فيما كان أحد الجنود الأتراك يعتلي دبابة عسكرية تتجه نحو الحدود مع سوريا، وقف طفل يرتدي سُترة حمراء شتوية ينظر بذهول إلى قوافل التعزيزات العسكرية للجيش التركي التي كانت تمر بجوار أغنامه، وفيما انشغلت الأغنام بتناول حشائش الطريق كان الصغير يقاوم خوفه، فيقف بقوة متكئًا على عصاه الخشبية.

على الجانب الآخر للحدود، لم يكن حال هذا الطفل ببعيد عن حال أهالي عفرين السورية الذين بدؤوا يشدون الرحال في مجموعات صغيرة، فلا طاقة لهم بمواجهة المزيد من الآليات العسكرية بعد إعلان تركيا نيتها شن عملية عسكرية ضد الأكراد في هذه المنطقة الحدودية، وفيما كان الهم التركي هو مواجهة الأكراد وحدهم وجدت أنقرة نفسها في معركة جديدة مع واشنطن التي أعلنت عن تشكيل قوة حدودية مع الأكراد، فيما تكتمت على خبر تزويدها لهم بصواريخ مضادة للطائرات لاستخدمها في معركة عفرين.

 «عفرين» السورية في مرمى النيران التركية

«خلال فترة زمنية قصيرة سوف ندمر جميع أعشاش الإرهاب واحدًا تلو الآخر في سوريا بدءًا من منطقتي عفرين ومنبج» كان ذلك واحدًا من عدة تصريحات خرجت على لسان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان خلال الساعات القليلة الماضية، فأنقرة التي ترى الأكراد السوريين امتدادًا لحزب العمال الكردستاني التركي (PKK)، الذي تخوض معه معارك منذ أربعة عقود تصر على عدم السماح للجماعات الكردية السورية بالسيطرة على حدودها مع سوريا، ولذلك هي تستعد لمعركة عسكرية في بلدتي عفرين ومنبج السوريتين وعلى امتداد 60 ميلًا، حيث تلك أكثر الجيوب المتنازع عليها في المنطقة.

الحشود العسكرية التركية نحو عفرين (المصدر: ترك برس).

تريد تركيا حضورًا كرديًّا أصغر على الحدود الشمالية الغربية لسوريا، وهي تجتهد لمنع إقامة منطقة حكم ذاتي للأكراد على طول تلك الحدود، ولتحقيق ذلك شاركت بشكل مباشر في منتصف عام 2016 في الحرب السورية، عندما أرسلت قواتها لمحاربة «تنظيم الدولة»، وشنت بين أغسطس (آب) 2016 ومارس (آذار) 2017 عملية عسكرية برية هي «درع الفرات» لإبعاد مقاتلي التنظيم عن حدودها، وكذلك منع المقاتلين الأكراد من تحقيق تواصل جغرافي بين الأراضي التي يسيطرون عليها في شمال سوريا.

وفيما يواصل «أردوغان» وحكومته التأكيد على أن العملية العسكرية في عفرين، ستبدأ بين ليلة وضحاها، ومن دون سابق إنذار، يواصل الجيش التركي التحرك، إذ يقوم بإرسال تعزيزات عسكرية كبيرة نحو الحدود مع سوريا، تتمركز هذه القوات في أربع مناطق تطل على مدينة عفرين لتسهيل الانتشار على مشارف المدينة الجنوبية، وتسهيل استهداف مناطق تمركز فيها عناصر وحدات حماية الشعب الكردية (YPG)، وتقوم الخطة التركية على قيام الجيش التركي بعملية مزدوجة ومتزامنة، تتمثل في إنزال جوي للقوات الخاصة التركية، بالتزامن مع تحركات عسكرية برية.

قوات تركية قصفت بالفعل منطقة صغيرة يسيطر عليها الأكراد (المصدر: ترك برس).

على الجبهة الأخرى، هدد الأكراد السوريون تركيا وتوعدوها بـ«هزيمة كبيرة في هجومها على عفرين، ستكون هذه الهزيمة أكبر من تلك التي منيت بها في كوباني»، حسب ما جاء في بيان المؤتمر الوطني الكردستاني لـ«حزب الاتحاد الديمقراطي» (PYD) في سوريا، الذي دعا الأكراد إلى التأهب للنضال من أجل عفرين، وأضاف البيان: «أردوغان شرع في دق طبول الحرب، ويكشر عن أنياب القتال في كل تجمع يذهب إليه، والحكومة التركية استنفرت كل قدراتها العسكرية ونظمت كافة المجموعات المرتزقة وبقايا القاعدة وداعش من أجل احتلال عفرين».
ويعقب الباحث السياسي «نوّاف الركاد« بالقول إنه: «من مسلمات الحفاظ على الأمن القومي لأي دولة، تطهير الأخطار الحدودية لا سيما وإن كانت تمسّ الحالة الاجتماعية والسياسية في داخلها»، ويستدرك لـ«ساسة بوست»: «لكن خيارات تركيا محدودة جدًا وتكاد تنعدم باتجاه تبني الحل العسكري مع القوات الكردية، وفي هذه الحالة ليس أمام واشنطن سوى أن تقبل بالدخول التركي بمناورة ذكية هدفها الاستراتيجي إغراق تركيا في دوامة عنف جديدة قد تهز استقرارها الداخلي».

هل ستشهد الساحة صدامًا بين الجيش التركي ونظيره الأمريكي؟

«أولئك الذين يتظاهرون بالتحالف معنا ويحاولون في الوقت نفسه طعننا من الخلف، لن يستطيعوا عرقلة مكافحتنا للتنظيمات الإرهابية»، كان هذا جزءًا مما قاله الرئيس التركي، أردوغان ردًا على قرار واشنطن بتشكيل قوة عسكرية على الحدود السورية تقودها فصائل كردية، ويضيف في تهديد شديد اللهجة: «إما أن تنزعوا أعلامكم المرفوعة على هذه التنظيمات الإرهابية أو سنضطر لتسليم هذه الأعلام إليكم.. ستستمر عملياتنا حتى لا يبقى إرهابي واحد على حدودنا».

وقد أعلنت واشنطن خلال الأيام القليلة الماضية عن تشكيل قوة حدودية من وحدات حماية الشعب (YPG) وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تسيطر على 30% من الأراضي السورية، وبدأت تدريبات المقاتلين الجدد في مناطق سيطرة قسد، وستنتشر القوة على طول الحدود السورية التركية في الجزء الواقع تحت سيطرة القوات الكردية والحدود العراقية باتجاه الجنوب الشرقي، تقول السياسية الكردية السورية، فوزة يوسف إن: «المناطق التي يديرها الأكراد في سوريا تتطلع إلى تشكيل واشنطن للقوة الجديدة من أجل حماية نفسها في مواجهة التهديدات المتنامية من تركيا ومن دمشق»، وتضيف العضو البارز في مناطق الإدارة الذاتية الكردية لـ«رويترز» أن: «هناك تهديدات من الدولة التركية. أيضًا النظام قام أكثر من مرة بالتصريح بالهجوم، ومن أجل أن نتجنب أي هجوم.. يجب أن يكون هناك قوة رادعة تقوم بحراسة الحدود التي تفصل بين مناطقنا والمناطق الأخرى».

وقد اعتبرت تركيا تلك الخطوة بمثابة لعب بالنار ونسف لكل خطوات التحالف والشراكة الاستراتيجية بينها وبين واشنطن، وكذلك استمرار لخداعها من قبل واشنطن، بالتذرع بمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وهو موقف مشابه للموقف الروسي والإيراني الذي أكد أن تلك الخطوة تؤجج نار الحرب في المنطقة، وتهدف لحماية الوجود الأمريكي العسكري والسياسي بسوريا، في مواجهة روسيا وإيران وتركيا، وتحت وطأة التهديد التركي أعلن التحالف الدولي لمكافحة تنظيم الدولة أن مدينة عفرين السورية الخاضعة لسيطرة تنظيم حزب الاتحاد الديمقراطي ليست ضمن نطاق عملياته، ثم خرج وزير الخارجية الأمريكي «ريكس تيلرسون» خلال الساعات القليلة الماضية ليقول إن الولايات المتحدة ليس لديها أي نية لإنشاء قوة تنتشر على الحدود بين سوريا وتركيا، وأن «المسألة التي أغضبت أنقرة لم تطرح بالطريقة الملائمة».

قوات أمريكية يرافقها مقاتلون أكراد في سوريا قرب الحدود (المصدر: فرانس برس).

تحدثنا للباحث المهتمّ بدراسة الأقلّيّة الكرديّة وحراكها السياسيّ «مهند الكاطع» الذي بدأ بالقول إن العلاقة التركية الأمريكية تتجه إلى مزيد من التصعيد، فتركيا مصممة للذهاب حتى للاشتباك مع الأمريكان في سوريا إذا تعلق الأمر بمسألة أمن حدودهم، أو تشكيل أي كيان كردي على حدودهم، لأن هذا يعني بالنتيجة تقسيم تركيا.

ويتابع القول لـ«ساسة بوست»: «المسألة للأتراك لا تحتمل المزيد من الخيارات في هذا الخصوص، فوزير الخارجية التركي أعلن لنظيره الأمريكي خطورة ما تقوم به أمريكا على العلاقات بين البلدين، ومحددًا عقبات هذه العلاقة المتمثلة بملف أكراد العمال الكردستاني المدعومين في سوريا من قبل أمريكا، وملف غولن»، ولذلك تتجه أمريكا لتبديد مخاوف الأتراك، عبر الحديث عن أهمية تركيا ودورها، وعبر تصريح المتحدث الأمريكي باسم التحالف الدولي ضد «تنظيم الدولة» أن عفرين هي خارج نطاق عمليات الجيش الأمريكي، ويضيف «الكاطع»: «بالتالي ومع زيادة الحشود التركية على حدود عفرين، يبدو أن تركيا في صدد عمل عسكري حقيقي في تركيا، أو أنه ستكون هناك تفاهمات أخرى مع الأمريكان ليس أقل من تراجع الأمريكان عن خطة نشر قوات على الحدود مع تركيا».

خيارات تركيا في ظل الصمت الروسي

تعد مرحلة انتقال الأوضاع في سوريا من الجانب السياسي باتجاه العسكري هي الأخطر بالنسبة إلى تركيا، فمع التحركات في عفرين والتهديدات المستمرة لواشنطن، تأمل أنقرة بموقف روسي داعم لها، ويظهر ذلك في الزيارة المفاجئة وغير المعلنة خلال الساعات القليلة الماضية، لرئيس الأركان ورئيس المخابرات التركييْن لروسيا.

الرئيسان التركي والروسي.

ولذلك يعتقد أستاذ العلاقات الدولية، خالد العزي أن مشكلة أنقرة أنها وقعت على اتفاقات كانت خائبة لها ولسياستها التي انتهجتها في الملف السوري والدخول من باب المصلحة والتي أدت لتغيير مواقف أنقرة ومكانها أكثر من مرة، لتجد نفسها في تحالفات غير جدية من وجهة نظره، خفضت دورها في أن تكون لاعبًا أساسيًا في سوريا حتى أصبحت تطالب بالمحافظة على شريطها الحدودي مع سوريا.

 ويدلل «العزي» على ذلك بما حدث في إدلب، حيث حوصرت تركيا وسط صمت روسي، وأدى عدم مصداقية روسيا لوضع تركيا في مواجهة مباشرة مع الأكراد التي تحاول واشنطن اليوم استخدامهم في مواجهتها لتركيا وتقليم أظفارها، ويوضح أستاذ العلاقات الدولية أن: «تركيا التي سكتت على ضرب إدلب ومحاصرتها من قلب روسيا والنظام وإيران وظنت أن بإمكانها تبادل هذا الموقف بموقف روسي في منطقة عفرين، وهو ما يوضح أن مشكلة تركيا باتت واضحة ضد الأكراد وليس إيران وميلشياتها ونظام الأسد التي ذهبت لمباحثات فاشلة معه في الأستانة على حساب السوريين» بحسبه.

ويشير «العزي» خلال حديثه لـ«ساسة بوست» إلى تبلور موقف واضح من واشنطن بدعم الأكراد والاعتراف بمنطقتهم شبه مستقلة في ظل صمت روسي، لذلك فالحلول القادمة ستكون على حساب تراجع الدور الإقليمي التركي في المنطقة بموافقة روسية أمريكية، وبذلك قد تكون خيارات تركيا هي الدخول في حاضنة روسية إيرانية تعيد ترتيب علاقتها مع الأسد أو الدخول في مغامرة فاشلة ضد عفرين تضع الأكراد في حماية أمريكية فعلية بوجه هذا المحور الجديد الذي يحافظ على مصالح الولايات المتحدة كشوكة بوجه تركيا وإيران في النهاية، حسب «العزي».

قوات روسية.

ومن وجهة النظر التركية تنحصر خيارات تركيا الآن في ثلاثة؛ أولها الإصرار على تطهير ممر حماية الشعب الكردية (YPG)، في مناطق سيطرته وعلى رأسها عفرين ومنبج، أو التسبب بحالة من الفوضى في مناطق سيطرة (YPG)، كاستنفار العشائر وقوى الجيش السوري الحر، والخيار الثالث هو السماح بوجود (YPG) دون الوصول إلى مرحلة الاعتداء على تركيا ودون تقبّل شرعيتها.

مستقبل العلاقة التركية الأمريكية

نالت العلاقات التركية الأمريكية الكثير من التوتر بين البلدين الشريكين في حلف شمال الأطلسي، وهو تدهور نابع من تباين مصالح البلدين حول السياسة في الشرق الأوسط، ومنها الشراكة الأمريكية مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تعد الأكثر إزعاجًا لتركيا، إذ ارتفعت حدة التوتر بين البلدين مع القرار الأخير بتشكيل قوة حدودية.

مقاتلات أكراد (المصدر: أ ب ف).

كذلك، واحدة من أهم قضايا الخلاف تتمثل في الدور الأمريكي في قضية المعارض التركي، فتح الله كولن، الذي تتهمه أنقرة بتدبير محاولة الانقلاب في يوليو (تموز) 2016، وفي التفاصيل يتضح أن وزارة العدل التركية أرسلت إلى الولايات المتحدة سبع مذكرات تطالب بتسليم كولن آخرها في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، بما يتناسق مع اتفاقية تبادل المجرمين المبرمة بين البلدين والمعمول بها منذ 1980، ولم تتجاوب الولايات المتحدة مع الطلبات التركية التي تثبت تورط كولن في الانقلاب، بل تتهم تركيا أجهزة الاستخبارات الأمريكية باستخدام أعضاء جماعة كولن في دول أخرى، وهي أزمة أفرزت مجموعة من الأزمات مثل أزمة التأشيرات التي وقعت في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، إذ أعلنت واشنطن في البداية تعليق إصدار التأشيرات اعتراضًا على قرار قضائي تركي بحبس موظف في القنصلية الأمريكية بتهمة التخابر مع «تنظيم كولن»، وردًّا عليها، قامت السفارة التركية في واشنطن بإعلان مطابق له حرفيًّا.

عربات مدرعة تابعة للجيش التركي على خط الحدود في منطقة ريحانلي الحدودية التركية بالقرب من إدلب.

ومع استمرار واشنطن في دعم الأكراد، والذي كانت آخر حلقاته تقديم دعم موازٍ لخوض تركيا معركة ضدهم في عفرين تسير العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة وتركيا نحو التدهور أكثر، فقد خرجت معلومات تفيد بوصول شحنة صواريخ مضادة للطائرات من واشنطن إلى الميلشيات الكردية في عفرين، حيث وافقت الولايات المتحدة الأمريكية سرًا على تزويد (YPG) بصواريخ مضادة للطائرات محمولة على الكتف واشترطت استخدامها في حال تعرضت مدينة عفرين للهجوم، وذلك خارج إطار التعاون بين التحالف الدولي ضد «تنظيم الدولة»، وبذلك تزيد القناعة التركية بأن دعم واشنطن لوحدات حماية الشعب (YPG) هو خيار استراتيجي قائم على رغبة أمريكية في التواجد الدائم في سوريا، واستمرار تأثيرها بشكل قوي في المعادلة عبر حماية قواعدها العسكرية هناك، وكذلك رغبة في كبح جماح تركيا من خلال حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي.

في المحصلة يبدو أن العلاقة التركية الأمريكية المركبة والمعقدة لا يمكن تفكيكها بسهولة، فالعملية التركية في عفرين والقائمة على اتفاق بين أنقرة وواشنطن ستكون محطة اختبار قوية لهذه العلاقة.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!