على مدار خمس سنوات من الحرب السورية، ظل المواطن السوري المُتضرر الرئيسي بشكل مُباشر، جراء تبعات هذه الحرب، على أنماط حياته المختلفة، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا. أحد أبعاد هذا التأثير، هو البعد الاقتصادي للحرب، التي تطل بصورة مُباشرة على حياة المواطن الفقير، في جوانب عديدة، تتمثل في التراجع الحاد للقيمة الفعلية لليرة السورية، والتراجع الحاد لمعدلات الإنتاج بالقطاعات الحيوية المولدة للعملة الصعبة لسوريا، وكذلك العجز الهائل في الميزان التجاري، وهي القضايا التي يتعامل معها النظام بمنطق التحايل، بإطلاق دعوات للتقشف، دون رغبة جدية في وضع حلول لها.

تدهور في القيمة المالية

مع بدايات عام 2011، كانت نشرات المصرف المركزي السوري، تُظهر سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية، بـ46.89 ليرة، قبل أن تدخل سوريا نفقًا مظلمًا، بالحرب المفتوحة بين النظام السوري وفصائل المعارضة المُختلفة، لتصل قيمة الليرة في 2014، إلى 173.07 ليرة، فيما كان السعر الرسمي المتداول للدولار في السوق، ما بين 199 و202 ليرة.

مطلع أبريل (نيسان) الجاري، تجاوز سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الأميركيّ، 500 ليرة. ويبدو للمحللين الاقتصاديين، أن هذا التدهور في القيمة الفعلية لليرة السورية، مُرشح أن يتضاعف على المدى البعيد، على خلفية اسنداد أي قنوات للحوار أو التهدئة بين الأطراف المتصارعة داخل سوريا.

تُشير إحدي دراسات البنك الدولي، إلى انخفاض إجمالي الناتج المحلي السوري، بنحو 15% عام 2015، فيما ارتفع معدل التضخم بشكل هائل عام 2013، حتى وصل إلى 90%. واتسعت الفجوة بين البنك المركزيّ والسوق السوداء حول سعر صرف الليرة السوريّة، إذ يصل الفارق في السعر من 10 إلى 15 ليرة، بعد تراجع البنك المركزيّ في دمشق عن تنفيذ الوعود التي أطلقها، حول نيّته ضخّ قطع من النقد الأجنبيّ، في السوق للتخفيف من وطأة الفارق بين السعر الرسمي وفي السوق السوداء.

التراجع في قيمة الليرة أمام الدولار الأمريكي، وانخفاض الناتج المحلي، أدى لانخفاض حاد في القوة الشرائية لليرة السورية، ما انعكس بالضرورة على أسعار السلع الغذائية، ومستلزمات الحياة للمواطن السوري.

لكن هذا التراجع في القيمة الفعلية لليرة السورية، بدت انعكاساته كذلك على أنماط التدبير المالي للمواطن السوري، الذي دأب للتخفيف من عبء هذه الأزمة، عن طريق التخلّص من العملة المحليّة، باستبدالها عبر مكاتب الصرافة، بعملات أجنبيّة كالدولار الأميركيّ والليرة التركيّة، وذلك بسبب انخفاض القوة الشرائية لليرة .

 القطاعات الحيوية في سوريا: تراجع حاد للإنتاج.. وهجرات لرأس المال

 الزراعة:

كان القطاع الزراعي، الأقل من حيث حجم الخسائر المالية، مقارنة بالقطاعات الإنتاجية الأخرى، فقد بلغ حجم خسائر قطاع الزراعة في الناتج المحلي 9.6%، وذلك حتى الربع الثالث من عام 2013، بالتوازي مع انخفاض إنتاج سوريا من القمح في نهاية 2014، إلى أكثر من 52%، عن معدلاته بين عامي 2001 و2010 .

كما ساهم الجفاف والصراع المسلح، في تراجع أداء القطاع الزراعي، حيث انكمش الناتج المحلي الإجمالي للزراعة، في عام 2013 بنسبة 36.2%، وانكمش الإنتاج الحيواني إلى 41% بالنسبة للأغنام، و52% بالنسبة للدواجن، و29% بالنسبة للأبقار، مقارنة بعام 2012.

اقرأ أيضًا: أزمة مياه في الشرق الأوسط: دول عربية مهددة بالجفاف قريبًا

الصناعة:

حسب التقديرات الحكومية الرسمية، فقد بلغت خسائر القطاع الصناعي، حتى نهاية العام 2013، حوالي 2.2 مليار دولار أمريكي، كان من نصيب خسائر القطاع العام 500 مليون دولار، تكبدها نتيجة ظروف الحرب التي تعيشها سوريا .

وكانت حلب، معقل المنشآت الصناعية في سوريا، هي الأكثر تعرضًا للخسارة. وقد انتقل من حلب أكثر من ألف معمل ومصنع صغير، إلى تركيا، نُقلت بمعداتها.

واحتل قطاعي الصناعة الاستخراجية، والصناعة التحويلية، الصدارة في حجم الخسائر بقطاع الصناعة، نتيجة خروج الكثير من المنشآت والآبار النفطية عن سيطرة النظام، ووقوعها في مناطق صراع، حيث بلغت خسائر الأولى 14.4% من إجمالي خسائر الناتج المحلي الإجمالي.

التجارة:

احتل قطاع التجارة، المرتبة الأولى ضمن القطاعات الرئيسية في حجم الخسارة، إثر الحرب السورية، إذ بلغ حجم خسائر هذ القطاع 22.8% من إجمالي خسائر الناتج المحلي، على خلفية الصعوبات البالغة في نقل البضائع، وانخفاض الطلب في السوق المحلية.

كما انخفضت الصادرات في الربع الأول من السنة الجارية 95%، مقارنة بالربع نفسه من العام 2011، والواردات بنسبة 88%، وذلك أيضًا على خلفية العقوبات الاقتصادية المفروضة من الغرب، وبعض الدول العربية، وبالأضرار التي أصابت القطاع الصناعي، وهذا ما أدى لتراجع استيراد المواد الخام.

آليات نظام بشار مع الأزمة الاقتصادية: خفض للنفقات ودعوات للتقشف

انعكس حجم الخسائر المذكورة سلفًا على موازنة الدولة السورية، الأمر الذي ظهر في أنماط تعامل الحكومة مع النظام، حيث اتجه إلى خفض النفقات، وإلغاء الدعم تدريجيًا، بخاصة على المواد التي كانت تكلفها مبالغ طائلة كالوقود والكهرباء والخبز.

المسألة لم تتوقف على إلغاء الدعم، على المواد التي يستخدمها المواطن السوري في حياته اليومية، بل امتد لمُطالبته بشكل مُباشر دون مواربة بالتقشف، إذ دعا وزير المالية السوري إسماعيل إسماعيل، السوريين إلى التقشف، مُبررًا ذلك بدعم الحكومة للمواطن، دون أن يشعر، وليس بالضرورة أن تزيد له الكتلة النقدية للراتب.

لكن دعوات التقشف، والخطوات القاسية التي شرعت الحكومة في تطبيقها على المواطن السوري، لم تشمل العسكريين، إذ كانوا استثناءً من هذه الفئات، من حيث الدعم، وكذلك زيادة رواتبهم، وهو الأمر الذي برره وزير المالية السوري قائلًا: «لا يجب المقارنة بين العسكري والمدني، وإذا كان هناك مبرر، فلننظر للعسكريين أولًا. الرئيس والحكومة ونحن، معنيون دائمًا بذلك، ونقوم دائمًا بدراسات (…) لكن ضمن الإمكانيات المحدودة».

كذلك كان أحد أشكال المُعاناة الاقتصادية للمواطن السوري، هو تراجع الخدمات في المستشفيات الحكومية بعد إغلاق أغلبها في المدن الرئيسية. وبلغت أضرار قطاع الصحة السوري أكثر من ستة مليارات ليرة، وقد دمرت مُستشفيات كانت رائدة على مستوى البلاد، بالإضافة إلى عدة مصانع للأدوية توقفت عن العمل.

كذلك ارتفعت فواتير الكهرباء على أغلبية المواطنين، فيما بلغت خسائر قطاع الكهرباء أكثر من 400 مليار ليرة، بحسب مدير المؤسسة العامة لتوزيع الكهرباء.

وأمام عجز الميزان التجاريّ في البلاد، والذي بلغ 3.5 مليار دولار، وشبه انعدام الاستيراد والتصدير، سعى البنك المركزي لضخ كميات من الدولار في البنوك، لمواجهة فروق الأسعار بين السوق الرسمية والسوق السوداء، بيد أن محاولات عملية الضخ لم تفلح، نتيجة سيطرة تنظيم الدولة الإسلاميّة (داعش) على معظم حقول النفط في سوريا، وتفاقم المُشكلة في مصادر الدخل الرئيسية للنظام الحاكم

اقرأ أيضًا: من يشتري نفط «الدولة الإسلامية»؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد