ساهمت الحرب في سوريا التي بدأها النظام السوري ضد شعبه في تدهور كل نواحي الحياة في البلاد، خاصة المجال الزراعي، إذ تعتبر الزراعة مصدر رزق لعدد كبير من العائلات السورية، وخاصة في المناطق الريفية. فهجرة نسبة عالية من السكان في المناطق الريفية إلى مراكز المدن السورية أو اللجوء إلى دول الجوار أدت إلى ضعف في الإنتاج الزراعي، فضلًا عن حرق المحاصيل الزراعية أثناء الحرب، وتخريب عدد من السدود وقنوات الري، وخروج عدد كبير من الآبار الزراعية عن الخدمة، وعدم توفر مستلزمات الإنتاج الزراعي وغلاء الأسعار، كلها وقفت حائط صد ضد محاولات خجولة لإنقاذ الأراضي، سواء بشكل فردي أو جماعي.

وتشكل الزراعة في سوريا 17.6% من الناتج المحلي الإجمالي في سوريا حسب تقديرات عام 2010، وكان يعمل في القطاع الزراعي نحو 17% من مجموع قوة العمل، أي قرابة 900 ألف عامل، وتبلغ مساحة سوريا 18.5 مليون هكتار، وتشكل المساحة القابلة للزراعة ومساحة الغابات حوالي 6.5 مليون هكتار، أما القسم المتبقي فهو عبارة عن مراع (البادية)، ويسود المناخ المتوسطي الذي يتميز بالشتاء الماطر والصيف المعتدل والجاف، ولكن بعد تسعة أعوام من الحرب هل أصبحت محاصيل سوريا مهددة بالاندثار؟

تهريب البذور السورية نحو القطب الشمالي

عمد مركز البحوث الزراعية الدولي «إيكاردا» إلى إرسال شحنات من حلب، شمالي سوريا، إلى أحد الأقبية في القطب الشمالي (سفالبارد)، بهدف انتشال أكثر البذور السورية النادرة من نيران الحرب، وتقول العالمة السورية ورئيسة مختبر صحة البذور – أخصائية أمراض فيروسية في مركز «إيكاردا»، والتي سبق وأن اختارتها «بي بي سي» ضمن قائمة لأكثر النساء إلهامًا في عام 2020، لـ«ساسة بوست» «أن المركز صرح بقيام فريق «إيكاردا» بإرسال الشحنتين في أكتوبر (تشرين الأول) 2013، وفبراير (شباط) 2014، على الرغم من الأحداث الدائرة، والظروف الصعبة في سوريا، لحماية هذه المواد الوراثية، ولأن المركز أمين على الثروة الوراثية من 128 بلدًا، فضلًا عن أنه يضمن معيشة الناس على المدى البعيد».

Embed from Getty Images

وحول مركز «إيكاردا»، يوضح المهندس الزراعي سامر الحمصي لـ«ساسة بوست»، أن من أقسام المركز مختبر الأصول الوراثية، والذي يحتوي على بذور عدد كبير من الأنواع النباتية من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأن عملية نقل الأصول الوراثية إلى خارج سوريا للحفاظ عليها، خاصة محاصيل الشعير، والفول، والعدس، إضافة إلى أنواع أصلية من القمح القاسي والقمح الطري، فقبل خمس سنوات كانت المجموعة نفسها مهددة، وبحلول عام 2012 اقترب الصراع في سوريا من مقر المركز في تل حدايا بريف حلب؛ مما استدعى تطبيق اللامركزية في بنك الجينات التابع لإيكاردا على مواقع جديدة في المغرب (الرباط)، ولبنان (تربل).

ويذكر المركز في تقريره أنه بحلول أبريل (نيسان) 2017 تصاعدت الأزمة السورية؛ مما استدعى انسحاب جميع موظفي إيكاردا المتبقين، ومنذ ذلك الحين تم إجراء الزيارات الأولى إلى مباني إيكاردا في مارس (أذار) ومايو (أيار) من هذا العام من قبل قوات من حكومة النظام إلى جانب موظفي إيكاردا الذين اكتشفوا أن المبنى قد تعرض لأضرار جسيمة، ولم يتبق شيء من المجموعة.

وبشكل عام تعتبر الأصول الوراثية للنباتات كنزًا للبلاد تجب المحافظة عليها، والنباتات المستهدفة لحفظ أصولها الوراثية غالبًا تكون مهددة بالانقراض، وخاصة النباتات البرية، أو التي تنمو طبيعيًا في المناطق النائية، أما النباتات المزروعة في المناطق الريفية فيحافظ عليها بشكل طبيعي من قبل الفلاحين، بحسب «الحمصي».

وبيّن الحمصي أن قبو «Svalbard Globale frøhvelv» للبذور وبنوك البذور الأخرى في أنحاء العالم، توفر الوسائل لحفظ أحد أنفس الموارد الطبيعيّة التي تعرفها البشريّة، فحفظ تنوّع المحاصيل البيولوجي ضرورة، وحاجة ماسّة لبقاء الجنس البشري على هذا الكوكب، في ظروف التغيّر المناخي، وتكاثر التعداد السكّاني في العالم، وفي عالمنا المعاصر ثمَّة أخطار وجودية كثيرة على كلٍّ من الأنواع على حدة، ولمجمل النظم البيئيّة الشاملة.

تهاوي الزراعة والنظام حله بالتقنين

يعتبر الدكتور في التاريخ الحديث والمعاصر وسياسات الإصلاح الزراعي في سوريا، وأثرها على تطور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية 1950 –1970 رمضان العمر في حديثه لـ«ساسة بوست» «أن قطاع الزراعة في سوريا من أهم قطاعات الاقتصاد الوطني، ويشكِّل أهم مورد من موارد الدخل القومي، ويقع على عاتقه تلبية الاحتياجات الغذائية للسكان، وتأمين مستلزمات الصناعات التحويلية، ويعمل به أكثر من ثلث القوة العاملة، كما يمثِّل قطاعًا دافعًا لنشاطات القطاعات الأخرى كالنقل والمواصلات والتجارة والمال وغيرها، ولهذا حافظت الزراعة في سوريا على مستوها قبل الحرب بفعل سياسات الإصلاح الزراعي، وإصدار الخطة الخمسية التاسعة 2000 – 2005 للتنمية، والخطة العاشرة 2006 – 2010»، بحسبه.

وأوضح «العمر» أنه ومع اندلاع الثورة في سوريا في عام 2011 أخذت مساحات الأراضي الزراعية تتقلص وتقل، وظلت نسبة الأراضي المزروعة والإنتاج الزراعي تتراجع، ففي عام 2013 تراجع بشكل كبير جدًا بفعل الاحداث التي كانت جارية من معارك وحرائق وخسائر للمحاصيل، وفي مقدمتها الحبوب بمختلف أنواعها، وفي عام 2015 على سبيل المثال وصل الانخفاض إلى ما يقارب 65%، وانخفض المنتوج المحلي لمعظم الزراعات السورية، ومنها: القمح، والشعير، والبطاطا.

ويتطابق حديث «العمر» مع التقرير الذي أورده موقع «العربي الجديد»، الذي يفيد بأن منطقة الجزيرة السورية سجلت تراجعًا حادًا في الإنتاج الزراعي، خاصة في قطاع الحبوب. وكانت محافظة الحسكة وحدها تساهم بنحو 65% من إنتاج القمح في سوريا قبل العام 2011، وتراجع إنتاج القمح والشعير بشكل كبير وبلغ 1.2 مليون طن، وهو المعدل الأدنى منذ عام 1989، فيما كان الإنتاج 4.1 ملايين طن قبل اندلاع الثورة، وكانت سوريا البلد الوحيد في المنطقة المكتفي ذاتيًا في مجال إنتاج الغذاء، ولا سيما المحاصيل الزراعية الأساسية، مثل: القمح، والشعير.

أما بالنسبة للنظام السوري فخلال مناقشة لجنة الخطة الإنتاجية الزراعية بحضور وزيري الزراعة محمد قطنا ورئيس الاتحاد العام للفلاحين أحمد صالح إبراهيم خطة الموسم الزراعي 2020 – 2021، باشر الوزير بتعريف الفلاحين حول خطة الدعم بأنها تحت الحد الذي تستطيع حكومة النظام تقديمه، وأن المزارع يجب عليه إيجاد البدائل أو زراعة المساحات التي تتناسب مع قدرات الحكومة فقط، مبررًا ذلك لخلق توازن كامل بين الحكومة والمزارع.

أما الخطة الأخرى التي أشرك فيها النظام السوري فكانت على ما يبدو وأنها كدعوة زعيم حزب الله اللبناني حسن نصر الله عندما نادى بـ«الجهاد الزراعي»، وهو مصطلح استخدمه لخوض معركة إحياء قطاعي الصناعة والزراعة حسب تعبيره، فوزير الزراعة لدى النظام كتب عبر صفحته الشخصية على موقع «فيسبوك»، والذي سارع إلى حذفه بعد تداول المنشور على المواقع المحلية والروسية، إذ دعا إلى استثمار كل أرض مهما كانت صغيرة، وزراعة كل متر مربع في حدائق وبساتين المواطنين بالقمح الذي تعاني البلاد أزمة في توافره.

مستقبل مجهول.. ولا سكر محلي

يصف الدكتور رمضان العمر مستقبل الزراعة في سوريا بأنه «مجهول حتى الآن»، ويرجع ذلك إلى الأزمات المتعاقبة على سورية، فضلًا عن غياب التخطيط والدعم المادي والمعنوي للفلاحين ولأصحاب الأراضي الزراعية، والأمر الآخر هو البناء العشوائي للأراضي الزراعية من قبل المدنيين الذين نزحوا من مناطق الصراع، وهو ما أجبر الحكومة النظام السوري على المضي نحو الاستيراد لسد حاجات السكان محليًا، حسب العمر.

يذكر المهندس سامر الحمصي أن الزراعة تعتمد بشكل كبير على الأسمدة، وخاصة الأسمدة الأساسية، مثل السوبر فوسفات المتوفر في حقول الجبسة وسط شرق سوريا، حيث تمثل البلاد ثاني أكبر احتياطي في الفوسفات على مستوى العالم العربي بعد المغرب.

وبخصوص الأسمدة كشف وزير الزراعة لدى النظام عن توفر نوع واحد، وهو سماد «اليوريا»، وتم إلغاء توزيع الأسمدة لكل المزروعات الأخرى، وهو ما اعتبره «الحمصي» أنه نتاج لاستخدام النظام السوري الموارد والثروات السورية كوسيلة لتسديد ديونه لحلفائه: روسيا وإيران، عبر توزيعها على شكل عقود استثمار طويلة المدى، وبشروط مجحفة بحق سوريا، والذي تم عبر مصادقة مجلس الشعب السوري في مارس 2018، على العقد رقم (66) بين «المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية» التابعة لوزارة النفط السورية من جهة، وشركة «ستروي ترانس غاز» الروسية من جهة أخرى، والذي ينص على إعطاء الأخيرة حق استثمار واستخراج الفوسفات في منطقة مناجم الشرقية (45 كم جنوب غرب تدمر) ضمن قطاع يبلغ الاحتياطي المثبت فيه 105 ملايين طن، وبحسب العقد تكون نسبة الجانب السوري 30% فقط من الإنتاج.

اقتصاد الناس

منذ سنة واحدة
الأسعار تتغير كل ساعة.. كيف ستكون ثورة الجياع في سوريا إن قامت؟

وأما بخصوص السلة الغذائية الكبرى لمحافظات وسط سوريا فقد شهدت تراجعًا كبيرًا بسبب الحرب وفقدان الأراضي لأصحابها، بحسب شهادات الأهالي لموقع «بوابة سوريا»، والذين وصفوا الموسم الزراعي بالأسوأ، حيث يرى الغالبية أن القطاع الزراعي يخسر، فبحسب جلال الخطابي، «بعد أن دفعنا تكاليف كبيرة للموسم الزراعي عند بدايته بدأت حملة التصعيد على مناطق ريف حماة الغربي بداية، ثم امتدت إلى الريف الشمالي لاحقًا، فالناس ليسوا مضطرين للمخاطرة باستثمار زراعي ضخم قد يذهب مهب الريح، ولم يعد التفكير في الزراعة كعمل استثماري يغري أحدًا، لذلك بقيت مئات الدونمات الزراعية، وستبقى بلا أي زراعة لأن أصحابها ليسوا هنا».

وفي الوقت الحالي فإن أبرز ما اندثرت زراعته في هذا العام هو الشمندر السكري الذي يؤمن مادة السكر محليًا، والذي كان يعد المحصول الثالث في سوريا بعد مادتي القمح والقطن، إذ تراجع إنتاجه من 1.7 مليون طن في 2011 إلى 17 ألف طن فقط في 2019، فوزير الصناعة لدى النظام زياد صباغ، كشف أن الحكومة لم تتمكن هذا الموسم من تأمين البذار اللازم لزراعة الشمندر السكري في البلاد، بالرغم من التواصل مع الدول الصديقة والتواصل مع بعض المستوردين، وهنا يتساءل الخبير الاقتصادي، عمار يوسف، دون معرفة الإجابة في حديثه لـ«وكالة أنباء آسيا»، أن هذا العجز يضع الوزارة أمام عدة أسئلة أبرزها: كيف يتم استيراد السيارات والآيفونات، في الوقت الذي تعجز فيه «الصناعة» عن استيراد بذار الشمندر؟

مقايضة ورهن ممتلكات البلد من أجل البقاء

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 عقد النظام مع إيران صفقة على مقايضة العدس وزيت الزيتون السوريين، بزيت عباد الشمس الإيراني، في خطوة تبدو ضمن إطار البحث عن طرق بديلة عن الاستيراد الخارجي لتأمين جزء من متطلبات السوق السورية، حيث قالت وزارة التجارة الداخلية السورية إنه تقرر أن تقوم «المؤسسة السورية للتجارة» بتصدير ألفي طن من زيت الزيتون وألف طن من العدس إلى إيران مقابل استيراد كميات من زيت عباد الشمس تعادل في ثمنها الكميات المصدرة من زيت الزيتون والعدس.

Embed from Getty Images

وفي المقابل تقول وكالة «الأناضول» التركية في تقرير تحليلي عنونته بـ«الأسد يرهن اقتصاد سوريا لروسيا ثمنًا لبقائه»، «إن الطرف الروسي الذي دخل سباق التنافس على اقتسام الكعكة السورية مع طهران، ويشترط قبض ثمن كل خطوة دعم للنظام مقدمًا، كان همه منصبًّا على الاقتصاد، وبالفعل فقد تم توقيع 40 صفقة تجارية إستراتيجية، عبر عنها لافروف بقوله: إن سوريا بحاجة إلى مساعدة دولية لإعادة بناء اقتصادها، ولم تقتصر الاتفاقات بين الطرفين على البترول والغاز والطاقة وحسب، بل شملت جوانب أخرى، منها الحبوب والأغذية، حيث بموجب هذه الاتفاقات أصبحت روسيا الدولة الأولى في تصدير مادة القمح لسوريا، إضافة إلى الاتفاق على بناء أربع مطاحن للحبوب في محافظة حمص، بكلفة 70 مليون يورو؛ ما يعني أن القمح الذي يشكل المادة الأساسية في قوت السوريين بات بيد روسيا بشكل شبه تام».

وهنا يشير المهندس الزراعي سامر الحمصي في حديثه لـ«ساسة بوست»، إلى أنه إذا نظرنا نجد اقتصاد سورية زراعي بالدرجة الأولى، والأكثرية من أبناء سوريا يعملون في الزراعة، وبفعل المشكلات الاجتماعية والسياسية التي حدثت بفعل الأزمة من حرب، وقتل، وتدمير، وتهجير، وبالتالي فإن سوريا خسرت هذا القطاع بشكل كبير، وبالتحديد في منطقة الجزيرة السورية.

ومع دخول الثورة السورية عامها العاشر، تقول «منظمة الأغذية والزراعة في الأمم المتحدة (فاو)»: إن الاحتياجات الإنسانية في سوريا مرتفعة بشكل غير عادي، بسبب النزوح وتدمير البنية التحتية الزراعية بشكل أثر على سبل العيش والأمن الغذائي، وحسب تقييم «فاو» فإن 9.3 مليون شخص يعانون من نقص الأمن الغذائي الحاد في سوريا، و1.9 مليون آخرين بخطر الوقوع في نقص الأمن الغذائي، وزادت أسعار المواد الغذائية بنسبة 100%، خلال الأشهر الستة الممتدة ما بين مارس وسبتمبر (أيلول) الماضيين، وبلغ معدل سعر السلة الغذائية 158.130 ليرة سورية (74 دولارًا)، وفق تقييم مبادرة «REACH».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد