“لم يعد التاريخ نفسه” للشعب السوري، والذي فتح أراضيه منذ عقود طويلة أمام قوافل اللاجئين من دول مجاورة عربية منها أو غربية عاشت صنوفًا من التشرد والنزوح بفعل الصراعات الداخلية والخارجية.

لكن، اليوم يذوق السوريون من كأس التشرد واللجوء والنزوح نفسه، دون أدنى شعور بالمسؤولية والإنسانية من قبل بعض دول الجوار بعدما أغلقت حدودها أمامها، وأخرى شددت من سياساتها في استقبالها.

التقرير التالي، يرصد لمحة تاريخية لأبرز محطات اللجوء إلى سوريا.

أولًا: اليونان

قبل 72 عامًا، استقبلت سوريا، بالتحديد مدينة حلب السورية أكثر من 12 ألف لاجئ يوناني فروا من ويلات الحرب في بلادهم في القرن الماضي. تعود الحادثة إلى عام 1943 أثناء الحرب العالمية الثانية حين فر مهاجرون من دول أوروبا إلى الشرق العربي. تم غزو اليونان من قبل إيطاليا وألمانيا وكانت النتيجة هجرة جماعية لليونانيين نحو الشرق العربي حيث استقبلوا في عدة مدن عربية على رأسها مدينة حلب السورية.

ووفقًا لموقع هافينغتون بوست فإن هناك صورة توثق لهذه الحادثة معروضة للبيع على موقع أمازون بمبلغ 11 دولارًا.

ثانيًا: الكويت

خلال حرب الخليج واحتلال العراق للكويت عام 1990م، فر العديد من الكويتيين إلى الدول المجاورة، مثل المملكة العربية السعودية والبحرين، وبعضها كان ملجؤه الأراضي السورية.

ومع تصاعد حالات التشتت والنزوح داخل سوريا، أطلق ناشطون سياسيون وحقوقيون وإعلاميون كويتيون، حملة إعلامية يطالبون فيها باستضافة اللاجئين السوريين، وفتح أبواب اللجوء لهم، وعمل مخيمات.

ثانيًا: العراق

A Smiling Mother and Her Children Approach a Squad of US Marines During a Combat Patrol in Barwana, Iraq

مع دخول الحرب على العراق في عام 2003 من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، وما تبعها من حالات قتل ودمار وتشريد، نزحت العديد من الأسر العراقية إلى دول الجوار، وكانت سوريا إحدى المحطات.

رابعًّا: الأرمن

Bodies Of Armenians Massacred On February 28, 1919 In Aleppo, Syria, Laid Out In Front Of Armenian Relief Hospital. From L'illustration, 1919. (Photo by: Universal History Archive/UIG via Getty Images)

خلال الحرب العالمية الأولى في عام 1915 م وصل لمدينة حلب السورية النازحون الأرمن من مناطق مختلفة من كيليكيا شمالي حلب تمهيدًا لنقلهم من قبل رجال السلطنة العثمانية إلى دير الزور والجزيرة السورية .

وتوفي منهم الكثيرون جوعًا وبردًا ومرضًا أثناء مسيرهم على الأقدام الذي طال لعدة أشهر وهم حفاة عراة حتى وصلوا لمناطق دير الزور ومسكنة والشدادة، حيث كان أغلب النازحين من النساء والأطفال.

واستطاع بعض المهاجرين الأرمن البقاء في حلب مختبئين عن عيون السلطات العثمانية، وحضنهم الحلبيون ومدوا يد المساعدة لهم وتزوجوا نساءهم كزوجات على الوجه الشرعي واعتنوا بأولاد الأرمن واعتبروهم كأولادهم.

ولا توجد إحصائية كاملة حول عدد السكان الأرمن في هذه المدينة اليوم، ولكن وفقًا لتقديرات الطائفة قبل عام 2011 كان يعيش في حلب قرابة الـ 60.000 أرمني هم في أغلبهم أحفاد أولئك الذين قدموا إلى المدينة مطلع القرن الماضي.

خامسًا: الجماعات الشركسية

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، انتقلت الجماعات الشركسية الهاربة من الإبادة الجماعية في موطنها لتستقر في لواء “ماراش” التابع لولاية حلب في شمال سوريا، وأعطي الشراكسة هناك مهمة حفظ الأمن في منطقة زيتونة التي شهدت عدة ثورات ضد الدولة العثمانية.

تبع ذلك قدوم مجموعة تضم ألف شركسي بقيادة القائد الشركسي جولان وذلك في عام 1872 ووصلت هذه المجموعة إلى مدينة سامسون أولًا ثم انتقلت إلى أوزون يايلا في مدينة قيصري، ومن هناك انتقلت المجموعة لتستقر بالقرب من مدينتي حماة وحمص وعلى هضبة الجولان في منطقة حوران.

سادسًا: لبنان

محطات النزوح اللبناني إلى سوريا كانت خلال عام 1996م، أي مع عملية “عناقيد الغضب” والتي أطلقها جيش الدفاع لإسرائيل على هجوم عسكري خاطف (يسميه حزب الله بحرب أبريل أو نيسان) ضد لبنان في 1996 لمدة ستّة عشر يومًا في محاولة لإنْهاء قصف حزب الله لشمال إسرائيل.

وشنت إسرائيل أكثر من 1100 غارة جوية وقصف شامل حوالي 25132 قذيفةَ، واستهداف 639 هجمة صاروخية لحزب الله شمال إسرائيل، خصوصًا بلدة كريات شمونة وقد شاركت قوات حزب الله أيضًا في الاشتباكات العديدة مع القوات الإسرائيلية وقوات جيش لبنان الجنوبي.

الأمر الذي دفع العديد من العائلات اللبنانية إلى الهروب من نيران الحرب والتوجه نحو سوريا، والتي وفرت لهم سبل العيش الكريمة، وتأمين حياة آمنة لهم.

أما حالة النزوح الثانية فكانت خلال حرب تموز عام 2006م، حيث فرت أعداد كبيرة من اللبنانيين قدر عددهم بنصف مليون نازح لبناني من مناطق القتال فقد استقبلت مدينة صيدا أكثر من مائة ألف نازح لبناني وتوجه القسم الأكبر إلى سوريا.

وفي الوقت الحالي، لم يعد للسوريين الفارين من الحرب في بلادهم موطئ قدم في لبنان، فاللاجئون الموجودون في لبنان باتوا يشكلون عبئًا كبيرًا عليه لم يعد يستطيع الصمود أمامه لوقت طويل، كما يقول المسؤولون اللبنانيون.

العبء الذي أثقل كاهل البنية التحتية اللبنانية وأدى إلى خسائر اقتصادية كبيرة دفع الحكومة إلى اتخاذ هذا القرار، الذي أخذ الكثير من البحث والجدل حتى خرج به مجلس الوزراء بإجماع أعضائه الممثلين لمختلف القوى السياسية، المؤيدة للثورة السورية منها والمؤيدة للنظام، بوقف استقبال اللاجئين السوريين إلا في الحالات الإنسانية الطارئة.

سابعًّا: فلسطين

تعددت مراحل اللجوء الفلسطيني إلى سوريا، فكانت بدايتها بعد النكبة عام 1948م، حيث يشكلون اليوم جزءًا من نسيج المجتمع السوري، إذ يبلغ عددهم قرابة 581,000 نسمة، يحملون وثائق سفر خاصة للاجئين الفلسطينيين في سوريا، ويتمركزون في مخيم اليرموك في دمشق. بالإضافة إلى مخيمات ومناطق مجاورة.

ويتمتع أغلب اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، خصوصًا الذين لجأوا إبان حرب 1948، بأغلب الحقوق من تعليم وصحة وعمل وتنقل، إلا أنه لا يحق لهم المشاركة في الانتخابات (البلدية، المحافظة، البرلمانية والرئاسية) لأنهم لا يحملون الجنسية السورية.

ومع تصاعد الصراع في سوريا، وجد اللاجئون الفلسطينيون المقيمون هناك أنفسهم في قلب الأزمة السورية، ومعظمهم يعيش نكبة جديدة، حيث لجأ نحو 270 ألفًا منهم إلى ملاذات أكثر أمنًا داخل سوريا، وغادر أكثر من مائة ألف إلى الخارج، أما الباقون فهم تحت النار والحصار.

ودفعت الأحداث في سوريا أيضًا كثيرين من الفلسطينيين للجوء مجددًا خارج سوريا، فقد لجأ نحو 52 ألفًا إلى لبنان، وسط ظروف معيشية صعبة، أبرزها التعامل معهم كسائحين، بالإضافة إلى اتخاذ إجراءات تجعل عملية دخول القادمين من سوريا صعبة.

العديد من دول العالم، لا سيما في الحرب العالمية الأولى والثانية، كانت سوريا ملاذًا آمنًا لعشرات الآلاف منهم، لكن وبعد ما يقرب من 70 عامًا يعيش ملايين السوريين أسوأ أزماتهم فيما يحلمون بالوصول إلى أية دولة أوروبية وبخاصة اليونان التي ينتقلون إليها عبر تركيا لتكون بوابة عبورهم إلى دول مثل ألمانيا والنمسا والدول الاسكندنافية.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد