التصريحات الأخيرة لمساعد وزير الخارجية الإيراني، حول عدم قبول إيران لسقوط الأسد عبر ما أسماهم “الإرهابيين” يعكس قوة العلاقات بين سوريا وإيران، في هذا التقرير نحاول أن نعطي صورة عامة حول العلاقات بين البلدين، تاريخها وأسبابها ومدى قوتها في الوقت الحالي.

هل للأيدولوجيا اليد الأقوى في العلاقات؟

يعتقد البعض أن الخلفية الإيديولوجية التي يتحرك من خلالها النظامان الحاكمان – كونهما ينتميان للمدرسة الشيعية – في كلا البلدين توحدهما في المصالح والمواقف السياسية، لكنّ الأمر لا يبدو كذلك دومًا، بالنظر إلى كون النظام السوري “علماني” بطبعه، يحارب الإسلام السياسي منذ نشأته، فإن العلاقة لابدّ أن تكون عدائية مع النظام الإيراني الذي لا يستطيع أن يقدم على شيء دون “بركة” وموافقة المرشد الأعلى، أو الولي الفقيه.

الخميني قائد الثورة الإيرانية

بنظرة أخرى، فإن السياسة تعبر عن المصالح والمنافع بالأساس وليس لها أي بعد إيديولوجي يذكر إلا فيما ندر، موقف سوريا من عراق صدَّام حسين – على سبيل المثال – لابدّ أن يكون أكثر ليونة وتعاونًا، لكنّ التاريخ القريب يقول العكس، فسوريا – التي تجمعها بنظام صدام الإيديولوجيا البعثية – لم تكن مواقفها متصالحة في أي وقت مع صدام، بالعكس فقد وقفت سوريا إلى جانب إيران في حربها ضد العراق، بل وبعثت قوات سورية في الخليج أثناء حرب الخليج الثانية لإرغام صدام على مغادرة الكويت.

قوات مصرية وسورية وعمانية في حرب الخليج الأولى

بالتالي فإن أيّ حديث عن الإيدولوجيا ومدى تأثيرها في العلاقات بين البلدين ليس هو المعيار الرئيسي في هذه العلاقات، بل إن الإيديولوجيا تعتبر عاملًا مساعدًا من العوامل المساعدة يتم استجلابها وقت الحاجة وليست هي الأساس، وإلا فما الذي يجعل نظامًا بعثيًا لا يهتم بالدين يتحالف مع أكبر نظام ديني في المنطقة؟ وربما في العالم؟

تاريخ العلاقات ونشأتها

ربما أنّ العلاقات بين البلدين نشأت لظروف جمعتهما معًا دونَ أية عوامل أخرى إيديولوجية، بإطلالة سريعة على ظروف كلا البلدين خلال فترة النشأة يتبين لنا ماذا كانت العلاقات بين البلدين، خرجت إيران إلى العالم بثورة مطلية بطلاء ديني ما كان سببًا في تخوف العالم منها، أرادت إيران تكوين علاقات قوية مع أحد الأطراف في المنطقة العربية، ولأنها رفعت راية المقاومة والانتصار للمستضعفين فإنها كوَّنت علاقات طيبة مع فصائل مقاومة فلسطينية كما قامت بتأسيس حزب الله في لبنان والذي كانت لسوريا يد في تأسيسه أيضًا.

كانت إيران تحاول أن تبحث عن خطاها داخل الشرق الأوسط، بينما بدأ الاتحاد السوفيتي – الذي كان الحليف الأقوى لسوريا – في الانهيار، كانت سوريا بحاجة إلى ظهير قوي ومتماسك ترتبط به ارتباطًا نستطيع أن نطلق عليه اصطلاح “ارتباط وجودي” يرتبط ارتباطًا شرطيًا كل منهما بالآخر، لم تجد إيران سوى سوريا ولم تجد سوريا سوى إيران – تجمعها معها خلفية شيعية وخلفية مقاومة – ليبدآ معًا تشكيل عنصر محور المقاومة (مع المقاومة الفلسطينية ولبنان).

“بدا الأمر كما لو كان سقوط الاتحاد السوفيتي – القطب الأكبر المواجه لأمريكا في العالم – سببًا في تكوين تكتل إقليمي أقل وأضعف منه لكنه يمثل شوكة مقابل القوة الأمريكية العظمى”.

رغم ذلك استطاعت إيران وسوريا إقامة علاقات قوية مع روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، في الصورة ميدفيديف رئيس الوزراء الروسي وبشار الأسد

بدأت العلاقات تأخذ منحىً آخر أشدّ قوةً مع الغزو الأمريكي للعراق 2003، خصوصًا أن كلتا الدولتين تبنّتا خطاب الحرب على الإرهاب ما كان سببًا في غزو العراق، حيث وضع الغزو كلتا الدولتين على فوهة البركان، فإيران تحاول أن تجد لها موضع قدم في العراق، كذلك سوريا، محاولتان ألا تجعلا النفوذ الأمريكي مطلقًا في العراق، بالطبع كانت إيران هي الأقوى في العراق لذلك دعمتها سوريا على أن تكون فوائدها من العراق فوائد استراتيجية بالأساس كونها الشريك القوي لإيران الدولة الأقوى في العراق!

من يحتاج الآخر؟

حسب برقية دبلوماسية سرية كتبتها ماورا كونيللي، الأمين العام المساعد لمكتب شؤون الشرق الأدنى في الخارجية الأمريكية – سربها موقع ويكيليكس عام 2009 – فإن وليد المعلم وزير خارجية سوريا أكد في لقائه مع السفير الأمريكي السابق في لبنان أن سوريا ليست تابعة لإيران وأن العلاقة بينهما توافق مصالح لا تبعية.

هذا المنطق السوري في التعامل مع إيران مشهود، باعتبار أنّ إيران لا ترى في الأسد تابعًا بقدر ما تراه “كنزًا استراتيجيًا” يحافظ على وجودها، فوجود التكتل السوري الإيراني في مواجهة الأعداء والمنافسين الإقليميين والقوى الكبرى مرهون بالطبع بوجود الأسد، إضافةً إلى أنَّ التواجد الإيراني مع المقاومة في لبنان وفلسطين لا يتم إلا عبر قنوات سورية بالأساس، وتدخُّل إيران في لبنان بالتحديد لا يتم إلا من خلال سوريا، إضافةً إلى كل ما سبق فإن محور سوريا – إيران يجعل من كفة أية دولة منهما قوية أثناء أية مفاوضات ومداولات مع قوىً إقليمية أو عالمية.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

“2010”

بلغ ميزان التبادل التجاري بين البلدين ـ قبل اندلاع الثورة السورية ـ خمسة مليارات دولار، بالطبع يعتبر هذا التبادل التجاري عاليًا جدًا، بالإضافة إلى كل ما سبق فإن علاقات عسكرية قوية تربط بين البلدين.

على الصعيد العسكري تفيد تقارير عديدة أن إيران تتبادل المكاسب مع سوريا، على خلاف ما هو مشهور من أن إيران هي التي تفيد سوريا فقط، وتشير التقارير العسكرية المتاحة إلى أن هذا التعاون بدأً بالدعم السوري للبرامج الإيرانية العسكرية الناشئة، كذلك فإن سوريا هي التي نقلت تجربتها الصاروخية لحزب الله في لبنان، هذه التقارير بالطبع تضع مقولة أن إيران صاحبة اليد العليا في العلاقة بين البلدين في موقع النقد إذ أن سوريا هي التي بدأت الدعم العسكري لإيران!

علاقة أكثر من متينة حقًا!

بعيدًا عن العلاقات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية العميقة بين البلدين، فإن العلاقات بينهما تمتد إلى علاقات عسكرية أكثر متانة، التصريح المذكور في أول التقرير أن إيران لن ترضى بسقوط الأسد تكرر على مدار الثلاث سنوات السابقة كثيرًا، على لسان أكثر من مسؤول هام في مطبخ السياسة الإيرانية.

حسب تقارير فإن ما دفعته إيران للنظام السوري خلال حربها مع الفصائل السورية الحالية على أرض سوريا قد تجاوز سبعة مليارات دولار، إضافة إلى حرس ثوري إيراني متواجد داخل سوريا وقادة إيرانيين يقودون معركة النظام على الأرض مثل الجنرال قاسم سليماني.

دخلت العلاقات بين البلدين منحنىً جديدًا باندلاع الثورة السورية وتطوراتها المسلحة فيما بعد

لا يبدو أن العلاقات بين البلدين ستتعرض لهشاشة في المستقبل لا القريب ولا البعيد، ببساطة لأن سقوط أحد النظامين يعني أنَّ سقوط الآخر مسألة وقت فقط، وهذا بالضبط ما لا يريده النظامان.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد