وحتى نهاية العقد كان العمل حصرًا على قضايا تخص المرأة وحقوقها من خلال التواصل مع جهات عديدة معنية بحقوق المرأة. واللافت أن النشاطات المسجلة التي قامت بها الشركة أتت لحساب هيئة المفاوضات العليا التي يشكل الائتلاف جزءًا أساسيًا منها، فقد التقت الشركة وتواصلت لصالح الهيئة مع كل من رابطة المرأة الدولية للسلام والحرية (WILPF)، ومنظمة «Madre»، ومنظمة «Justice for Women»، بخصوص قضايا إدماج المرأة ودورها في بناء السلام، وبخصوص قوانين الجنسية والبدون.

Embed from Getty Images

من اليمين: نجيب غضبان، المعارض السوري، والممثل الخاص للائتلاف الثوري السوري في الولايات المتحدة، وخالد خوجة رئيس الائتلاف آنذاك، في مؤتمر صحافي بالأمم المتحدة في نيوروك عام 2015.

كما التقت بمراكز ومؤسسات أخرى لأهداف مشابهة، مثل «المركز الدولي للعدالة الانتقالية (ICTJ)»، و«معهد الولايات المتحدة للسلام (USIP)» بخصوص اللاعنف وبناء السلام، وتواصل مع مجموعة من المراكز حول الإستراتيجيات البديلة للسلام و«العدالة الجندرية» في سوريا، من هذه المنظمات «المعهد الديمقراطي الوطني»، و«المعهد الجمهوري الدولي»، و«مركز مجلس العلاقات الخارجية».

هذا النوع من النشاطات الذي يبتعد كثيرًا عن هموم السوريين الأساسية على المستوى السياسي يشير إلى تراجع في قوة الضغط السياسي للائتلاف الوطني للثورة السورية وقوى المعارضة في واشنطن. وربما يمكن تفسيره بميلان كفَّة الصراع للنظام من بعد التدخل الروسي المباشر هناك، واستقرار الأوضاع لصالحه وصالح حلفائه، خصوصًا بعد انتهاء معارك مدينة حلب نهاية عام 2016 بسيطرة النظام على مركز المدينة والمناطق الشرقية منها، بعد قصف مكثف على مواقع المعارضة.

خصوصًا أن الهيئة، بحسب سجلات قانون تسجيل الوكلاء الأجانب، قد دخلت على خط تمثيل المعارضة السورية إلى جانب الائتلاف في أروقة واشنطن على مدار الأعوام اللاحقة حتى نهاية العام 2019. وسعت إلى الضغط السياسي على الإدارة الأمريكية بأجندة سياسية مُكمِّلة بحسب التطورات السياسية اللاحقة على الساحة السورية بين أعوام 2016 – 2019.

هذا التقرير جزءٌ من مشروع «الحج إلى واشنطن»، لقراءة المزيد عن «لوبيات» الشرق الأوسط اضغط هنا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد