«أنا على يقين من أن تضحيتي لن تذهب جُفاءً.. على أقل تقدير قد تصبح درسًا أخلاقيًّا!» – الكلمات الأخيرة التي سُربت عبر الراديو للرئيس التشيلي سلفادور ألندي، بنبرةٍ تدثَّرت بمحاولة عدم السقوط في العدمية، عقب قيام الجيش بالانقلاب الوحشي عليه؛ نتيجة تأميمه للموارد التشيلية والتزامه بحقوق العمال والفقراء.

ملايين، وربما مليارات الكلمات قد كتبت عن سوريا منذ اندلاع انتفاضتها، بكل لغات العالم الحيَّة؛ وكل يوم خريطة جديدة لتقسيم النفوذ العسكري بين التيارات المتصارعة على الأرض في سوريا.

في هذا التقرير لن نعطيك خريطةً جديدةً من تلك الخرائط، وإنما سنذهب معك في رحلة، ندخل فيها لأعماق جروح الثورة السورية. ستذهب معنا لنكتشف الجروح العميقة التي اختلف الناس شرقًا وغربًا في تسميتها: ثورة، اقتتال أهلي، وربَّما حرب بالوكالة أيضًا. وسنقابل في هذا التقرير ثوارًا ومفكرين سوريين من مختلف التيارات، شاركوا في هذه الثورة الحُلم، وكابدوها، وأرَّخوا لها؛ سنقف عن قربٍ من هؤلاء الذين «مسَّهم الحلم مرة»، ذلك الحلم الذي يرى أغلب من يتابعونه أنَّه قد تحول إلى كابوس.

درعا 2011!

«على هذه الأرض ما يستحق الحياة: (…) أول الحب!». – الشاعر الفلسطيني محمود درويش

مدارس النظام السوري، التي تخرًّج فيها العديد من الشباب الذين شاركوا في الأشهر الأولى من الثورة السورية، مدارس غالبيتها مطلية بلون الصمت والفزع: اللون البني الباهت؛ وهو نفس لون رداء الشرطة السورية السابق.

بعد خلع مبارك وبن علي، قرَّر أطفال درعا وطلاب مدارسها الذين لا تزيد أعمارهم على 14 عامًا، أن يبتكروا لعبةً جديدةً، ويتمردوا على هذه الجدران القاتمة. قرَّروا ببساطة أن يضفوا عليها روح طفولتهم؛ كي تليق بأن تكون مدارس للأطفال، لا معسكرات لإعداد الخاضعين للنظام.

كتبوا على جدران مدارسهم عبارات ضد الرئيس الحالي وطبيب العيون السابق بشار الأسد، أحدهم كتب باللون الأحمر «جاييك الدور يا دكتور». على كل حال استيقظ النظام صباح اليوم التالي، ليرى مدارسه الصارمة التي اعتاد أن يلقن الطلاب فيها تقديسه، وقد اكتظت جدرانها بعبارات السخرية منه.

ثورة سوريا

المصدر: Mostafa Jacoub

كان عاطف نجيب، ابن خالة بشار الأسد، هو رئيس الأمن السياسي في درعا، وقد كانت له طريقته الخاصة جدًّا في التعامل مع سخرية الأطفال وأحلامهم المكبوتة.

يروي لنا الكاتب السوري الشاب سامر مختار ذكرياته مع الثورة السورية، ويقول: «ما حدث في البداية، فبراير/ شباط 2011 هو أن طلاب درعا كتبوا على جدران مدارسهم «الشعب يريد إسقاط النظام»، وكانت ردة فعل القوى الأمنية هي اعتقال الأطفال وتعذيبهم، وكأنهم معتقلون سياسيون يريدون قلب نظام الحكم في البلاد، وصل التعذيب إلى حد اقتلاع أظافرهم، ورفضت القوى الأمنية الإفراج عنهم، وعندما جاء رجال الحي من أهل الأطفال يطالبون بالإفراج عنهم، قال الأمن لهم: «لوكنتم تريدون أطفالكم، أحضروا نساءكم لنستضيفهم عندنا بدلًا منهم». وبحلول 18 مارس/ آذار 2011، كانت مدينة درعا قد انتفضت بأكملها.

ثورة سوريا

المصدر: https://thesyriannetwork.net

حدث الأمر كالتالي: أهالي وأصدقاء الطلاب الذين قبض عليهم، يخرجون في مظاهرات يوم الجمعة، فيقابلون بالرصاص الحي، فيسقط شهيد جديد، وتنضم عائلة جديدة للانتفاضة، يبدو هنا الأمر مشابهًا لباقي الثورات العربية، حيث وبعيدًا عن أسبابها العميقة، كانت أسبابها المباشرة والظاهرة على السطح، تتمثل في فرط عنف أجهزة الشرطة، في جمهوريات ما بعد الاستقلال العربية. وقد قال أحد أطفال ملحمة الكتابة على الجدران في درعا، بعد مرور 5 سنوات من اندلاع الثورة: «كنت أتصور أنَّ الجيران والكبار سيرون فينا أطفالًا أغبياء ومتهورين وسُذجًا، لكن على العكس تمامًا فقد نُظر إلى كتاباتنا باعتبارها ملحمة شجاعة!».

كان للأمر دلالة رمزية كبيرة: لو حاول أطفال سوريا أن يرسموا أحلامهم على الجدران، سنحول أحلامهم إلى كوابيس، وسنقتلع أظافر الأيادي التي رسمت؛ لا مستقبل هنا في سوريا، سوى المستقبل الذي نقرره نحن فقط.

على كل حال، حين ذكرنا الكاتب الفلسطيني السوري رائد وحش بلحظات الثورة الأولى على يد أطفال درعا؛ أو «أول الحب» بتعبير الشاعر الفلسطيني محمود درويش، كان يمتلك الشجاعة الكافية ليقول: «بالتأكيد تغيرت المشاعر بالكامل الآن، حيث انتقلنا من التفاؤل إلى قاع سحيق من اليأس. هُزمنا كمجتمع وكأفراد. لم يهزمنا النظام فهو مهزوم أيضًا، هزمتنا الطائفية، والرايات السوداء، والقوى الإقليمية والدولية، وهزمتنا أمراضنا».

لحظة.. ليست هذه البداية المُثلى لرحلتنا!

درعا 2011، ليست هي البداية الصحيحة، ربما نحتاج أن نعود إلى ما قبل الثورة، لنقترب أكثر من جذور الانفجار، ولنفهم أكثر لماذا تعامل جهاز الأمن في درعا بهذه القسوة المفرطة مع الطلاب وكتاباتهم؛ تلك القسوة التي مهدت لانفجار درعا بأكملها.

في الواقع، كما يرى العديد من المُنظِّرين السياسيين، كلا النظامين السياسيين في العالم الحديث، الدكتاتوري والديمقراطي، يهدفان إلى السيطرة على الجماهير، بما يحفظ استقرار المؤسسات والأيديولوجيا الحاكمة القائمة؛ الأول يحافظ عليها عبر أساليب مرئية وخشنة متمثلة في التعذيب والقمع والإرهاب، والثاني عبر أساليب غير مرئية وناعمة، يطلق عليها في علم الاجتماع اسم «تقنيات الهيمنة»، التي تعمل بشكل لا واعٍ.

لكن التعذيب الحديث يختلف كليًّا عن التعذيب في نظم العصور الوسطى، فالتعذيب الحديث ليس تعذيبًا عشوائيًّا، وإنما يقوم على أسس علمية، بخطة محددة وأهداف معينة، وبكل تأكيد فإن تعذيب الأطفال في درعا، والإهانات الجنسية التي وجهت لأولياء أمورهم من وجهاء وأهالي درعا، ومن ثم قتل الأهالي حين يتظاهرون من أجل إطلاق سراح أبنائهم، كل هذا لا ينتمي بأي حال لمدرسة القمع والتعذيب الحديثة والذكية، التي تستهدف إعادة إنتاج الاستقرار للنظام الحاكم، فلماذا يا تُرى لم تتمتع منظومة القهر في درعا بالحد الأدنى المقبول من الذكاء؟ وعلينا أن نرى ذلك في ضوء كون الثورات العربية في صورتها المباشرة، قد قامت معظمها نتيجة حادثة عنف مفرط من الشرطة في التعامل مع أحد أفراد الشعب.

في حوار له مع موقع «جدلية» بتاريخ 4 مارس/ آذار 2013، طرح المفكر اللبناني فواز طرابلسي رأيه بخصوص جذور العنف المفرط، الذي لا يحقق الغاية منه المتمثلة في استقرار النظام، وقال إن في تلك الأنظمة التي قامت ضدها الثورات العربية، كان قد ارتفع منسوب الاستبداد والقمع، تعويضًا عن اهتراء شرعيتها الاجتماعية، وقد اهترأت تلك الشرعية، نتيجة اضطرارها للرضوخ لإملاءات صندق النقد الدولي والبنك الدولي، ثم ضرب المفكر اللبناني المثل ببشار الأسد، الذي عهد منذ تولى السلطة، إلى إعادة الهيكلة النيوليبرالية للاقتصاد، وتفكيك رأسمالية الدولة التي كانت قائمة في عهد أبيه، ومن ثم تقديمه لتنازلات أساسية في تركيب الاقتصاد السوري، بناءً على توجيهات صندوق النقد الدولي.

باختصار يرى فواز أن هذه الأنظمة الاستبدادية قد ازداد «منسوب قمعها»، وهو ما سنسميه في هذا التقرير: خروج القمع عن دائرة الممارسة بشكل علمي ومحسوب، مع سطوة العولمة وفرض النيوليبرالية تدريجيًّا على المنطقة، وهو ما أدى إلى تقلُّص ما تستطيع أن تقدمه تلك الأنظمة لشعوبها في المجال الاجتماعي.

يفضي ما يقوله فواز ببساطة، إلى معادلة يمكن أن ننسجها على النحو التالي: رضخت الدول للمنظمات الدولية الاقتصادية الكبرى، واتبعت سياسات كانت نتيجتها تفاقم الأزمات الاجتماعية، ولم يعد لديها ما تقدمه على الصعيد الاجتماعي، فأصيبت بالارتباك، واضطرت إلى إعطاء مساحة أكبر لتقنيات القهر المباشر في خطتها لفرض سيطرتها، على حساب تقنيات الهيمنة الناعمة، التي تعيد إنتاج القابلية لحب الحاكم والخوف منه، ومن ثم أدى كل ذلك إلى ارتباك في إنتاج وممارسة تلك التقنيات القمعية ذاتها، والمثال الأبرز لهذا التقرير كان ما حدث مع أطفال درعا في 2011، والذي أضر بالنظام أكثر بكثير مما أفاده.

وعلى كل حال ما يزال يُنظر حتى بين بعض المؤيدين لبشار الأسد، إلى عاطف نجيب الذي اقتلع أظافر أطفال درعا، باعتباره سببًا رئيسيًّا في تفجر تلك الثورة، وفي كل تلك المعاناة التي لاقاها نظام الأسد، وجدير بالذكر هنا أنه رغم ما بدا من الأسد في 2011، من عدم إنكار لما قام به ابن خالته في درعا، ورغم ما بدا من أن الأسد بصدد نية في معاقبة ابن خالته، إلا أن نجيب وبعد مرور خمس سنوات، لم يلق أي حساب أو عقاب من النظام الذي أضره بعنفه المفرط، غير المدروس.

الجذور الاقتصادية لتعذيب الأطفال

لخص بشكل غير مباشر، أستاذ العلاقات الدولية، ومدير مركز الدراسات السورية في جامعة «سانت أندروز» الإسكتلندية، البروفيسور البريطاني ريموند هينبوش، الأسباب العميقة وراء العنف العشوائي الذي لا يتبع منهجية علمية، حين أوضح أنَّ نظام الأسد قد قام بإضعاف أجهزة حزب البعث ونقابات العمال والفلاحين، وهي الأجهزة التي كانت عقبة أمام التحولات الاقتصادية النيوليبرالية، التي شرع فيها الأسد منذ توليه مقاليد السلطة، فحرمهم النظام من التمويل، وهاجم السلطات الحامية لهم، وقد أدى ذلك -بحسب هينبوش- إلى إضعاف العلاقة بين النظام وجمهوره، وإلى إضعاف تغلغله في الأحياء والقرى، ومن ثم عوضت القوى الأمنية هذا الفراغ، علمًا بأن تلك القوى كانت بدورها تتقاضى أجورًا منخفضةً للغاية، وكانت بسبب ذلك فاسدةً ومنحلّةً.

بحلول عام الانتفاضات العربية (2011)، كان الأسد قد قطع شوطًا كبيرًا من تنفيذ الإملاءات النيوليبرالية الاقتصادية، وقد بلغ إسهام القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي ما تقارب نسبته 65%، وصارت نسبة 75% من القوى العاملة السورية تعمل في القطاع الخاص.

وقد تركزت ملكية الأرض الزراعية في يد عدد قليل جدًّا من السكان، ويذكر الباحث جوزيف ضاهر في هذا السياق، أن إحدى الصحف الاشتراكية الساخرة كانت قد علقت على تلك التغيرات العميقة في الاقتصاد السوري، في جملة صغيرة ومكثفة ومدهشة للغاية: «وبعد 43 عامًا من الاشتراكية، يعود الإقطاع».

منذ تولي طبيب العيون الشاب للبلاد، تقلصت استثمارات الدولة في الخدمات الاجتماعية، وتقلص الدعم الحكومي للمنتجات الزراعية والوقود وغيرها من المواد التي كان يوفَر عليها دعمًا يعين المواطنين البسطاء، على استكمال الحياة؛ انسحبت الحكومة من الخدمات الاجتماعية، وتركت هذه المهمة على كاهل فاعلي الخير من الأثرياء، ذوي المشاعر الدينية خصوصًا، وبحلول عام 2004، كانت هناك 290 منظمةً إسلاميةً مسجلةً من أصل 584 منظمةً خيريةً، وكانت هذه الجمعيات متمركزةً في المساجد المحلية والأحياء الفقيرة.

بحلول عام 2011، كان معدل البطالة قد وصل إلى مستويات خطيرة وغير مشهودة من قبل في سوريا، بنسبة تتراوح وفق الأرقام الرسمية لحوالي 15%، و25% وفق الأرقام غير الرسمية، وقد بلغت نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر بحلول عام 2007 حوالي 33%، علمًا بأن الفقر كان يرتفع أكثر بكثير في المناطق الريفية بنسبة 62%، وجدير بالذكر أن الفقر كان يزداد في مناطق الشمال، خصوصًا محافظات الرقة وإدلب ودير الزور وحلب والحسكة.

وبالطبع، اكتمل ما يسمى بالإصلاح النيوليبرالي للاقتصاد، بالانتقال من طبيعته التي تعتمد على قاعدة زراعية وصناعية، إلى اقتصاد خدمات وسمسرة واستيراد، وقد تربعت على عرش الاقتصاد الجديد مجموعة ضئيلة من السكان، هم أقارب الأسد، والمقربون منه.

وبحلول عام 2007، بات لزائر سوريا أن يرى بوضوح، التفاوت الطبقي الصارخ، ومدن الصفيح العشوائية المنتشرة في ضواحي دمشق، يقابلها من الناحية الأخرى مدن راقية للغاية في وسط المدينة.

وقد علق المفكر السوري ياسين حج صالح آنذاك، على تلك التحولات لوكالة فرانس برس قائلًا: «مركز القرار الاقتصادي، بات بأيدي طبقة (سياسية ـ تجارية) مقربة من السلطة، استفادت مما سمي بالإصلاحات». ثم أوضح: «الليبرالية تترجم بتدهور الخدمات الأساسية، لا سيما في مجال الصحة والتربية والإسكان والنقل، في حين يتطور بشكل موازٍ قطاع خاص مكلف جدًّا موجه للطبقات الميسورة».

إذًا، كانت سوريا مثل بقية الدول العربية التي زارها الربيع، من حيث التعرض لصدمات هائلة من التحولات الاقتصادية اليمينية، بعكس ما يروجه النظام عن أن الثورة هي محض مؤامرة عليه من قبل الإمبريالية العالمية، لأنه حائط الصد الوحيد في الوطن العربي أمام مخططاتها.

الطبقات الاجتماعية التي احتضنت الثورة السورية

ثورة سوريا

في البداية لماذا نسأل هذا السؤال؟

تقول أستاذة علم الاجتماع بجامعة كولومبيا «ساسكيا ساسن»: «يشغلني بشكل خاص تآكل الطبقة الوسطى في العالم المعاصر، وهي الفاعل التاريخي الأهم في القرنين الماضيين ومُوجّه الديمقراطية».

وبالنسبة للعديد من علماء الاجتماع، فإن الطبقة الوسطى هي القادرة دائمًا على رفع رايات التحديث والمدنية، رغم كل ما تحمله من تناقضات.

وبالعودة إلى الثورة السورية، فإن الحديث عن طبيعة الطبقات الاجتماعية التي حملت على عاتقها أحلام الثورة السورية، سيكون شديد الأهمية، لأننا لو اكتشفنا أن تلك الثورة قد خلت من حضور قوي للطبقات الوسطى كطبقات فاعلة فيها، فسيكون ذلك عاملًا مهمًّا جدًّا في التحليل، عند الإجابة على سؤال: «كيف استطاعت التيارات الأصولية التي تستند على رؤى طائفية، وترفض القيم التي نادى بها الشباب في الميادين العربية «الديمقراطية والعدالة الاجتماعية»، أن تفرض نفسها بقوة على مشاهد تلك الثورة؟».

حيث تشير الكثير من المصادر إلى أن العمود الفقري لهذه الثورة تشكل من العمال، والفلاحين، والعاطلين عن العمل، والفقراء، بحيث تواجدوا بشكل أكبر بكثير من أبناء أحياء الطبقة السورية الوسطى في دمشق، وحمص، واللاذقية، الذين ساهموا أيضًا في تلك الثورة.

يقول المفكر اللبناني فواز طرابلسي: إن الثورة السورية قد انطلقت من سكان الأطراف والريفيين والفقراء والمهَمشين وأبناء الضواحي الفقيرة حول المدن الرئيسة، وانطلقت بعد ذلك إلى المدن والعاصمة، ويرى طرابلسي أنها بذلك كانت ثورةً عميقة المحتوى الطبقي والاجتماعي، ويؤكد طرابلسي في نفس السياق على أن فئات واسعة من الطبقة الوسطى ومن الشباب عمومًا، ومن البرجوازية المهاجرة أيضًا، قد شاركت بأشكال مختلفة في تلك الثورة. لكن الطابع الشعبي العميق هو السمة الرئيسية عمومًا لتلك الثورة.

ولم يختلف رأي الكاتب السوري الفلسطيني رائد وحش كثيرًا عن ذلك، حيث قال لنا إن أغلب من احتضن تلك الثورة كانوا من الشباب الريفي الفقير، ثم أردف هل تركت أنظمة النهب والفساد والإفساد طبقةً متوسطةً في العالم العربي ككل، وفي سوريا بشكل خاص؟ بالتأكيد لا. هناك ملامح طبقة وسطى، لكنها غير مؤثرة.

في حين اعتبر المفكر الفلسطيني، الذي مكث في سجون الأسد 8 سنوات، سلامة كيلة، حين طرحنا عليه هذا السؤال: أن الطبقات التي دفعت باتجاه الحراك في سوريا، بعد ما حدث في مصر وتونس، هي فئات وسطى حداثية، أقرب إلى الليبرالية وإلى اليسار، لكن واقع الثورة قد تطور بعد ذلك، وانتقل من بيئته الحاضنة الأولى (النخب الشبابية من الفئات الوسطى)، وصار من يتحرك بشكل فعلي بعد ذلك، هم الفئات الشعبية المفقرة، حيث كانت تلك الفئات هي التي تقف في الصفوف الأولى من المظاهرات أمام الرصاص الحي.

وفي طريقنا للبحث عن إجابة لهذا السؤال، حول الطبقات الاجتماعية التي حملت تلك الثورة، وهو السؤال الذي لم يعتن بقيمته التفسيرية الكثير من المتناولين للشأن السوري، طرحناه على أحد الذين كابدوا تلك الثورة من قرب، الكاتب السوري الشاب طارق العلي، وهو من دير الزور ومهتم بشؤون الثورة والحرب السورية، ومقيم بالمهجر حاليًا، حيث غادر دير الزور في مارس 2014، وهي الفترة التي بسط فيها تنظيم داعش سيطرته على المنطقة الشرقية.

وكانت له إجابته الخاصة من زاوية جديدة؛ إذ قال: إن التعقيد في الإجابة عن هذا السؤال، يكمن في توصيف طبيعة المجتمعات السورية «الجماعات الأهلية»، بعد فترة عقود من حكم عائلة الأسد، وهذا يعود إلى حالة ترييف المدينة السورية، وترييف بيروقراطية الدولة، علمًا بـأن البيروقراطية السورية أصلًا هشة وقصيرة العمر نسبيًّا. ومكمن الصعوبة برأيي هو عدم القدرة على الفصل الواضح بين طبقة وسطى وطبقة فقيرة، وعدم القدرة على فصل الطبقات المتوسطة وبيروقراطية الدولة التي تسكن المدن الكبيرة، عن طبائع الريف. وبطبيعة الحال لا يمكن فهم ذلك إلا إذا أخذنا الثالوث المرضي كمتلازمة، وهو الثالوث الذي تسبب فيه نظام حافظ الأسد؛ ثالوث «الترييف والإفساد مع التطييف».

ويضيف: «بمعنى أن العلة ليست في حقيقة أن أبناء الريف انتقلوا إلى المدينة وعملوا في مؤسسات الدولة، العلة في سير هذا الثالوث كجملة واحدة. بتصوري إذًا أن الخلاف حول إذا ما كان المساهم الأساسي في الثورة هو طبقة وسطى أم ريف وفقراء يعود إلى ذلك، لا إلى دينامية الثورة عينها بوصفها مثلًا تمردًا لطرف على آخر أو طبقة على أخرى».

وقال: «لقد بدأت الثورة كانتفاضة تشمل جماعات أهلية واسعة ومناطق عديدة، على شكل بؤر منبثقة عبر الزمان والمكان، بشكل ترادفي أو تزامني، وغالبها الساحق من السنة، وغالبهم العرب، وخلال فترتها الأولى اتسعت لتضم فئات واسعة، ولا نستطيع القول بتنميط اقتصادي اجتماعي ما لهذا التحرك، إلا أنه بطبيعة الثورات تستثني إلى حد كبير المنعمين عمومًا، والمنعمين الجدد خصوصًا؛ أي المستفيدين مباشرة من حكم عائلة الأسد، لا سيما الآخذين بالنمو في الفترة الأخيرة من حكم بشار، بسبب طريقته الاقتصادية الجديدة».

في الواقع كانت إجابة طارق شديدة الأهمية ليس فقط لكونه طرح زاوية جديدة للنظر، من خلال الحديث عن عدم القدرة على الفصل الواضح بين طبقة وسطى وطبقة فقيرة، وعدم القدرة على فصل فئة بيروقراطية الدولة والطبقة المتوسطة التي تسكن المدن الكبيرة، عن طبائع الريف في سوريا، ولكن لأنه مع كل الإجابات السابقة قد كشف عن الكثير من الفجوات في طبيعة بنية الثورة السورية نفسها، وهي الفجوات التي استطاعت القوى الإقليمية أن تخترقها فيما بعد لتحقيق مصالحها.

هل كانت الثورة السورية علمانية؟

 

 

«واحد واحد واحد.. الشعب السوري واحد»، و«لا سلفية ولا إخوان.. الثورة ثورة شبان»، هكذا كانت تتردد الهتافات وتُسمع بوضوح في بداية الثورة السورية.

في تقرير بحثي مطول بمجلة «ذي أتلانتك»، بتاريخ 16 مارس/ آذار 2016، حمل التقرير عنوانًا فرعيًّا يقول: «خمس سنوات مرت؛ لقد كانت القوى التي عارضت بشار الأسد في معظمها بالبداية، سلمية وعلمانية فماذا حدث؟».

وتبع التقرير ذلك بالقول، إنه في بدايات الثورة السورية، كانت تصريحات الرئيس بشار الأسد، حول تبريره لقمعه العنيف لتلك المظاهرات، وهو القمع الذي أودى بحياة أكثر من ألفي مواطن بحلول نهاية صيف 2011، كانت تصريحات محيرة ومدهشة ولا يصدقها الواقع المرئي، حيث كان الأسد يتهم المحتجين المطالبين بالإصلاح الديمقراطي بأنهم جماعات إرهابية.

في الواقع حملت الانتفاضة السورية في مرحلتها السلمية، مشاهد تنبذ الطائفية والأصولية، وعلى سبيل المثال في حمص (مارس 2011)، كانت الأغلبية المسيحية في حي الحميدية تلقي بزجاجات المياه وحبات الأرز على المتظاهرين أثناء مرورهم، وقد قام مسيحيو المدينة من الشباب بتشكيل طوق حول المعتصمين لحمايتهم أثناء تأدية المسلمين منهم للصلاة، كما تكررت المشاهد آنذاك التي رُفع فيها رجال الدين الإسلامي والمسيحي، على أعناق المتظاهرين جنبًا إلى جنب.

ربما كانت تصريحات بشار حول أن الثورة هي ثورة جماعات إرهابية طائفية، هي في الحقيقة صادقة للغاية إذا نظرنا لها من زاوية أخرى، حيث كانت تحمل في طياتها نواياه بتحويل ذلك الحراك المطالب بالعدل والإصلاح الديمقراطي، إلى حراك أعلام سوداء طائفية، مستغلًا معرفته بطبيعة الطبقات الاجتماعية التي ثارت ضده، وميراث والده من الترييف والإفساد والتطييف الذي تحدث عنه طارق العلي، والأهم هو معرفته الجيدة باعتباره رائدًا من رواد الإصلاح النيوليبرالي، بطبيعة النظام العالمي القائم.

جدير بالذكر هنا أنه في الوقت الذي اتهم فيه الأسد المناهضين له والمطالبين بالديمقراطية بأنهم جماعات إرهابية، في مارس 2011، كان يصدر قرارًا بالإفراج عن 260 سجينًا، من سجن صيدنايا الذي يقع خارج دمشق، وقد تبين بعد ذلك أن الغالبية العظمى من هؤلاء المفرج عنهم كانوا إسلاميين راديكاليين، أسسوا بعد ذلك الكتائب الجهادية السلفية التي حاربت بشار تحت شعارات طائفية، وقد كرر الأسد هذا الأمر بإطلاق سراح الجهاديين الإسلاميين في يونيو من نفس العالم.

ويقول لنا الكاتب السوري الذي يعيش في مصر حاليًا سامر مختار، إن الأصوليين والمتطرفين الذين برزوا على سطح الثورة السورية، لا ينتمون بأي شكل من الأشكال للثورة السورية. ويستكمل حديثه قائلًا: «بتاريخ 31-5-2011 أفرج النظام عن أربع شخصيات من سجن صيدنايا بموجب عفو عام، وهم: زهران علوش قائد لواء الإسلام سابقًا، وحسّان عبّود (الملقّب بأبي عبدالله الحموي)، قائد حركة أحرار الشام، وعيسى الشيخ، قائد لواء صقور الإسلام، وأبو محمد الفاتح الجولاني، أمير «جبهة النصرة». ومن بعد خروج هؤلاء، ظهر الخطاب الديني المتشدد، الذي بدأ بالتأثير في الثورة السورية، ونتج عن ذلك الكتائب المسلحة التي تم ذكرها مثل جبهة النصرة، وباقي المجموعات الإسلامية المتشددة. السؤال المهم هنا: لماذا تم الإفراج عن هؤلاء بوقت كان فيه النشطاء الحقوقيون وكتّاب الرأي والمثقفون والمتظاهرون يموتون تحت التعذيب؟ كل المؤشرات تقول إن لنظام السوري هو من صنع هؤلاء».

وقد أشار المفكر السوري سلامة كيلة في حوارنا معه، إلى عنصرين أساسين عملا على تسهيل ما أسماه بأسلمة الثورة السورية، حيث يرى كيلة أن كلًّا من النظام ودول الخليج والإعلام الغربي، قد اجتهدوا في إظهار الثورة السورية على أنها ثورة إسلامية، رغم شعارات الشباب السوري الواضحة التي كانت معاكسة لتلك الصورة تمامًا.

العنصر الأول: أنه حين تحول الصراع إلى العمل المسلح، صار الشباب في مواجهة الخوف من الموت، يميلون أكثر إلى التمسك الأصولي بالدين، لكن ليس هذا هو الأمر الحاسم في رأي كيلة، فالكثير ممن يقاتلون في صفوف الثورة، هم متدينون لكن ليسوا أصوليين ولا وهابيين، لكن العنصر الحاسم في عملية الأسلمة في رأيه هو العنصر الثاني: وهو أن النظام ركز على نخب الفئات الوسطى أثناء حملاته القمعية، فحين كان يعتقل عضو تنسيقية من تنسيقيات الثورة، ويعتقل شخصًا آخر مسلحًا، كان يعذب الأول وربما يقتله من التعذيب، بينما لا يعذب الثاني ويفرج عنه، حيث قام النظام بتصفية الطبقة الأولى والثانية والثالثة والرابعة من التنسيقيات؛ تلك التنسيقيات التي تمثلت فيها النخب الشبابية المنتمية للطبقات الوسطى، والجزء الكبير منهم كان علمانيًّا.

في حين يرى الكاتب السوري طارق العلي، أن القول بعلمانية الثورة السورية في بدايتها، ليس دقيقًا بما يكفي، ويقول بناءً على تجربته الشخصية: «بطبيعة الحال توصيف ثورة علمانية خاطئ، لأنه يُطلق ضد ما هو أسلمة أو تدين السياسة»؛ والثورة كما تعلم خرجت ضد نظام الأسد، وهو نظام علماني كما يُعرف هو نفسه، وكما تشير له التقارير الأجنبية، وأنا بالطبع أرفض توصيف نظام الأسد بأنه كان نظامًا علمانيًّا، لكن على أي حال ما أعنيه أننا يوم خرجنا، وحتى في تلك الفترة الأولى، لم يكن الشاغل العام هو أننا نريد أن نصبح علمانيين أو غير ذلك. سأقول لك بكل صراحة ووضوح؛ لا أعتقد أنه كان ثمة وعي لحقيقة هذه الإشكالية. الخروج كان على نظام فاسد وهذا أمر ظاهر وباطن، وعلى نظام طائفي وهذا أمر في البداية كان مضمرًا، وسبب إضماره هو رغبة عامة وصادقة في سلامة الأمور، لأن مجتمعات الثورة تعي، برأيي، طبيعة نظام الأسد وطبيعة المجتمع السوري، وتخاف التمزق والتقاتل الطائفي. وما أقصده بالإضمار هنا ليس النفاق؛ وإنما أن الثورة على نظام طائفي كانت تعي في بواطنها أنها ستحمل في طياتها مضمونًا طائفيًّا ما، وهذه نقطة دقيقة وحساسة برأيي، وتحتاج وقفة طويلة من التفكير الجاد».

وبالعودة إلى السؤال حول طبيعة الطبقات الاجتماعية التي حملت على عاتقها تلك الثورة، وكيف أثرت طبيعتها في طبيعة الثورة، وربما سهلت من سيطرة تيارات معينة على مشهد تلك الثورة؛ فأظهرتها بصبغة طائفية، كان لأحد الشباب السوريين أفكارًا مهمة في هذا الصدد.

عبد الرحمن الكيلاني، مخرج الأفلام الوثائقية، وهو مولود خارج سوريا لعائلة مهجرة، منع النظام أغلب أفرادها من حق العودة، لكنه عاد إلى سوريا مع اشتعال الثورة في سبتمبر (أيلول) 2012، وعاش فيها أغلب الوقت حتى نهاية 2015، قال لنا حين سألناه عن طبيعة الطبقات الاجتماعية التي احتضنت تلك الثورة، وكيف أثرت في مسارها:

«كان للطبقة الفقيرة الحضور الأساسي والمؤثر للغاية، كانت المظاهرات السلمية في البداية، قد اندلعت في أغلب المدن الكبرى، في حين تمركزت القوى المسلحة في الأرياف والضواحي التي استطاعت تحريرها بسهولة، على عكس المدن الرئيسية، وربما كان لذلك أثر في حجم تأثير الطبقة الفقيرة على حساب المتوسطة، لكن بالعموم في البداية كانت المشاركة واسعة النطاق. وليست كل الأرياف السورية أريافًا بالمعنى المتبادر للذهن، هناك أرياف متمدنة للغاية مثلها مثل المدن الكبرى».

وأضاف: «وسيطرة التيار الجهادي على المشهد يرجع إلى عوامل أكثر تركيبًا وتعقيدًا من تأثير الطبقات، وسبب رئيسي ما ذكرته من أن الثورة المسلحة تمركزت في الأرياف، لمعطيات منها ما هو ميداني من الدرجة الأولى، يتعلق بالمعارك وتمركز قوات النظام ونشوء ما صار يعرف بالمناطق المحررة، التي كان كثير منها في الضواحي، وصارت تزحف لتحرير المزيد من الأراضي التي كانت أيضًا ضواحي وأرياف، قبل أن تصل إلى المدن الكبرى وتستعصي عليها في أغلب الأحيان، كما في حلب ودمشق».

وفي هذا السياق يقول لنا الكاتب السوري سامر مختار: «الأغلبية الكاسحة التي احتضنت تلك الثورة كانت من المناطق الريفية ومن شرائح فقيرة، لأن 70% تقريبًا من الشعب السوري غير قادر على العيش، ومهمش، وهناك نظام مستبد يقوم على ترييفه، وإلا لماذا إذن قمنا بثورة؟».

تكون المحصلة إذن بعد الاستماع لكل تلك الشهادات، أنه حتى لو نظرنا إلى الأمر برمته من المنظور السوسيولوجي القائل بأن الثورة السورية قد اخترقتها الطائفية والأصولية الدينية بسهولة، لأنها نمت بين طبقات ريفية وشرائح فقيرة، ولم تنم في أوساط شباب الطبقات الوسطى، فإن هذا لا يمكن النظر إليه بعيدًا عما أجمعت عليه كل المصادر التي تواصلنا معها في هذا التقرير، والمتابعون للشأن السوري عن كثب، من أن النظام هو الذي قام بالترييف المُتعمَّد للشعب السوري، لذا فإن اتهامات النظام للثورة بالطائفية، هي في الحقيقة اتهامات لو نظرنا إليها بدقة، سنجد أنها لا ينبغي أن توجه سوى للنظام نفسه.

الأهم أن من يتنقلون بين قنوات التلفاز، ثم يرون أعمال داعش التي توصف بالإرهابية في سوريا، فيصفون الثورة السورية بالداعشية وبالإرهابية، هم يتغافلون عن حقيقة خطيرة ومؤسسة في هذا السياق، تلك الحقيقة أن داعش قد صرحت بوضوح أنها تكفر الثورة السورية بكل أهدافها وشعاراتها، ليست الثورة السورية فحسب؛ فداعش تكفر كل ثورات الربيع العربي وتعتبرها مرتدة، لأنها تقوم على شعارات الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان حديثة المنشأ، لذلك فوصف الثورة السورية بأنها إرهابية في مجملها، نظرًا لبروز داعش كعدو لنظام الأسد على السطح، هو تعميم لا يتمتع بدرجة كبيرة من الدقة، لأن داعش قد أعلنت عداوتها لثورة الشباب في سوريا بكل وضوح؛ عداوة لا تقل عن عداوة بشار الأسد لها.

وتبقى نقطة مهمة في سياق استغلال النظام لترييفه للشعب السوري، ومحاربته وتقليصه للطبقة الوسطى، خصوصًا بعد السياسات الاقتصادية اليمينية التي اتبعها بشار الأسد. في الواقع ومنذ أن عمل النظام على دفع الثورة السلمية للعسكرة، والذي وصل إلى حد تسريب السلاح للثوار السلميين أحيانًا، وبعد أن اجتهد كثيرًا في دعم انتاج صورة أصولية ومتطرفة عنها، استطاع النظام أن يجعل من الثورة بأحلامها الكبيرة، فرصة سانحة لاستكمال الحرب على الطبقات الوسطى في المجتمع السوري، بل فرصة سانحة أيضًا لاستكمال الخطة الاقتصادية النيوليبرالية.

حيث صار أكثر من نصف سكان سوريا فقراء، بحسب ما أكّدته نائبة المدير القطري لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في دمشق اليسار شاكر، وهي على كل حال نسبة تمثل ضعف نسبة الفقراء الفقراء قبل الحرب.

بحيث أصبح 9.7 مليون سوريّ يعيشون على خط الفقر، و4.4 مليون يعيشون في فقر مدقع.

لقد كانت الطبقات الأشد تأثرًا جراء الثورة، التي دفعها النظام لكي تتحول إلى حرب، هي الطبقات الوسطى في المجتمع السوري، فالنسبة الأكبر من الفقراء السوريين حاليًا كانوا من الطبقات الوسطى، قبل اندلاع الحرب، وقد وصف تقرير للسيريان تليغراف وضع الطبقة الوسطى بعد عامين فقط من اندلاع الحرب، بأن الطبقة الوسطى قد سُحقت ونزحت إلى الطبقات الفقيرة.

وبعد خمس سنوات من الصراع الدامي، لم تعد الطبقة الوسطى في سوريا تمثل أكثر من 15% من جملة المجتمع؛ تلك الطبقة التي يصف المراقبون المجتمع بأنه في حالة صحية حين لا تقل نسبتها فيه عن 60%.

وقد استغل النظام الحرب على كل حال، ليستكمل خطواته السريعة في سياساته الليبرالية الاقتصادية، التي أدت إلى إفقار شرائح واسعة من المجتمع السوري قبل الثورة كما ذكرنا، وضرب الطبقات الوسطى تحديدًا وإفقارها، وتركيز الثروة في أيادي القلة المقربة من بشار، فقد اتخذ النظام أثناء الحرب خطوات جادة في عملية الخصخصة، بدعوى «ضرورة مشاركة أبناء الوطن في إعادة تشغيل القطاعات المتوقفة، والتمهيد للحصول قروض خارجية، عبر الالتزام بخصخصة بعض القطاعات وفق الأنماط التي تعممها الصناديق والمؤسسات الدولية».

ويأتي هذا بعد الخطوة الأساسية، التي اتخذها النظام السوري قبيل الثورة، والتي تمثلت في التوقيع على اتفاقيات التجارة الحرة، التي أثرت بأضرار بالغة على الصناعة الوطنية، وتسببت في إغلاق كثير من الصناعات الوطنية وخسارتها، التي لم تستطع المنافسة حتى مع السلع العربية والتركية.

باختصار استفاد نظام بشار من الحرب كثيرًا في استكمال مشروعه المتمثل في خصخصة القطاع الحكومي والانصياع لإملاءات البنك وصندوق النقد الدوليين.

وفي عام 2014، وافقت اللجنة الاقتصادية في رئاسة الوزراء السورية، على مذكرة وزارة الصناعة المقدمة من شركة خاصة، لتشتري شركة صناعة الأخشاب باللاذقية وشركة الحرير الطبيعي بدريكيش وشركة تعبئة مياه نهر السن بطرطوس، مع ظهور مؤشرات توحي باقتراب التنازل عن حصة الدولة السورية، في شركتي «الخلوي»، وطرح قطاع الكهرباء للاستثمار أمام القطاع الخاص.

بوضوح فإن ظروف الحرب بسوريا قد أعطت الفرصة الكبيرة لبشار في تدمير ما تبقى من الصناعة الوطنية، وفي التخلص التام من إرث رأسمالية الدولة، الذي تركه له والده؛ ذلك التدمير الذي شرع فيه بشار منذ توليه السلطة في بدايات الألفية الجديدة، لفتح الطريق أمام الخصخصة واقتصاد السوق الحر.

الأحلام التي تحولت إلى رصاص في بنادق المتحاربين بالوكالة

 

«سيأتي الموت، لكن أبدًا، أبدًا؛ لن يأتي النسيان». – الشاعر السوري نزيه أبو عفش

هذه الجملة المكثفة للشاعر السوري نزيه أبو عفش، في ديوانه الشهير «أهل التابوت»، الذي صدر عن دار المدى عام 2001، تصلح لكي تصبح عنوانًا لتراجيديا الثورة السورية، لكن ليست الجملة فقط، بل إن نزيه أبو عفش نفسه، يصلح لأن يكون وجهًا من وجوه تراجيديا الثورة السورية.

فالشاعر السوري هو الذي قال سابقًا: «إن ما نشهده الآن على امتداد الخريطة العربية، ليس زواجًا كاثوليكيًا بين الأنظمة وشعوبها: إنه اغتصاب أبدي»، وهو الشاعر الذي يعرف خصومه قبل محبيه أنه لم يعمل عند النظام يومًا، بل إن النظام الأسدي قد اضطهده وظلمه كثيرًا.

لكن الشاعر اليائس من كل شيء، حين زارت الثورة مدينة يأسه بعد كل هذا العمر الحزين، رفضها بكل قوة، وأصبح يدافع عن النظام بسبب الفوبيا التي تعتريه من الإسلام السياسي، وخوفه من أن بديل الأسد سيكون طائفيًا أصوليًا، وبدلًا من أن يستقبل الشاعر الثورة بعد كل هذه السنين من اليأس والاضطهاد بالترحاب، استقبلها قائلًا:

يا ربَّ الأرضْ

يا ربّ الشعراء، والحالمين، وفاقدي الأملْ.

ربّ الخائفين، والثكالى، والطيرِ، وضِعافِ البهائمْ

يا ربَّ الأرضْ

إنْ لم تستطعْ إصلاحَها

اجعلْها خرابًا!

ربما لم يكن الشاعر اليائس جياش المشاعر، ليستقبل الثورة بكل هذا الخوف، لو أن نظامين سياسيين آخرين كانا يحكمان طهران والرياض.

في الواقع لم تترك طهران والرياض بقعة من بقاع الربيع العربي، إلا وتحاربا داخلها، لكن كان هناك هدف أساسي واضح عند كل منهما في مواجهة الربيع العربي، هو منع انتقال ذلك الربيع إليهما.

فالنظام الإيراني كان قد تعرض لذلك النسيم المزعج، في مظاهرات الشباب الإيراني عام 2009، وكذلك المملكة العربية السعودية، كانت تعلم جيدًا طبيعة البؤر الثورية القابلة للاشتعال في الجزء الشرقي منها، وقد فصلنا في تقرير سابق، كيف حاولت المملكة أن تمنع بكل قوة نسائم الربيع العربي من الوصول إليها، كما أن كلا النظامين يعلم أنه قائم على عكس كل ما تنادي به ثورات الشباب، حيث يستقر في كليهما نظامًا ثيوقراطيًا مستبدًا.

منذ البداية أعلنت طهران دعمها الكامل لحليفها الأسد، واعتبرت أن ما يحدث ضده هو مؤامرة إمبريالية كونية، ومنذ البداية أرسلت مستشاريها العسكريين لمساعدة القوات الحكومية ضد الثورة، وفيما بعد اعترفت بتكثيف وجودها العسكري داخل سوريا لقتال أعداء الأسد، الذين أطلقت عليهم وصف «الإرهابيين»، بالإضافة إلى دعمها لحزب الله، كي يدفع جنوده للقتال على الأراضي السورية ضد أعداء الأسد؛ وهو ما دفع الثورة للظهور بمظهر الثورة السنية الطائفية ضد الشيعة في الأراضي السورية.

أما المملكة العربية السعودية، والتي اكتشفت فجأة أنها تكره الأنظمة الدكتاتورية، فقد تبنت الثورة السورية منذ يومها الأول، وطالبت الأسد منذ بداية الانتفاضة بالتنحي عن السلطة، ومن ثم قامت
بدعم تكتلات جهادية سلفية عسكريًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا، كي تقاتل الأسد وتتصدر المشهد الثوري ضده.

ويقول لنا المفكر سلامة كيلة في هذا الصدد أن المملكة العربية السعودية بتصرفاتها، قد تعاونت مع النظام في مهمته التي استهدفها منذ بداية الثورة، المتمثلة في تحويلها أمام أعين العالم كثورة طائفية إسلامية أصولية، حيث لعبت المملكة على دعم المتطرفين، وعلى أسلمة الكتائب المسلحة عبر الإيهام بالدعم المالي، وأبرزت شخصًا مثل الشيخ السلفي عدنان العرعور، وكأنه قائدًا للثورة، وأقامت له قنوات فضائية خاصة، وبذلك قدمت السعودية لنظام بشار خدمة كبيرة، بعد قيامه هو الآخر بالإفراج عن الجهاديين المحبوسين في سجونه عامي 2011 و2012، كي ينخرطوا في قتاله بعد ذلك، وتظهر الثورة وكأنها حرب طوائف تسودها النزعات التكفيرية.

وجدير بالذكر هنا أن الصحفي البريطاني، وكبير الكتاب في الجارديان ديفيد هيرست، كان قد كشف في عام 2014، عن أن فصل الأمير السعودي بندر بن سلطان من موقعه كرئيس للاستخبارات السعودية، كان أحد أسبابه، هو سخط الإدارة الأمريكية عليه، حينما اكتشفوا أن المال السعودي قد انتهى به المطاف في أيدي مقاتلين سوريين ولاؤهم للقاعدة؛ حيث وجدوا أن هذا المال لم يكن مسخرًا لإسقاط الأسد، وإنما لتعزيز قدرات داعش وجبهة النصرة.

بحلول ديسمبر 2013، كانت إيران قد دعمت الأسد، بـ10 آلاف رجل يتواجدون على الأراضي السورية، من مقاتلي الباسيج، والمقاتلين العراقيين الشيعة، والمتطوعين الشيعة ذوي الجنسيات المختلفة، إلى جانب تقديمها الدعم التقني لقواته، هذا بالإضافة إلى حزب الله الذي نشط للغاية في الدفاع عن الأسد، وكانت له الكلمة الفصل في عديد المعارك التي دارت بين النظام وأعدائه.

في المقابل دعمت المملكة العربية السعودية بالسلاح والمال، الجماعات الوهابية المسلحة مثل «جيش الإسلام»، ودعمت كلّ من قطر وتركيا جيش أحرار الشام الأصولي، بعدد مقاتلين يتراوح بين 10 آلاف إلى 12 ألف مقاتل، وقد دعمت قطر على وجه الخصوص جماعة الإخوان المسلمين السورية، ومجموعة ممن تربطهم علاقات قوية بتنظيم القاعدة.

هذا بالإضافة إلى الآلاف من الأصوليين، الذين يتوافدون على سوريا تحت رايات الجهاد، وينضم العديد منهم إلى داعش.

يأتي هذا كله تحت دعوى محبة الشعب السوري والرغبة في مستقبل طيب له، ذلك الشعب الذي هاجر أكثر من 50% منه أراضيه، وقُتل منه نحو 220 ألف قتيل، بالإضافة إلى الأعداد الغفيرة من المصابين والمعذبين؛ ذلك الشعب الذي تقول منظمة العفو الدولية أن أكثر من 12.8 مليون مواطن ينتمون إليه، يحتاجون إلى مساعدات إنسانية ملحة.

وقد دفع هذا الأمر برمته، الباحث في العلوم السياسية حكيم الخطيب، في مقال له منشور على موقع قنطرة، ليلاحظ أنه وسط تلك الحرب بالوكالة المشتعلة في سوريا، لم تقدم دول الخليج ولو مكانًا واحدًا، لإعادة توطين اللاجئين السوريين.

وجدير بالذكر هنا، أن تلك الحرب بالوكالة تتصدرها المكاسب الهائلة لشركات السلاح الأمريكية والروسية، التي يتقاتل معظم المتحاربين بالوكالة في سوريا بأسلحتها.

لكن زاوية أخرى للنظر كان قد طرحها الكاتب السوري طارق العلي حين سألناه هل تحولت الثورة السورية نفسها إلى حرب بالوكالة؟

وكانت إجابته أن «الحرب السورية لم تحول «الثورة»، ولا أغلب الفصائل الثورية أو المقاومة، إلى متحاربين بالوكالة؛ ببساطة لأن الذين يقاتلون على الأرض يقاتلون لسلسلة كبيرة وثقيلة ومعقدة من الأسباب، التي تعنيهم هم قبل غيرهم، كما أنهم لم يحققوا بعد طموحاتهم وأهدافهم الخاصة، بالإضافة إلى أنه لا حل حقيقي بين طرفي النزاع في سوريا إلى أن ينتهي أحدهم، بالإضافة إلى أن الآخر يحتاج إلى الذي على الأرض كما يحتاج هذا الأخير له. الكلام أعلاه ينسحب على الجميع، الثورة وأعدائها، كما أنه لا يعني تبرئة الثورة، وفصائلها، والمقاومة السورية من التبعية، وإنما يعني بدل الوكالة أن هناك حالة تضخم واستطالة للحرب السورية. وهذا الفرق دقيق وضيق؛ هو فويرق؛ لكنه حاسم في فهم المشهد السوري».

وأضاف طارق: «أود أن أؤكد على أهمية رفض توصيف الحرب بالوكالة، وهو توصيف شائع، وهو يستخدم على اعتبار أن قضايانا هي انعكاس لخلافات دولية فقط. الفكرة أننا لو أخذنا فصائل الثورة والمقاومة المحاصرة في داريا أو الغوطة الشرقية أو حمص أو حتى في الجنوب؛ فسنجد أنها قاتلت وتقاتل بدافع المقاومة أولًا والتحرر ثانيًا، وهذا يعني أنها تخوض حربها لأنها مستهدفة بحرب إبادة، والخلاف بيننا وبين نظام الأسد، أكبر من الخلاف بين قوتين إقليميتين، بمعنى أنها حربنا أولًا، ربما دخلت الفصائل نتيجة طبيعة الحرب الحديثة والنظام العالمي في اصطفافات، نعم، لكنها لا تقاتل بالوكالة، وربما يمكنك مثلًا أن تصف مليشيا شيعية وافدة من العراق بأنها تقاتل بالوكالة عن إيران، لكن لا يمكنك أن تطلق على عشرات فصائل الثورة من الجيش الحر في حلب، والذين يدافعون عن قراهم ومدنهم وعاصمتها، بأنهم يقاتلون بالوكالة عن أحد، حتى لو دعمهتهم هذه الدولة أو تلك».

في الواقع يحاول طارق الفصل في إجابته بين حقيقة وجود قوى إقليمية تحاول تحقيق مصالحها داخل سوريا، وبين استخدام بعضهم لهذه الحقيقة لكي يقولوا إنه أيًّا كان الرأي في تلك الثورة ومشروعيتها، فإنها لم تعد ثورة، بل تحولت إلى حرب لقوى إقليمية، ومن ثم فلا يوجد أي مبرر لدعمها بعد الآن، والجدير بالذكر أن هذا الرأي يجد نفسه بقوة حتى بين صفوف اليساريين الراديكاليين في العالم.

وكانت إجابة المخرج السوري عبد الرحمن الكيلاني قريبة للغاية من هذه الإجابة، لكن بمزيد من الشجن حيث قال: هناك حرب بالوكالة بدون شك، في الوقت الذي ما يزال تحقيق مطالب الثورة فيه مكننًا ولو بالحد الأدنى، صحيح أن الأمور صعبة ومأساوية، لكني أعتقد أنه ما دام هناك من يطالب ويحاول ويقاتل ويصر حتى النهاية، ثمة فرصة ما وثمة أمل، قد لا ننجح اليوم، لكنا سننجح غدًا، أو سننجح في النهاية.

وأضاف: «بالنسبة للثوار هم يقاتلون في معركتهم حتى النهاية، ولا يفكرون كثيرًا في إن كانوا يخوضون حربًا بالوكالة عن أحد، بالنسبة لهم هذا قتال في الاتجاه الصحيح، ويجب استثمار الظروف للانتصار فيه».

وختم حديثه في هذا الأمر بالقول: «في بداية الثورة كنا بسطاء، وراهنا أننا سننتصر في أشهر وأن العالم حتمًا سيتدخل، كنا حالمين للغاية، وأعتقد أننا بدون ذلك ربما لم يكن بإمكاننا أن نكمل!».

كتاب الثورة: باب الحب واليأس

ثورة سوريا

الصورة من فيلم عودة الابن الضال 1976، الذي كتب قصته الشاعر المصري صلاح جاهين وعبر فيه عن كل مشاعره حيال أحلامه الثورية التي تحطمت بعد هزيمة 1967.

الثورة خبرة فريدة في حياة الفرد، يختبر فيها المرء المشاعر القصوى، ولم يؤرَخ لثورة، لم تكن من ذكرياتها الحب واليأس.

فيما يخص الحب، قال لنا الكاتب السوري رائد وحش: «يمكن اعتبار فترة الثورة السلمية فترة للحب، كثير من الصبايا والشباب تعارفوا في العمل الإغاثي والإنساني، ومنهم من كانت الثورة عرّاب زواجه، حلم جماعي قائم على الحب كالثورة من الطبيعي أن يكون أرضًا خصبةً تولّد الحبّ، لكن انتقال المشهد إلى الحرب والدم والتهجير، نفى الحب كإمكانية؛ فحيث يعلو مستوى الأنانية والرغبة بالخلاص الفردي، يقل حضور الحب».

وأما عن اليأس فقد قال لنا المخرج السوري عبد الرحمن الكيلاني، بشجن بالغ: «أنا حزين لواقعنا السوري، لكني من ناحية لست أنا، ولا أي من الثوار السوريين، المتسببين الرئيسيين فيه، ومن ناحية أخرى لست نادمًا، لأنه كانت بالنسبة لي المحاولة والهزيمة خير من الاستسلام للأبد، فالوطن كان يتجه نحو مزيد من السقوط والهاوية. نشعر باليأس بطبيعة الحال والأمور تتعقد أكثر، ونشعر بأن القرار والتأثير يتسرب من أيدينا، وأننا صرنا متفاعلين بدل أن نكون الفاعلين».

في الواقع لقد استُبدلت مشاهد الحب الأولى التي تحدث عنها رائد، بمشاهد أخرى من خيبة الأمل.

مشهد الطفل السوري عثمان النجار «12 عامًا»، وهو يخرج من أسفل سيارة ويديه ملطختين بزيت السيارات والشحم، حيث يعمل في ورشة ميكانيكا لإصلاح السيارات بعد نزوحه إلى دمشق من الغوطة الشرقية، كان واحدًا من تلك المشاهد.

وتذكر وكالة الأنباء الفرنسية في تقرير لها، أن عثمان قد قال لمراسلها والدموع في عينيه: «أشعر بأنني كبرت، كنت قبل الأحداث أدرس وألعب، أما الآن، فوجهي بوجه محركات السيارات والزيت والشحم، هكذا أصبحت حياتي، وليس بيدي حيلة».

ترك عثمان الدراسة بسبب الثورة، وتحولت أحلامه بدراسة الهندسة؛ حيث كان متفوقًا في مادة الرياضيات، إلى كوابيس الشحم على يديه الصغيرتين.

بعد كل هذه الأعوام لم تستطع الثورة أن تلبي أحلام عثمان الصغيرة جدًا، المتمثلة في العودة إلى مقعده الدراسي، وأن يمتلك الهاتف الجوال الصغير واللعبة الصغيرة اللذان يحلم بهما ليل نهار.

جدير بالذكر هنا أن العديد من أطفال المدارس الذين فجروا تلك الثورة، قد توقفوا عن التعليم، حيث فشلت المعارضة السورية في أن تخلق نظامًا تعليميًا بديلًا يقوم على فلسفة ثورية، ليس الفشل فحسب وإنما عدم الاكتراث، حيث كان الحسم العسكري هو الأولوية الوحيدة لكافة الأطراف المتصارعة في سوريا؛ دون أدنى نظر إلى أولويات أخرى شديدة الخطورة، مثل أطفال سوريا الذين توقفوا عن التعلم.

في الواقع، وحتى لو صارت الأمور على أفضل الاحتمالات بالنسبة للثوار السوريين، فإن هناك مستقبل من اليأس والعدمية سينفجر بمجرد ما تهدأ الحرب وتستقر الأمور على أية حال، حتى لو بقت سوريا موحدة وصعدت المعارضة إلى سدة الحكم، بدلًا من الأسد.

فالواقع أن السؤال الوحيد، الذي وجد إجابة واحدة من كافة المصادر التي تواصلنا معها في هذا التقرير، هو السؤال عن عدم امتلاك كافة تيارات المعارضة السورية، لأي رؤية ذات مضمون اقتصادي اجتماعي، وعدم امتلاكها لأي رؤية علمية لمستقبل سوريا بعد الأسد.

كانت الإجابة التي اتفق عليها الجميع: «نعم، للأسف، هذا حقيقي. قوى الثورة ليس لديها أية رؤية واضحة لما بعد الحرب، ولا تملك أية رؤية ذات مضمون اقتصادي اجتماعي وهي بالكاد تفكر باليومي».

لذا فالواقع يقول إن الثورة السورية وبخلاف كل الجراح التي تعتريها، هي في انتظار مقترب لموجات قاسية من خيبة الأمل، للعديد من الأشخاص الذين كانت لديهم آمال كبيرة لثورتهم الاستثنائية وتضحياتهم النفيسة.

الأكيد أن المرحلة القادمة من الثورة بعد انتهاء الحرب، واستقرار الوضع من جديد على أية هيئة، وحين يكتشف الثوار الشباب أن هؤلاء المعارضين المتحدثين باسمهم، لا يحملون أية خطة للمستقبل تليق بحجم التضحيات، ستبدأ موجة كبيرة من اليأس، موجة تشبه تلك التي أدت إلى انتحار العديد من الثوريين الروس بعد سيطرة ستالين على الحكم، أو تلك الموجة العاصفة من اليأس التي اعترت قطاع من جيل الثورة الإسلامية في إيران، بعد اتخاذ الثورة منعطفًا قمعيًا واضحًا في ظل الجمهورية الإسلامية، أو حتى تلك الموجة من الانتحارات والعدمية، التي أصابت الثوار الشباب في مصر، بعد ما رأوا فيه أنه فشل لثورتهم التي قاموا بها عام 2011.

عرض التعليقات
تحميل المزيد