منذ تأسيس الجيش العربي السوري رسميًا في الأول من أغسطس (آب) عام 1946، تجاوز دوره ساحة الحرب ليضطلع بدورٍ رائدٍ في عالم السياسة؛ وكانت النتيجة أن اجتاحته الانقسامات السياسية والأيديولوجية العميقة، التي تُوِّجَت بسلسلةٍ من الانقلابات العسكرية، أوصل آخرُها وزيرَ الدفاع وقائد القوات الجوية آنذاك حافظ الأسد إلى السلطة في العام 1970. ورغم التقلبات، استطاع آل الأسد الاحتفاظ بالسلطة حتى اليوم، إلا أن «عقودًا من الفساد جرّدت الجيش العربي السوري من احترافه القتالي والعملياتي، وبالتالي لم يكن مُهيّأً قتاليًا عندما اندلعت أزمة ربيع 2011»، على حد قول خضر خضّور، الباحث غير المقيم في «مركز كارنيجي للشرق الأوسط» في بيروت.  

وعلى وقع «الانتصارات» التي أحرزها نظام بشّار الأسد في «الحرب الأهلية الوحشية والمُنهِكة»، قد تضطلع سوريا بدور أكبر باعتبارها جهة فاعلة إقليمية، غير أنّ دانيال بيمان، الزميل البارز في مركز سياسات الشرق الأوسط، يستبعد أن تعود سوريا إلى ممارسة دور «اللاعب البارز الذي كانت عليه منذ عقود، عقب حرب 1967 وصولاً إلى انهيار البلاد بدخولها في حرب أهلية في العام 2011».

وحتّى لو طرحنا افتراضات مبالغًا فيها، يرى بيمان أن سوريا ستبقى ضعيفة على المديَين القريب والمتوسط، وربّما لمدّة عقد أو أكثر. ونظرة على «قوّاتها العسكرية المنهكة بفعل الحرب الأهلية، والمُشرذمة بسبب الانقسامات الإثنية والجماعية»؛ تنبئكَ بأنها «باتت عاجزة عن تأدية الدور الإقليمي الذي كانت تؤدّيه من قبل»، وبالتالي «سيبقى الاستقرارُ المحلّي هو الهاجس العسكري المهيمن» لفترة ليست قصيرة.

 حرب 1973.. ماذا حدث على الجبهة السورية؟

«تصوَّر جبهةً جبليّةً عرضها 70 كيلو مترًا، وعمقها أقل من ذلك بكثير، يحتشد فيها 2500 دبابة، وألوف المدافع، وعشرات الألوف من الجنود المجهزين بأحدث الأسلحة وأشدها فتكًا؛ ابتداءً بالبندقية والرشاش، ومرورًا بالقنابل المحرقة والمدمرة، وباصقات اللهب، بالإضافة إلى مئات الطائرات القاذفة والمقاتلة وطائرات الهيلوكبتر، التي كان لها الدور البارز في المعركة. تصوَّر قتالاً شرسًا يدور في هذه الجبهة الضيّقة، ويستمرُّ نهارًا وليلًا طوال أيام، وقد التحم فيه البشر كما التحمت الدروع، وسط بركانٍ يتفجّر بكل أنواع الحمم، وتتساقط عليه حمم الطائرات.

وهي أيضًا من كل نوع، فلا يبقى شبر من الأرض بلا نار وحطام وضحايا، ولا فُسحة من الفضاء لا تغطيها طائرة مُغِيرة أو مجموعة قنابل في طريقها إلى الانفجار. ثم ينكشف ذلك كله عن أرضٍ غُطِّيت كلها بالحديد والدم. هذه هي معركة الجولان؛ التي خاضها جيش سوريا، وسجل فيها أروع ما في تاريخ الحروب، قديمها وحديثها، من بطولاتٍ وتضحيات. لا نتعدى الواقع إذا قلنا: إنها أشبه بالأساطير». 

هذه هي الصورة التي رسمها الرئيس السوري حافظ الأسد لاقتحام الجولان، وهي تتوافق جزئيًا مع اعتراف وزير المالية الإسرائيلي، بنحاس سابير، بأنه «لم تتبق سوى خطوة واحدة، ثم تُباد إسرائيل تمامًا»، ويعززها المدى الذي وصل إليه الاختراق السوري في منتصف ليل الأحد السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، حسبما تظهره الخريطة التالية:

(أقصى مدى للاختراق السوري، منتصف ليل الأحد 7 أكتوبر- المصدر: موسوعة «مقاتل من الصحراء»)

في الساعة الثانية فجرًا، وصل موشي ديان، وزير الدفاع الإسرائيلي، إلى مركز قيادة سلاح الجو الإسرائيلي، وأبلغ القائد بانى بليد بأنه «يجب التغاضي عن الجبهة المصرية؛ لأن الموقف على الجبهة مع سوريا رهيب، وليس هناك ما يوقفهم»، وطلب منه تركيز جهود سلاح الجو على الجبهة السوريا. 

كانت الخطة السورية تقضي بالسيطرة على كل مرتفعات الجولان، في غضون 30 ساعة، بنهاية يوم 7 أكتوبر، ثم إعادة تنظيم الدفاع على طول نهر الأردن، استعدادًا لصد الهجمات الإسرائيلية المضادة. وكانت تلك الخطة قد بُنِيت على تقدير القيادة السورية بأن إسرائيل ستحتاج إلى ضعف هذا الوقت لكي تعبئ احتياطاتها. 

صحيحٌ أن الجيش السوري استطاع اجتياح هضبة الجولان، والاقتراب من بحيرة طبريا، لكن بعد أربعة أيام من القتال المُضني، وبحلول يوم الأربعاء 10 أكتوبر، انقلبت الأوضاع على جبهة الجولان، أمام الهجمات المضادة الإسرائيلية العنيفة، التي  أسفرت عن تدمير مئات الدبابات والمركبات المدرعة، ما اضطر القوات السوريا إلى التراجع، كما يظهر في الخريطة التالية:

(تطور القتال على الجبهة السوريا يوم الأربعاء 10 أكتوبر – المصدر: موسوعة «مقاتل من الصحراء»)

في اليومين التاليين 11 و12 أكتوبر بدأت إسرائيل اختراق الجبهة السورية، ورغم الهجوم المضاد الذي شنته القوات السورية بالدبابات، والمصيدة التي نصبتها قوات المشاة للدبابات الإسرائيلية، وأيضًا تدخُّل القوات العراقية، استطاعت قوات إسرائيل الاقتراب كثيرًا من دمشق تحت غطاءٍ جوي كثيف، لولا أن قررت القيادة الإسرائيلية يوم 13 عدم مهاجمة العاصمة؛ نظرًا للنتائج المشكوك فيها، وتجنُّبًا للتداعيات العربية والعالمية. 

(الهجوم السوري: 6-10 أكتوبر، الخط المتقطع الأسود يشير إلى خط وقف إطلاق النار منذ حرب 1967، والأسهم الزرقاء تشير إلى محاور الهجوم الإسرائيلي، والأسهم الحمراء ترمز إلى محاور الهجوم السوري. المصدر: هيستوري نت)

الجيش العربي السوري.. أمجاد أبطال الماضي التي محتها السياسة

بينما يعترف الجيش السوري بخسائره في تلك الحرب، قائلًا: «ربما نكون في حرب تشرين التحريرية قد خسرنا أرضًا هنا، وربحنا أرضًا هناك» فإنه لا يستغرق كثيرًا في مناقشة التفاصيل العملياتيَّة، وإنما يركز على ما يعتبره القضية الأساسية في حرب تشرين التحريرية.

تلك القضية الأساسية في نظره هي: «أن زمام المبادرة قد انتزع من يد العدو الإسرائيلي ولأول مرة، في تاريخ العرب الحديث. فالقرار التاريخي الذي جسده الرئيسان حافظ الأسد وأنور السادات في يوم العاشر من رمضان يعتبر القرار الأكبر والأخطر شأنًا لا في تاريخ العرب المعاصر فحسب، وإنما في تاريخ العالم المعاصر أيضًا». 

ويضيف الموقع الرسمي لوزارة الدفاع السورية: إن «الأمة العربية التي ما فتئت تتلقى الضربات منذ مطلع القرن العشرين، وعلى وجه التحديد منذ وعد بلفور في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) 1917، وحتى أوائل السبعينيات، تنهض اليوم على قدميها، قدم في مرتفعات الجولان وقدم في شبه جزيرة سيناء، لتوجه لأعدائها الصهاينة ضربتين متزامنتين، واحدة على الخد الأيمن والثانية على الخد الأيسر وتنبه الرأي العام العالمي إلى أن العرب هم أصحاب «البيت» الحقيقيون كما قال السيد جوبير وزير الخارجية الفرنسية: «هل تكون محاولة الإنسان أن يعود إلى بيته اعتداءً غير متوقع». 

وتشدد وزارة الدفاع السورية على أنه «مهما تكن حصيلة هذه الحرب العربية-الإسرائيلية من حيث الربح والخسارة الجغرافيتين، فالقضية ليست كما تريد إسرائيل تصويرها للناس، في محاولة يائسة منها لطمس آثار حرب تشرين التحريرية ونتائجها الإيجابية بالنسبة للأمة العربية». وقد عبر عن هذا الواقع الجديد ميشيل جوبير، وزير الخارجية الفرنسية، بقوله: «انتهى عصر ألف ليلة وليلة، وعلينا أن نتعامل مع العرب بعد اليوم على أساس جديد». 

بل تعترف وزارة الخارجية الإسرائيلية علانيًة بأن «هذه الحرب جاءت مفاجأة شبه تامّة، وحصل الإنذار بوشك نشوبها في وقت متأخر، مما جعل التعبئة المنتظمة لقوات الاحتياط في ساعة الصفر أمرًا مستحيلًا»، وتؤكد وزارة الدفاع الإسرائيلية أن «حرب يوم الغفران دخلت تاريخ إسرائيل كإخفاق خطير بسبب المفاجأة؛ إذ إن الحرب كبدت إسرائيل ثمنًا باهظَا بمقتل 2688 جنديًا إسرائيليًا».

(ميزان القوة بين إسرائيل وسوريا في مرتفعات الجولان قبيل حرب 1973. المصدر: مركز القدس للشؤون العامة)

لكن «حالة عدم اليقين التي تخيم على مستقبل الشرق الأوسط، أكثر إلحاحًا من أمجاد الماضي وآلامه»، كما يقول كيفن كونولي، مراسل «بي بي سي» للشرق الأوسط. ولا أحد اليوم يريد أن يسحب من رصيد جيشِ عربي في وقفته أمام العدو الإسرائيلي، بل يتحسّر معارضو النظام السوري اليوم أكثر من مؤيديه على الجيش العربي السوري الذي دُمِّرَ على مدى ثمانية أعوام من الحرب الأهلية، وتآكلت صفوفه بفعل عمليات الانشقاق والقتل ونقص التمويل، في حين أدت الخسائر الفادحة في العربات المدرعة إلى انخفاض كبير في القدرات الآلية لِما كان يومًا سادس أكبر أسطول مدرعات في العالم. 

ولولا عجز دمشق عن نشر جيشها الرسمي بكامل قواته، لما استطاعات الميليشيات شبه العسكرية السيطرة على المشهد، ولما فُتِح الباب أمام المقاتلين الأجانب المؤيدين للنظام للتدفق إلى الداخل السوري. علاوة على ذلك، أدت الطريقة التي نُشِرَت بها وحدات الجيش السوري، وتقسيمه إلى وحدات موالية موثوق بها مكونة من لواء واحد تقريبًا، إلى تفكك العلاقات الإدارية على مستوى تقسيم الألوية.

ومرة أخرى، أدى تدخل روسيا في خريف 2015 إلى إطلاق عهد جديد من محاولات إعادة بناء الجيش العربي السوري. وما بين أواخر عام 2015 وأواخر عام 2018، انخرطت روسيا ودمشق في أربع مبادرات لإعادة بناء الجيش، ودمج الميليشيات تحت سيطرة دمشق المباشرة، حسبما رصده بحث أعده جريجوري ووترز في «معهد الشرق الأوسط».

السويس.. قصة مدينة منعت إسرائيل من تحقيق الانتصار في حرب أكتوبر

العدو الإسرائيلي أم الشعب السوري.. أيهما اصطلى بنيران حافظ وبشار أكثر؟

في ضوء التطورات التي حدثت منذ ذلك الحين وحتى اللحظة، يحق للمتابع التساؤل: هل يروي الموقع الرسمي لوزارة الدفاع السورية كل تفاصيل الحكاية؟ وحقيقة ما حدث آنذاك، ليست مُنْبَتَّة الصلة بما يحدث اليوم، ومثلما كانت «بطولات الزعيم» حافظ الأسد هي الأعلى صوتًا في الماضي (رغم الاتهامات بتسليم الجولان) فإن «بطولات الزعيم» بشار، هي التي تُلهب حناجر مؤيديه بالتغني بها في الحاضر، رغم يده الملطخة بدماء شعبه. 

والصورة- في الماضي والحاضر- لا تكتمل إلا بمقابلة وجهَتَيْ نظر:

  • بينما درج أنصار حافظ الأسد على اتهام السادات بأنه أرادها: «حرب تحريك لا حرب تحرير»، وأن قبول مصر بقرار مجلس الأمن رقم (338) القاضي بوقف إطلاق النار، قد أصاب الجبهة السورية بمفاجأة، فاضطرت إلى وقف تنفيذ هجوم مضاد، وصولا إلى إعلان وقف الأعمال القتالية وتوقيع اتفاقية فصل القوات في 13 مايو (أيار) عام 1974. 
  • يرى آخرون أن «هدوء جبهة الجولان خلال 40 عامًا من ذلك التاريخ، يسخر من اتهام السادات وحده بأنه أرادها «حرب تحريك لا حرب تحرير»؛ فقد انتهى حافظ الأسد سريعًا على ما يبدو من عرضه العسكري الذي انتحل من خلاله صفة «بطل تشرين التحرير»، وخلَد إلى معاركه الداخلية ضد الشعب السوري، التي كانت ذورتها في عهده: مجزرة حماه 1982، التي دمرت ثلثي المدينة وقتلت وشردت 100 ألف من أهلها، فيما بقيت جبهته مع إسرائيل الأكثر هدوءًا بشهادة العدو نفسه».

Embed from Getty Images

دروز الجولان

وقَّع البلدان هدنة عام 1974، وانتشرت قوة مراقبة دولية على خط وقف إطلاق النار. ثم في عام 1981، أعلنت إسرائيل من جانب واحد ضم الجولان، التي باتت تمد إسرائيل بثلث احتياجاتها من المياه، ويوجد فيها الآن نحو 30 مستوطنة، ونحو 20 ألف مستوطن، وحوالي 20 ألف سوري أغلبهم من طائفة الدورز. وبينما سَلِم العدوّ من نيران الجيش العربي السوري، لم يسلم أبناء الشعب السوري أنفسهم من براميله المتفجره وهجماته الكيماوية.

اعتماد الجيش السوري على روسيا.. من صد العدوان إلى قهر الشعب

في ذلك الحين، مثلما هو الحال الآن، كانت الأحداث التي يشهدها الشرق الأوسط مهمة، ويتجاوز صداها حدود المنطقة، على حد قول مراسل هيئة الإذاعة البريطانية، كيفن كونولي. ففي أوائل سبعينيات القرن الماضي، كانت الحرب الباردة في أوجها، وأي مسرح للصراع على وجه الأرض تقريبًا كان بمثابة حرب بالوكالة بين الاتحاد السوفيتي الشيوعي وتكتل قوى ما سمي بـ«العالم الحر»، بقيادة الولايات المتحدة. لكن بينما كان السلاح السوري بالأمس يساعد الدولة لخوض معركة مشروعة لاسترداد الأرض ورد الكرامة، فإنه اليوم يخدم النظام ويوجه لصدور الشعب.

على أحد الجانبين، شارك «المستشارون» العسكريون الروس في القتال مع السوريين، وزودوا الدول العربية بالأسلحة والذخيرة. وعلى الجانب الآخر، حظيت إسرائيل بدعم الولايات المتحدة، التي تمتلك أسلحة أفضل، وبالتالي لم تكن المعركة عربية-إسرائيلية خالصة، بل كان لها بُعْدٌ دوليّ لا يقل أهمية، أدى إلى تحوّل مجرى المعركة، وأسفرت المفاوضات في نهاية المطاف عن وقف الأعمال العدائية. وهكذا ضاعت تضحيات الجنود السوريين بالأمس، وذهبت تضحيات الثوار السوريين اليوم أدراج الرياح. 

تحتفي وزارة الدفاع السورية بـ«الإمداد السوفييتي للقوات المقاتلة على الجبهتين السورية والمصرية، الذي كان له دور هام في تعويض الخسائر المريعة يوم الخامس من يونيو 1967، وبالتالي في إعادة الجاهزية القتالية لقواتنا المسلحة، بصنوفها المختلفة، إلى ما كانت عليه عشية حرب تشرين (أكتوبر) التحريرية».

 على الجانب الآخر، وثَّقت إسرائيل «إسقاط طائرات إسرائيلية عديدة خلال الحرب نتيجة لتعرضها لإطلاق صواريخ روسية الصنع من طراز «سام». وتوصّل بعض الخبراء إلى الاستنتاج القاطع بأن أيَام الدبابات قد ولت نظرًا لكونها عرضة لإصابة صواريخ «ساغِير» وقذائف أر بي جي تطلقها قوات المشاة. فمن ضمن 265 دبابة إسرائيلية في النسق الأول لم تبق إلا 100 دبابة صالحة للخدمة».

مرَّت الأيام، وظهر الروس بكثافة مرة أخرى في جميع أنحاء سوريا عام 2015، ورغم نفي الرئيس بوتين تواجد قواته رسميًا في بادئ الأمر، أثبتت الأيام أن روسيا- التي كانت في البداية تدعم حليفها السوري سياسيًّا من خلال مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، واقتصاديًّا من خلال صفقات الأسلحة بسعر التكلفة- تدخلت في الحرب عسكريًا، حتى باتت سوريا مشهورة الآن بأنها «أول ساحة تشن فيها موسكو عملية عسكرية كبيرة خارج حدودها منذ نهاية الحرب الباردة».

ولولا دعم القوة الجوية الروسية في السماء والميليشيات الإيرانية على الأرض، لما تمكن النظام السوري من الإطاحة بمعاقل المعارضة المسلحة وتأكيد سيطرته على المدن الرئيسية. لكن على الجانب الآخر، أجرى الخبراء العسكريون الروس، خلال عام واحد فقط، اختبارات على استخدام أكثر من 200 نموذج من الأسلحة في سوريا، حسبما أعلن رئيس اللجنة العلمية العسكرية التابعة للقوات المسلحة الروسية، الجنرال إيجور ماكوشييف.

ماذا تعني العودة إلى «الحظيرة العربية» تحت الحماية الروسية-الإيرانية؟

يؤكد الجيش السوري على أن «دخول القوات العربية معركة تشرين التحريرية (المغرب، العراق، الأردن، السعودية، الكويت)، ولو كان ذلك بقوات رمزية، كان له أثر بارز في رفع الروح المعنوية لدى قواتنا المسلحة وشعورهم أنهم يقاتلون وزخم الأمة العربية كلها من ورائهم».

لكن العرب الذين دعموا سوريا بالأمس، اتفقوا يوم 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 2011 على «تعليق مشاركة وفود سورية في اجتماعات مجلس الجامعة العربية، وجميع المنظمات والأجهزة التابعة، اعتبارا من 16 نوفمبر (تشرين الثاني)، إلي حين قيامها بالتنفيذ الكامل لتعهداتها وتوفير الحماية للمدنيين السوريين من خلال الاتصال بين المنظمات العربية والدولية المعنية». 

Embed from Getty Images

وبعدما كان شغل العرب الشاغل بالأمس هو: دعم الجيش العربي السوري في حربه ضد إسرائيل، ركَّز وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الشهير على دعوة الجيش ذاته لـ«عدم التورُّط في أعمال العنف ضد المدنيين». وبعدما كانت نيران الجيش السوري تحصد رقاب الأعداء المغتصبين، باتت تزهق أرواح أبناء الشعب (أكثر من نصف مليون قتيل حتى مارس (آذار) 2018، بحسب تقديرات المرصد السوري لحقوق الإنسان) وتشرد عائلاته (5.7 مليون شخص في الخارج، و6.1 مليونًا في الداخل)، وفقًا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. 

ربما تكون عودة سوريا إلى «الحظيرة العربية» مسألة وقت، حيث تجري مشاورات حاليًا بين الدول العربية «للتوافق حول التوقيت الملائم والمناسب لعودتها إلى الجامعة العربية»، حسبما أعلن وزير الخارجية المصري سامح شكري. لكن استرداد سوريا لمقعدها في جامعةٍ عربية شبه مشلولة، لن يعيد إليها مكانتها في قلوب ملايين العرب الذين تظاهروا في بلادهم برغم جراحهم ضد وحشية نظام الأسد ضد شعبه. 

والأهم من ذلك، أنه بعدما كان الجيش السوري يتفاخر بعمقه العربي، أصبحت النخب العسكرية السورية والعائلات القديمة (في الجيش) تفاضل بين طريقة الحرب الروسية والطريقة الإيرانية. وحين وقع الاختيار على الأولى، اقتنعت واشنطن بعدم خطورة «تعزيز الجيش السوري بدعم من روسيا». وهو التغيير الجذري الذي سيكون له تداعياته على مستقبل سوريا لفترة طويلة قادمة. وفي التقرير المفصل الذي أصدره «المعهد الملكي للخدمات المتحدة» في عام 2016 المزيد من الحقائق.

وبالفعل «مرّ الجيش السوري بعملية إعادة هيكلة تدريجية، بدعم روسي»، وفق ما نقله الباحث كمال علام في موقع ميدل إيست آي عن الصحفي البريطاني-السوري، داني مكي، الذي رافق الجيش السوري في عملياته. «في الوقت ذاته، وبموافقة الأسد، ووفقًا لمصادر في دمشق، أطاح الروس بأي ضابط يعتبر تهديدًا لاستقرار القوات السورية والحكومة المركزية». 

لكن «الروس يدركون تمام الإدراك أن موقف الأسد هش، واقتصاد سوريا مدمر تمامًا، والوضع السياسي غارق في الفوضى»، كما يقول ألكسندر بيك، وهو محاضر وباحث في كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة، أشرف على قضايا سوريا في مجلس الأمن القومي خلال رئاسة أوباما.

هذا ما يحدث للجيش حين يقتل شعبه!

مهما تفاخرت وزارة الدفاع السوريا بأمجاد الماضي، تبقى الحرب الأهلية التي اندلعت في عام 2011، نقطة فاصلة في تاريخ الجيش العربي السوري الذي كان إجمالي عدد قواته يقدر بنحو 325 ألف فرد، منهم 220 ألف من القوات البرية. وكان يتكون من ثلاث قوى رئيسية هي: القوات البرية والقوات الجوية والقوات البحرية. وبصرف النظر عن الهياكل العسكرية، كانت سوريا تمتلك قوات درك (حوالي 8 آلاف فرد) والجيش الشعبي، الذي كان بمثابة قوة احتياطية للقوات المسلحة (جيش ميليشيوي يصل عدد أفراده إلى 100 ألف).

لكن حين دخل هذا الجيش «مفرمة» الحرب الأهلية، «تغيّر بشكل كبير؛ بسبب الخصائص العرقية والسياسية والجغرافية للدولة السورية. ومنذ الأشهر الأولى أصبح من الواضح أن الدولة وقواتها المسلحة لم تكن جاهزة ولا قادرة على إدارة التمرُّد المحلي بفعالية»، حسبما خلص تحليل نشره المجلس الروسي للشؤون الدولية من إعداد الباحث أليكسي خليبنيكوف.   

وفقًا لبعض التقديرات، كان 60% من كبار ضباط الجيش السوري خلال فترة الثمانينيات والتسعينيات من العلويين، وكان ما لا يقل عن 14 من أصل 24 من أبرز الضباط العسكريين ينتمون للطائفة العلوية. صحيحٌ أن بشار الأسد حاول تغيير التوازن الديني في الجيش، حتى بلغت حصة السنة من قيادات الطبقة الثانية (قادة الفرق ومقار الكتائب، ورؤساء بعض خدمات إنتل) 55% بحلول عام 2010، وأصبح حوالي 65% من قادة الكتائب من السنة. 

لكن بينما كانت تلك التغييرات تهدف إلى إنشاء نظام من شأنه أن يعكس إلى حد ما التوازن الطائفي في البلاد، إلا أن الاختبار الذي واجهه الجيش العربي السوري بعد خروج المتظاهرين السلميين إلى الشوارع خلال الموجة الأولى من الربيع العربي، كشف الكثير من الحقائق على الأرض بما يشكل تحديًا للإحصائيات السابقة. 

العلويين

في الواقع، لم تنتقل المواقع العسكرية الرئيسية من قبضة العلويين والأقليات الدينية الأخرى التي تعتبر العمود الفقري لبقاء النظام، وعندما اشتعلت الانتفاضة في عام 2011، تردد الأسد في الاستعانة بالوحدات العسكرية التي يهيمن عليها السنة ضد المتمردين الذين كانوا في الغالب من السنة أيضًا. بدلًا من ذلك، ركزت دمشق على استخدام أكثر الجماعات ولاءً، والتشكيلات العسكرية التي كانت غالبًا ما تهيمن عليها أو ترأسها الأقليات الدينية (العلويون والمسيحيون والدروز، وغيرهم). وهكذا، أجهض بشار الأسد التوازن الطائفي الذي قال يومًا أنه يسعى لتحقيقه داخل الجيش، ودمَّر معه النسيج الوطني السوري.

ووفقًا لتقديرات «المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية»، فقد تراجعت قوة الجيش السوري بمقدار النصف في منتصف عام 2013، مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب الأهلية، نتيجة للانشقاقات والفرار والخسائر. وبسبب استمرار تقلص الجيش، بحلول عام 2018، زاد اعتماد الدولة على الجماعات المسلحة من غير الدول الموالية للحكومة.

وفقًا لبعض التقديرات، ففي عام 2018، لم يكن الجيش العربي السوري النظامي يسيطر سوى على 20 إلى 25 ألف جندي وضابط، بينما وصل عدد الميليشيات الموالية للحكومة العاملة في سوريا إلى ما بين 150 إلى 200 ألف. وعلى مدى ثماني سنوات من الحرب الأهلية، تغولت الجماعات المسلحة التي تقاتل إلى جانب الحكومة السورية من حيث الحجم والتجهيز والتأثير حتى باتت تشكل تهديدًا لسيادة الدولة وسلامتها.

وبينما يحتفل العرب اليوم بانتصار السادس من أكتوبر 1973، تُحَلِّق فوق الرؤوس الكثير من علامات الاستفهام المتكئة على علامات تعجب. ولم تعد أسئلة الحاضر تقتصر على تقييم كفاءة الجيوش العربية في معارك الأمس، بل تخطتها إلى النقاش حول ولائها، والبحث عن وسيلةٍ لإنقاذها من المعارك السياسية التي أنهكتها، وإنقاذ الشعب الذي استقبلت صدور أبنائه من نيرانها أضعاف ما يمكن أن يتلقاه العدو يومًا.

معركة الكرامة.. حين هزم العرب أعتى آلات الحرب الإسرائيلية بـ«الأسلحة البيضاء»

المصادر

تحميل المزيد