لم تفق تركيا بعد من صدمة رؤيتها لصور القوافل العسكرية وهي ترفع العلم الأمريكي بيد أفراد من وحدات حماية الشعب الكردية في سوريا، حتى «أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية» (البنتاغون) عن تسليح قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تشكل وحدات الشعب عمودها الفقري.

تركيا التي تعول كثيرًا على زيارة رئيسها للولايات المتحدة الأمريكية، تواصل معركة التصريحات التي تظهر تخوفها من الشراكة الأمريكية مع أكراد سوريا، كما يواصل المراقبون الحديث عن خياراتها في حال أصرت واشنطن على موقفها الداعم للأكراد مقابل خسارة حليف كتركيا، ولكن ما هي الأوراق التي تملكها تركيا لمواجهة الشراكة الأمريكية مع الأكراد؟

تركيا تحاول سحب البساط الأمريكي

اجتهدت تركيا بفتح صفحة جديدة مع الولايات المتحدة الأمريكية مع قدوم الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» للسلطة في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، وتفاءلت أن تكون هذه الإدارة متعاونة معها في القضايا الخلافية التي كانت عالقة منذ إدارة «باراك أوباما».

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان

على قائمة هذه القضايا الخلافية، تتربع الشراكة الأمريكية مع أكراد سوريا، فالخطوات الأمريكية نحو دعم الوحدات الكردية شمالي سوريا تسير بوتيرة متسارعة، بينما تؤكد تركيا على أن «وحدات حماية الشعب» الكردية منظمة إرهابية متصلة بـ«حزب العمال الكردستاني» المحظور في تركيا، والذي يخوض تمردًا في جنوب شرق تركيا منذ عام 1984، وتصر تركيا على أن دعم هذه القوات يشكل تهديدًا حقيقيًا للأمن القومي التركي.

على جانب آخر، تصر واشنطن على الاعتماد على الأكراد باعتبارهم حليفًا فعالًا في المعركة الضارية ضد «تنظيم الدولة»، كونهم على مستوى عال من الإعداد العسكري. يقول «ديريك تشوليت»، الذي شغل منصب مساعد وزير الدفاع في إدارة الرئيس «باراك أوباما»: «لا تشاطر الولايات المتّحدة أردوغان وجهة نظره، أنّ الأكراد السوريّين وحزب العمّال الكردستاني هم نفس الشيء بطريقةٍ أو بأخرى. ترى الولايات المتّحدة في الأكراد السوريين شركاء جيّدين».

مركبات عسكرية ترفع العلم الأمريكي على الحدود السورية التركية (المصدر: ترك برس)

وقد حاولت تركيا بشكل واضح كما أظهرت تصريحات عدة للرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» حث واشنطن على عدم الاعتماد على الأكراد في معركة الرقة وغيرها، وعرضت  التعاون معها، مقدمةً عدة وسائل بديلة عن الأكراد، كالاعتماد على المعارضة السورية في هذه المعركة، وقد وصل الأمر بـ«أردوغان» في إطار سعيه لمنع هذا التعاون للقول بأن تركيا تمتلك ما يثبت من وثائق وتسجيلات أن المليشيات الكردية التي تتلقى الدعم والأسلحة من إدارة الرئيس الأمريكي السابق أوباما قد تتقاسم هذه الأسلحة مع «تنظيم الدولة الإسلامية».

ويبدو أن زيارة «أردوغان» القريبة (يومي 16 و17 مايو (أيار) الجاري)، للبيت الأبيض تهدف في المقام الأول إلى إقناع السلطات الأمريكية بالعدول عن دعم تنظيمي الاتحاد الديمقراطي، وقوات حماية الشعب الكردي في سوريا.

يشار إلى أن تركيا اتخذت خطوات على الأرض، عندما أقدمت في أيار (نيسان) الماضي على قصف مواقع لقوات كردية في شمال شرق سوريا، فردت الولايات بنشر قوات لها على الحدود التركية – السورية في محافظة الحسكة، باعتبارها رسالة واضحة للأتراك مفادها أن القصف التركي لـ«وحدات حماية الشعب الكردية» تعد للخط الأحمر من شأنه أن يؤثر في الحرب ضد «تنظيم الدولة»، وفي ذات الشهر اعترفت وزارة الدفاع الأمريكية بالعمل مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد).

الغضب التركي يتصاعد

«لن يأخذ مستقبلًا في الاعتبار وجود عربات مصفحة أمريكية هناك، ويمكن أن يحدث من خلال المصادفة البحتة، أن تصيبهم (الأمريكان) بضعة صواريخ تركية»، كان هذا جزءًا من تصريح مستشار الرئيس التركي «إلنور تشيفيك»، يحمل تهديدًا ضمنيًّا واضحًا للقوات الأمريكية.

قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في مؤتمر صحفي

جاء التصريح السابق ردًا على إعلان وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) عن موافقة «ترامب» في العاشر من الشهر الجاري على تسليح قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، حيث ستزود تلك الوحدات بذخيرة وأسلحة خفيفة ورشاشات ثقيلة وبنادق آلية وجرافات وآليات عسكرية.

بالطبع، فإن إعلان البنتاجون أن «واشنطن ستعمل على استعادة هذه الأسلحة في وقت لاحق بعد هزيمة التنظيم المتشدد (تنظيم الدولة)»، وإعلان المتحدث باسم «التحالف الدولي» جون دوريان: أن «كل قطعة سلاح تسلم إليهم ستوجّه إلى تنظيم داعش»، لا يمنحان تركيا أي طمأنة، فقد عجلت لإبداء وتكرار تخوفها من تكريس وجود القوات الكردية في الشمال السوري، ودعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الولايات المتحدة إلى «التراجع فورًا عن قرار تسليح الأكراد».

أوراق القوى التركية

بينما لا تملك إدارة الرئيس الأمريكي «رونالد ترامب» في نظر البعض رؤية واضحة للشأن السوري، وللعلاقة المحتدمة بين تركيا وأكراد سوريا، تملك تركيا بعض المقومات التي تمكنها من إفساد الشراكة بين الولايات المتحدة الأمريكية وأكراد سوريا.

جندي تركي على الحدود التركية السورية

تمتلك تركيا العديد من الأوراق التي تمكنها من الرد على أمريكا أو أن تدفعها لتغيير موقفها، بدايةً من إمكانية الدخول في حرب مباشرة ضد وحدات حماية الشعب في أكثر من منطقة على الحدود السورية التركية، وليس انتهاءً بإمكانية منع القوات الأمريكية من الوصول لقواعدها الجوية الجنوبية المستخدمة في شنّ الغارات الجوية في سوريا والعراق، كما أن حزب العمال الكردستاني المصنف عالميًا بوصفه منظمة إرهابية، والذي له علاقته مع قادة المليشيات الشيعية في العراق، في المحصلة يضع تقاربه مع طهران واشنطن في موقف محرج، ولا يمكن إغفال تقارب هذه القوات مع رئيس النظام السوري «بشار الأسد»، حيث دعت هذه المجموعات النظام لأخذ السيطرة على العديد من القرى القريبة من خط الجبهة مع تركيا، ليكون تواجد الحكومة السورية حاجزًا محتملًا أمام التقدّم التركي.

وتشكل معركة الرقة، محطة ينعكس عليها الموقف التركي من الدعم الأمريكي للأكراد، فقد أكد تقرير مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية على أنه «حتّى وإن انتهت الولايات المتّحدة إلى الاستمرار في دعم القوّات الديمقراطية السورية في الرقّة، فإنّ عدم التفاهم مع تركيا سيعرقل الهجوم. وقد حاولت القوّات التركية والقوّات المدعومة من تركيا التقدّم مؤخرًا نحو مدينة منبج، غرب الرقّة، وكانت الخطوة التالية هي دفع الأكراد بعيدًا عن حدودهم».

تحدثنا إلى الباحث المهتمّ بدراسة الأقلّيّة الكرديّة وحراكها السياسيّ «مهند الكاطع»، ليضيف لنا: «أن الحدود الطويلة التي تملكها تركيا مع سوريا تجعلها في موقع أكثر قوة في أي حل للملف السوري لا يمكن تجاهله».

ويوضح «الكاطع» أن الدعم الأمريكي لفصيل من الأكراد يشكل ضغطًا على تركيا، فتركيا من ناحيتها تعتبر مسألة العمال الكردستاني مسألة أمن قومي تركي، مضيفًا: «هناك حد تصل عنده الأمور لن تقبل بتجاوزه حتى لو كان الأمر سيدخلها بحرب شاملة أو حتى دولية، لأن إقامة العمال الكردستاني لأي كيان كردي في سوريا يعني بالضرورة بدء سيناريو تقسيم لتركيا لعدة كيانات إثنية وطائفية وهذا يعني إنهاء تركيا».

ويستبعد «الكاطع» خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن يترك ترامب علاقة استراتيجية مع تركيا، ويقيم علاقة استراتيجية مع ميليشيا العمال الكردستاني، ويقول: «أعتقد سيكون بمثابة إعلان الحرب على تركيا، وأعتقد أن أمريكا لن تغامر بمصالحها مع تركيا، أتوقع أن العلاقة ستنتهي بين أمريكا والأكراد على نحو انتهائها بين أمريكا وبن لادن في أفغانستان».

قوات تركية على الحدود التركية السورية

من جانبه، يؤكد الكاتب في صحيفة «الجارديان» البريطانية، رانج علاء الدين، على أن «تحالف الولايات المتحدة الأمريكية مع أكراد سوريا سيجعل من الولايات المتّحدة هي الخاسر الأكبر؛ كون  المجاميع التابعة لوحدات حماية الشعب في سوريا – وإن بدت أنها نجحت في محاربة تنظيم الدولة – فإنها أيضًا أغضبت الكثير حتى من أبناء شعبها الكردي؛ لكونها تتحالف مع بشار الأسد في العديد من المناطق التي توجد فيها».

ويشدد المختص بالحرب على «تنظيم الدولة» على أن «تركيا قادرة على إفساد اتفاق الشراكة بين الولايات المتحدة الأمريكية وأكراد سوريا، فلتركيا تجربة سابقة في التعامل مع هذه الفصائل المسلّحة، ولديها القدرة على ضربها في عمق الأراضي السورية».

الباحث المتخصص في العلاقات الدولية «علي حسين باكير» وخلال استعراضه لخيارات تركيا في التعامل مع الموقف الأمريكي من الأكراد، لم يستبعد  قيام تركيا بإطلاق عمليات عسكرية تركية جديدة في شمال سوريا، على أن تُطلق بالتزامن مع تغوّل الميليشيات الكرديّة في عملية الرقة، بعيدًا عن الحدود المشتركة مع تركيا، ويضيف: «هذا الخيار يعتمد على قيام قوات تركيّة بالهجوم مباشرًة أو بإسناد المهمة إلى فصائل من المعارضة السورية، على أن يتم دعمها وتمكينها بشكل جيّد، لكن هذا الخيار لن يكون سهلًا بطبيعة الحال، وقد يثبت أنّه مرتفع التكلفة أيضًا على الجانب التركي سياسيًا وماليًا وبشريًا».

الموقف الروسي لصالح تركيا

بينما يحظى لقاء الرئيسين التركي والأمريكي بترقب هام، لا تخرج توقعات المراقبين لهذا اللقاء عن تمخضه عن خيارين، أولها: الوصول إلى تفاهم عالي المستوى بين الطرفين، وثانيهما: وقوع قطيعة تنعكس في كلتا الحالتين على الوضع في سوريا.

الرئيسان الروسي والتركي

وهنا يمكنا الحديث عن الموقف الروسي الذي لا يمكن إغفاله في الموقف من أكراد سوريا بين تركيا وأمريكا، فتعميق التعاون بين تركيا وروسيا محتمل في وجه الولايات المتحدة، فواشنطن التي تدرك أهمية التحالف مع أنقرة في وجه موسكو، يسكنها الخوف من تشكل قوة إقليمية جديدة تضم الصين وروسيا وإيران، في ظل تراجع الاقتصاد بأمريكا وأوروبا، وكما يقول أستاذ التخطيط الاستراتيجي في الجامعات الأمريكية، صفي الدين حامد: إن «العلاقات الأمريكية الروسية شهدت عدة مشاحنات؛ مما يجعل ترامب في أشد الحاجة إلى أنقرة اليوم لتكون جسرًا واصلًا بين موسكو وواشنطن».

وهنا يؤكد لنا الصحفي السوري المهتم بالشأن التركي «عبو الحسو» أن زيادة تركيا لعلاقات تحالفها مع روسيا والصين على حساب الولايات المتحدة سيؤدي إلى فقدان أمريكا لحليف قوي لها في المنطقة، مستدركًا لـ«ساسة بوست»: «لا بل على تحولها إلى مشاكس، إن لم نقل إلى عدو يهدد مصالح ونفوذ أمريكا في المنطقة إلى الخطر»، مضيفًا: «أمريكا تسير في اتجاه تصادمي مع تركيا فلم تكتفِ بتفضيلها وحدات حماية الشعب في حربها على (تنظيم الدولة) وتحرير الرقة، بل ذهبت أبعد من ذلك؛ بتسليحها بمعدات وأسلحة ثقيلة ستستخدمها عاجلًا أم آجلًا ضد تركيا».

في تفاصيل أكثر، يمكن القول إن الولايات المتحدة لا تملك أي تأثير في شمال غرب سوريا، بينما روسيا تسيطر على المجال الجوي لهذه المنطقة، حتى يمكنها ذلك من منع تركيا من طرد وحدات حماية الشعب من تل رفعت أو عفرين، وقد حدث أن سارعت روسيا في مارس (آذار) الماضي، للانتشار في قرية بلبل شمالي عفرين بالقرب من الحدود التركية متصدية للانتشار التركي، كما حذرت وحدات حماية الشعب في حالة عدم السماح لقوات النظام السوري بدخول تل رفعت، فتركها في مواجهة الضربات التركية.

ويرى المراقبون أن ذلك يعزز احتمال حدوث صفقة روسية – تركية حول إدلب المتاخمة لتركيا، فتركيا يمكنها أن تساعد روسيا في إنهاء هذه المهمة، يقول الباحث في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى «فابريس بالانش»: «إذا كانت روسيا تريد قصف أهداف لهيئة تحرير الشام القريبة من الحدود وجبل التركمان، فإن الوصول إلى المجال الجوي التركي سيوسع مساحة المناورة».

المصادر

تحميل المزيد