كما يتضح الآن، فإن التدخل الروسي في الحرب السورية في مطلع سبتمبر الماضي (2015) كان له أثر بالغ في موازنة القوى المتقاتلة. ومثلما كان لتدخل حزب الله دور كبير في بقاء نظام الرئيس السوري بشار الأسد في الحكم وعدم التعجيل بانهياره الذي كان يتوقع أن يكون سريعًا في بداية الحرب، فإن التدخل الروسي وازن الكفة بشكل كبير جعل قوات النظام السوري تتحول من الدفاع إلى الهجوم، بعد أن كانت تخسر الأراضي بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأولى لعام 2015.

ومن بين أبرز الملاحظات في الفترة الأخيرة كانت التقدم الواضح لقوات النظام السوري في بعض الجبهات، والاستيلاء على مدن وبلدات كانت تحت سيطرة المعارضة المسلحة.

وسنقوم هنا بتوضيح جبهات تقدم النظام السوري، والإشارة إلى الوضع على الأرض قبل التدخل الروسي في المعارك، ومقارنته بالوضع القائم حاليًا.

وقبل الخوض في التفاصيل، ولمعرفة وفهم طبيعة تحركات النظام السوري الهجومية تحت الغطاء الجوي الروسي، ينبغي أن نشير إلى أن أحد أكبر أسباب إطالة أمد الحرب الدائرة في سوريا وعدم قدرة الجيش السوري النظامي على حسمها مبكرًا يكمن في فتح تركيا لحدودها أمام المسلحين المعارضين وتدفق الأسلحة من الدول الداعمة للمعارضة.

من هنا، فإن إستراتيجية سوريا وحلفائها تكمن في وقف تدفق الأسلحة وعزل المناطق التي تسيطر عليها المعارضة السورية عن الحدود التركية بهدف وقف الإمدادات البشرية والمادية. هذا يعطينا فكرة عن سبب التركيز الكبير من قبل الطائرات الروسية الحربية على استهداف الجبهات المفتوحة بين المعارضة والنظام، القريبة من الحدود التركية وتحديدًا في ريف اللاذقية وشمال حلب.

ريف حلب الشمالي

على اليمين سبتمبر 2015 وعلى اليسار فبراير 2016 وكيف قطعت القوات السورية (الأحمر) خط الإمداد عن المعارضة (الأخضر) باتجاه تركيا


تمكنت القوات السورية من السيطرة على بلدة ماير في ريف حلب الشمالي. هذه البلدة تقع على بعد كيلومتر واحد شرق بلدة نبل. وتمكن جيش النظام السوري أيضًا من السيطرة على مزارع البابلي شمال بلدة ماير. وتمكنت قوات النظام السوري أيضًا من السيطرة على مدينة رتيان شمال حلب.

وقد مثل فك النظام السوري للحصار عن بلدتي نبل والزهراء في ريف حلب الشمالي تطورًا إستراتيجيًا هامًا في تغير قواعد المعركة على الأرض، لتصبح المبادرة في هذه المناطق بيد قوات الجيش النظامي السوري في فترة غير مسبوقة تعيشها قوات النظام في المناطق الشمالية.

وقد تمكنت قوات النظام السوري بشكل عام وبمساعدة من الطيران الحرب الروسي، من تطويق منطقة ريف حلب الشمالي وقطع خط الإمداد الرئيسي بين مدينة حلب الواقعة تحت سيطرة قوات المعارضة السورية، وبين الحدود التركية.

كذلك فإن القوات السورية سيطرت على مزارع مطلة على بلدة دير جمال، وبالتالي فإن وحدات النظام السوري المتقدمة باتت على بعد 15 كيلومترًا من مدينة أعزاز الحدودية، وعلى بعد 20 كيلومترًا من معبر باب السلامة، كما أنها أصبحت على بعد 10 كيلومترات فقط من مطار منغ العسكري.

يذكر أن بداية الانتصارات المهمة لجيش النظام السوري قد بدأت في يوم 10 نوفمبر عندما نجح النظام في كسر الحصار المفروض على مطار كويرس بالقرب من حلب من قبل تنظيم الدولة الإسلامية.

مدينة حلب

حصار شبه كامل لقوات النظام السوري (الأحمر) لقوات المعارضة (الأخضر)


طبقا لمعطيات السابقة، وطبقًا لما نشرته صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، فإن قتال قوات المعارضة في مدينة حلب أصبح قتالًا من أجل الحياة والبقاء وليس مجرد عمليات تقدم وتقهقر.

هذا الأمر سببه الرئيسي يكمن في قطع طريق الإمدادات بين حلب وتركيا، وقد تم ذلك الأمر عبر هجوم جوي غير مسبوق للطائرات الحربية الروسية بلغت في أحد الأيام 200 هجمة جوية خلال 24 ساعة فقط.

وتشير التقديرات أنه إذا ما سقطت مدينة حلب بالفعل في يد قوات النظام السوري، فإنها ستكون كارثة لقوات المعارضة السورية ومن خلفها السعودية وتركيا، لأن ذلك سيعني أن قوات النظام السوري تحيط بقوات المعارضة من الشمال والجنوب والشرق، ومن الغرب لا يوجد سوى البحر.

حاليًا تعمل قوات النظام السوري على محاولة حصار مدينة حلب، وهو ما يسعى المعارضون لمع حدوثه وإلا سقطت المدينة وخسر المعارضون الحرب طبقًا لواشنطن بوست.

جنوب حلب


تمكن النظام السوري بالاستعانة بحزب الله ومقاتلين إيرانيين، وتحت غطاء جوي روسي؛ من استعادة السيطرة على بلدة الحاضر جنوب حلب والتي تقع على مسافة 10 كيلومترات من الطريق الدولي.

هذه البلدة كانت أبرز معاقل الفصائل الإسلامية المعارضة، وتحديدًا جبهة النصرة؛ في منطقة جنوب حلب.

ريف اللاذقية

تقدم واضح لقوات النظام السوري (الأحمر) على حساب قوات المعارضة (الأخضر) بين سبتمبر 2015 (يمين) وفبراير 2016 (يسار)


في 24 يناير الماضي، تمكنت قوات النظام السوري من إحكام السيطرة على بلدة الربيعة وقرية الروضة في ريف اللاذقية الشمالي. وبهذا فقدت قوات المعارضة آخر معاقلها في محافظة اللاذقية. وكانت قوات النظام يوم 12 يناير قد سيطرت على بلدة سلمى؛ المعقل الرئيسي للمقاتلين في محافظة اللاذقية وتحديدًا في منطقة جبل الأكراد. هذه البلدة كانت خاضعة لقوات المعارضة منذ يوليو 2012.

وفي ذات الوقت لا تزال اشتباكات تدور بين قوات المعارضة السورية وقوات النظام في جبل التركمان وأطراف جبل الأكراد في ريف اللاذقية الشمالي، مع تقدم واضح لقوات النظام السوري.

درعا


تمكنت قوات النظام السوري من استعادة السيطرة مرة أخرى على بلدة عتمان التي تقع على الطريق الدولي دمشق-درعا. هذه السيطرة توفر خط إمداد أكثر مباشرةً للجيش السوري من دمشق إلى مدينة درعا الواقعة تحت سيطرة قوات المعارضة.

وتشكل بلدة عتمان البوابة الشمالية لمدينة درعا، وبسيطرة القوات النظامية عليها تكون بهذا قد سيطرت على معظم البلدات الواقعة على طريق دمشق-درعا القديم، ولم يعد بيد المعارضة على هذا الطريق سوى بلدتي داعل وأبطع.

وتشكل بلدات عتمان وأبطع والشيخ مسكين مثلثًا يتحكم بالإمدادات إلى مدينة درعا، بالإضافة إلى كونها عقدة مواصلات بين ريف حوران الشمالي والشرقي والغربي.

جميع الدلالات تقول إن الخطوة التالية للجيش السوري ستكون هي بلدة أبطع بعد السيطرة على عتمان والشيخ مسكين بالفعل، والتي تعني السيطرة عليها قدرة القوات النظامية على تأمين مدينة إزرع والتي تضم أكبر التجمعات المدنية في محافظة درعا، كما سيمكن هذه القوات من تأمين مقر الفرقة الخامسة، والاقتراب أكثر من الحدود الأردنية.

ريف حمص الشمالي

تقدم نسبي لقوات النظام السوري (الأحمر) على حساب المعارضة (الأخضر) في ريف حمص الشمالي بين سبتمبر 2015 (يمين) وفبراير 2016 (يسار)


أحرزت قوات النظام السوري تقدمًا ميدانيًا في الأيام القليلة الماضية باتجاه قرية كيسين، في ريف مدينة الرستن في ريف حمص الشمالي. هذا التقدم مكن لقوات النظام قطعَ طريق الغجر أمام المعارضة السورية باتجاه منطقة الحولة في الريف الشمالي الغربي.

هذا الأمر يعني محاولة جدية لتضييق الخناق على قوات جبهة النصرة التابعة للمعارضة السورية.

حمص

وكان الجيش النظامي السوري قد تمكن في نهاية العام الماضي من إحكام سيطرته التامة على مدينة حمص، في أعقاب انسحاب مئات المسلحين من حي الوعر، آخر الأحياء التي ظلت بأيدي المعارضة، وذلك في أعقاب اتفاق بين المعارضة والحكومة السورية وبإشراف من الأمم المتحدة.

وقد مثل هذا الأمر صدمة لقوات المعارضة التي كانت تعتبر مدينة حمص بمثابة عاصمة للثورة. وجاء ذلك في أعقاب تضييق الخناق على قوات المعارضة بالحي في أعقاب القصف الروسي المستمر.


عرض التعليقات
تحميل المزيد