أحمد طلب

19

أحمد طلب

19

1,536

كانت الأسواق العالمية في موعد فجر أمس الجمعة، مع أحداث لم تحتج الكثير من الوقت حتى تتفاعل معها، فبعد تنفيذ الولايات المتحدة الأمريكية هجومًا صاروخيًا في سوريا، جاء رد فعل أسواق المال طبيعيًا إلى حدٍ ما مع مثل هذه الأحداث، إذ انخفضت الأسهم وارتفع النفط، وتكبدت عملتا أمريكا وروسيا النصيب الأكبر من الهبوط، إلا أن الأمر تغير بختام التعاملات.

وقبل الحديث عن الآثار، يجب أن نوضح في البداية أن أسواق المال تعتمد في الأصل على التحليل الأساسي للأخبار والبيانات الاقتصادية العالمية والمحلية والأوضاع السياسية، وهي التي تؤثر بدورها على حركة السوق، إذ تترك التوترات والأحداث ذات الصبغة الدولية أثرًا واضحًا وسريعًا في الاقتصاد العالمي، خاصة تلك الأخبار التي تتعلق بالاقتصادات الكبرى كاليابان والولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية والتي بدورها تؤثر على الاقتصاد العالمي ككل.

وغالبًا ما تحدد الأحداث والأوضاع السياسية والأمنية مستقبل الاقتصاد، بل هي أقوى المحركات الاقتصادية التي قد تحدث ارتفاعات أو انخفاضات مفاجئة وكبيرة لأسواق المال والسلع بشكل خاص، وذلك في حال كانت لهذه الأحداث تبعات وآثار في المستقبل، وسنحاول في هذا التقرير توضيح كيف تأثر الاقتصاد بالضربة الأمريكية في سوريا.

العملات

يتحرك سوق العملات بشكل سريع ومفاجئ نتيجة خبر سياسي أو خبر محتمل، كما أن الأحداث رغم أنها تلحق خسائر فادحة بالبعض، إلا أنها فرصة يمكن استغلالها والاستفادة منها لتحقيق المكاسب للبعض الآخر:

الدولار

كانت العملة الأمريكية أول المتأثرين بأحدث أمس إذ تراجعت بقوة في مستهل التعاملات، حيث انخفض الدولار 0.4% أمام العملة اليابانية إلى 110.36 ين بعد صدور البيانات بينما ارتفع اليورو أمام العملة الأمريكية، إلا أنه وبنهاية تداولات الجمعة، ارتفع الدولار إلى أعلى مستوى في ثلاثة أسابيع.

التغير في اتجاه سعر العملة الخضراء، جاء بعد أن قال مسؤول بارز في مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي) إن خطة المجلس لتقليص محفظة السندات هذا العام لن تؤخر كثيرًا دورة رفع أسعار الفائدة، وهو الأمر الذي دفع مؤشر الدولار إلى أعلى مستوى في ثلاثة أسابيع عند 101.26 وسجلت أحدث قراءة له ارتفاعا نسبته 0.5% إلى 101.16 .

ولامس الدولار أعلى مستوى أمام العملة اليابانية خلال جلسة أمس، وسجلت أحدث قراءة ارتفاعًا نسبته 0.3% إلى 111.16 ين، فيما سجل الدولار أعلى مستوى في أربعة أسابيع أمام اليورو الذي هبط 0.5% إلى 1.0587 دولار، وهذا التغير في اتجاه الدولار يكشف أن المتعاملين قد استوعبوا الأحداث سريعًا، وجاء التركيز على أحداث تأثيرها أكبر على الدولار وهي تقرير الوظائف وأسعار الفائدة.

الروبل

العملة الروسية كانت في طليعة المتأثرين من الهجوم الصاروخي الأمريكي على سوريا كذلك، إذ فقد نحو 1%، وذلك عقب تعليقات لوزير الاقتصاد الروسي، قال إن العملة قد تهبط كثيرًا في وقت لاحق هذا العام، وذلك بجانب تصاعد التوترات الجيوسياسية، التي تعد روسيا طرفًا أصيلاً بها.

ويأتي تضرر الروبل كغيره من عملات الأسواق الناشئة التي تفاعلت مع الضربات الأمريكية الصاروخية على قاعدة جوية سورية، إذ نزل الروبل نحو 0.9% إلى 56.93 روبل للدولار وخسر 1% أمام العملة الأوروبية الموحدة إلى 60.6 روبل لليورو، في حين سجلت عائدات السندات الروسية لأجل عشر سنوات ارتفاعًا بمقدار عشرة نقاط أساس إلى 7.95%، كما أن العملة الروسية تجاهلت أسعار النفط وهو أحد المؤثرات الرئيسية على اتجاه الروبل.

الليرة

وكغيرها من الأسواق الناشئة كان للعملة التركية نصيب من الهبوط، إذ تراجعت الليرة نحو 1% أمام الدولار أمس الجمعة، حيث بلغت العملة التركية 3.7375 ليرة للدولار بعدما لامست مستوى 3.7500 ليرة في التعاملات المبكرة أمس.

الذهب

عاش حائزو الذهب أمس يومًا سعيدًا، إذ دعمت الأحدث صعود المعدن الأصفر التي كان يتوقع الكثيرين أن يشهد موجة هبوط كبيرة في الفترة الحالية، إلا أنه استفاد كثيرًا وكان أكثر الرابحين من أحداث أمس، وارتفع إلى أعلى مستوى له في خمسة أشهر، وسط إقبال المستثمرين على شراء المعدن النفيس بحثًا عن ملاذ آمن.

وفي مستهل جلسة أمس، ارتفع الذهب إلى أعلى مستوى منذ العاشر من نوفمبر (تشرين الثاني) عند 1269.28 دولار، فيما ارتفع الذهب في العقود الأمريكية الآجلة 1% إلى 1267 دولارًا للأوقية.

وغالبًا ما يصعد الذهب في مثل هذه الأحداث، إذ عادة ما يستخدم باعتباره أداة تحوط في مواجهة الضبابية السياسية والمالية والمخاطر الأمنية، فيما يرى وليم ميدلكوب، مؤسس صندوق كومودتي ديسكفري أن «هناك خطرًا بأن يؤدي الصراع السوري إلى مواجهة أوسع، وبالتالي يمكن أن يكون لها تداعيات أكثر خطورة بوجه عام، وهذا ما يفسر السبب وراء تحرك الذهب بسرعة كبيرة بعد إعلان الخبر».

الأسهم

أمريكا

تؤثر حركة الأسهم الأمريكية في أسواق المال العالمية سلبًا وإيجابًا، وبما أن أمريكا طرفًا أصيلًا في أحداث أمس، وهو ما دفع مؤشرات وول ستريت الثلاثة لتغلق متراجعة أمس، إذ انخفض المؤشر داو جونز الصناعي بواقع 7.06 نقطة أو ما يعادل 0.03% إلى 20655.89 نقطة، بينما تراجع المؤشر ستاندرد آند بورز 500 بمقدار 1.93 نقطة أو 0.08% إلى 2355.56 نقطة، ونزل المؤشر ناسداك المجمع 1.14 نقطة أو 0.02% إلى 5877.81 نقطة.

هذا الهبوط جاء مخالفًا للارتفاع الذي استهلت البورصة الأمريكية به تداولاتها، وقد تلقت دعمًا من انتعاش أسهم شركات صناعة الأسلحة في أعقاب الضربة الأمريكية لأهداف في سوريا، وارتفع سهم شركة «رايثيون» المصنعة لصواريخ «توما هوك» بنسبة 1.6% إلى 153.2 دولار، كما ارتفع سهم شركة «لوكهيد مارتن» بنسبة 1.5% إلى 271.1 دولار.

أوروبا

على مستوى الأسهم الأوروبية، استهلت التعاملات أمس، متراجعة كغيرها من البورصات، إلا أنها تعافت من التراجع الذي سجلته مدفوعة بقطاع النفط، إذ أغلق المؤشر ستوكس 600 الأوروبي مرتفعًا 0.1% مدعومًا أيضا بأسهم شركات التعدين المتخصصة في إنتاج المعادن النفيسة والتي استفادت من ارتفاع أسعار الذهب.

وعلى الجانب الآخر زاد المؤشر الأوروبي الخاص بالنفط نحو 5% خلال الأسبوعين الأخيرين محققًا أفضل مكاسب لأسبوعين منذ منتصف ديسمبر (كانون الأول)، فيما أغلق المؤشر فايننشال تايمز 100 البريطاني مرتفعًا 0.63% والمؤشر كاك 40 الفرنسي 0.27% في حين نزل المؤشر داكس الألماني 0.05%.

اليابان

جاءت الأنباء عن شن الولايات المتحدة ضربات صاروخية، في وقت متأخر من جلست الأسهم اليابانية، وهو الأمر الذي جعل المؤشر نيكي القياسي يسجل مكاسب محدودة في تعاملات متقلبة قلصت شهية المستثمرين للمخاطرة، إذ زاد مؤشر نيكي القياسي 0.4% ليغلق عند 18664.63 نقطة بعدما تذبذب بين الصعود والهبوط.

ويأتي ذلك بعد أن سجل المؤشر صعودًا بواقع 1% في التداولات المبكرة مدعومًا بتراجع الين في البداية ومكاسب وول ستريت مساء الخميس، لكن الأسهم غيرت مسارها، فيما ارتفع مؤشر توبكس الأوسع نطاقًا 0.7% إلى 1489.77 نقطة، وزاد مؤشر جيه.بي.إكس-نيكي 400 بنسبة 0.7% أيضا لينهي يوم الجمعة عند 13348.44 نقطة.

النفط

حصلت أسعار النفط أمس، على نصيب الأسد من المكاسب، وكان من الممكن أن تكون المكاسب أكبر إلا أن هناك بعض العوامل ساهمت في الحد من الارتفاع، وصعدت أسعار النفط صوب أعلى مستوى في شهر ولتنهي الأسبوع على ارتفاع نسبته 3%، وذلك في ظل الضبابية الجيوسياسية في الشرق الأوسط، ومخاوف من احتمال امتداد الصراع في المنطقة الغنية بالنفط.

وارتفع خام مزيج برنت القياس العالمي في العقود الآجلة 35 سنتًا إلى 55.24 دولارًا للبرميل، متراجعًا عن أعلى مستوى خلال الجلسة عند 56.08 دولار للبرميل، وهو أعلى مستوى أيضًا منذ السابع من مارس (آذار)، إذ ارتفع الخام 4.4% على أساس أسبوعي.

وجاء في مقدمة العوامل التي حدت ارتفاع الذهب الأسود، تقرير شركة «بيكر هيوز» لخدمات الطاقة، الذي أظهر أن الشركات الأمريكية أضافت منصات حفر نفطية للأسبوع الثاني عشر على التوالي للاستفادة من تعافي أسعار الخام، إذ زادت الشركات عدد الحفارات العاملة بواقع عشرة منصات ليصل العدد الإجمالي إلى 672 حفارة وهو الأكبر منذ أغسطس (آب) 2015.

بالإضافة إلى أن وزير الطاقة الروسي «ألكسندر نوفاك» قال «إن التطورات الأخيرة التي تشهدها الساحة السورية قد يكون لها تأثيرات على سوق النفط خلال الفترة المقبلة»، مشيرًا إلى إن الوضع الحالي للسوق النفطي وكيفية تأثره بالتطورات الأخرى بحاجة إلى مزيد من الدراسة.

الأسواق والوظائف الأمريكية

بالرغم من أن الاهتمام العالمي أمس كان متركزًا صوب ما يحدث في سوريا، إلا أن تقرير الوظائف الأمريكي خطف الأضواء وربما كانت تأثيره في الأسواق أكبر، إذ وظف أرباب العمل الأمريكيون عددًا أقل من العمال في عشرة أشهر في مارس (آذار)، إذ قالت وزارة العمل الأمريكية، الجمعة، إن عدد الوظائف في القطاعات غير الزراعية بالولايات المتحدة زاد 98 ألف وظيفة الشهر الماضي، وهي أقل زيادة منذ مايو (أيار) الماضي، لكن انخفاض معدل البطالة إلى أدنى مستوياته في عشر سنوات عند 4.5% يشير إلى استمرار تحسن سوق العمل.

ونجح التقرير الأمريكي في جذب اهتمام الأسواق بعيدًا عن التوترات العالمية، وهو ما يوضح مدى استيعاب المستثمرين للأحداث.

على الجانب الآخر، وفي تأثير مباشر للضربة الأمريكية أمس ضد سوريا، توقع محللون ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة عقب صعود أسعار النفط، واعتبارًا من صباح الجمعة، صعد متوسط سعر جالون البنزين في الولايات المتحدة إلى 2.39 دولار، أو بزيادة قدرها سنت مقارنة مع مستواه الخميس.

ووفقا لمحللون لـ«GasBuddy» – موقع متخصص في متابعة أسعار البنزين – إلى أن أسعار البنزين في الولايات المتحدة قد ارتفعت بالفعل خلال هذا الشهر، حيث صعد متوسط سعر الجالون بنحو 4.2 سنت إلى 2.33 دولار في الأسبوع المنتهي في الثالث من أبريل (نيسان)، وهو الأمر الذي يعني زيادة أسعار التضخم، وربما وصوله إلى النسبة التي يحتاجها الفيدرالي لمزيد من رفع الفائدة.

هل تغيرت سياسة ترامب الاقتصادية؟

تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كثيرًا في حملته الانتخابية عن الانعزالية وعن أمريكا أولًا، ودائمًا ما كان يضع الاقتصاد في المرتبة الأولى في خطاباته، إلا ضربة أمس، ربما تكون تحولًا كبير في منطق ترامب، وذلك لأن هذا التحرك لا يعد اقتصاديًا بالمرة.

وتكلفت الخزانة الأمريكية في غضون دقائق، أمس، نحو 93.81 مليون دولار، وذلك بعد أن أطلقت مدمرتا (يو إس إس بورتر) و(يو إس إس روس)، المتمركزتين شرقي البحر الأبيض المتوسط، 59 صاروخًا عابرًا من طراز (توماهوك)، ضد سوريا، ووفقًا لحسابات الموازنة السنوية لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، فإن تكلفة الصاروخ الواحد من توماهوك، تبلغ 1.59 مليون دولار.

ولكن هذا الحدث غير كافٍ للحكم على ما إذا كانت سياسة ترامب الانعزالية قد تغيرت أم لا، وهذا ما ستكشفه الأيام القادمة.

التداعيات أخطر من الحدث

دائمًا ما تكون الصدمة في بدايتها قوية، ولكن في الغالب عدم القدرة على استيعاب الصدمة تكون تداعياته أقوى، هكذا تقول التجارب السابقة، فيما يرى مدحت نافع، الخبير الاقتصادي، أن المخاطر المترتبة على تلك الضربات سياسية وجيوسياسية، ومن المتوقع أن ينتج عنها تبعات اقتصادية، وهذا يتوقف على الطبيعة التي ستتلقى بها الأطراف الفاعلة في سوريا للضربة الأمريكية.

ويقول نافع إنه إذا استوعبت الدول الفاعلة في المنطقة هذه الأحداث بشكل هادئ، فلن تكون لها تبعات مهمة لأن المنطقة مشتعلة بالفعل، أما إذا تطورت الأمور إلى نذر حرب فسيكون لذلك تداعيات خطيرة ومدمرة على كل أسواق الاقتصاد العالمي.

وفي سياق التداعيات المنتظرة أيضًا، فقد كشف وزير الخزانة الأمريكي ستيف منوتشين، أمس الجمعة، بحسب «رويترز» عن عزم بلاده إعلان عقوبات اقتصادية إضافية على سوريا في المستقبل القريب، وذلك في إطار الرد الأمريكي على هجوم بغاز سام نفذته حكومة الأسد.

منوتشين قال: «العقوبات مهمة للغاية وسنستخدمها لتحقيق أقصى تأثير، سنعمل على منع الناس من الدخول في تعاملات تجارية معهم».

ختامًا يبدو من سرد المعطيات السابقة أن الأسواق العالمية استطاعت استيعاب صدمة الأحداث سريعًا، ولكن هذا الاستيعاب يظل مؤقتًا في انتظار التبعات، فزيادة التوترات ستذهب بالنفط والذهب إلى مستويات أعلى، وربما لن تصمد أسواق المال أمامها، لذلك لا نمتلك إلا أن نترقب ما سيحدث خلال الأيام القادمة.

تعليقات الفيسبوك