ترجمة: الخليج الجديد 

إذا كان لأي شخص يتحدث، ولكن بحذر، عن وجود سوريا كدولة ذات سيادة، فلابد من الاعتراف بأن الخط الفاصل بين الجانبين، «الدولة الإسلامية» و«الجهاديين الأجانب» الذي يقاتلون معها من جهة، و«حزب الله» والمليشيات العراقية والباكستانية والإيرانية من جهة أخرى، قد بدأ يتلاشى. «الدولة الإسلامية»، من حيث التعريف، لا تعترف بالدولة الأمة كمسألة مبدأ، لا في سوريا ولا في أي مكان آخر. في الوقت نفسه، فإن المقاتلين الأجانب الموالين للأسد يأتون من كل مكان للمشاركة في معركة على أرض أجنبية. كلا الجانبين يفعلون ذلك لأسباب أيديولوجية وطائفية. ولكن العالم يدين فصيلا واحدًا فقط: تنظيم «الدولة الإسلامية».

إذا كانت سياسة الرئيس «أوباما» استندت حقا على مبادئ القانون الدولي، وعدم التدخل، ومحاربة الإرهاب، والمساعدات إلى السكان المدنيين الذين يتعرضون لعقاب جماعي وحشي على يد ديكتاتور، أو أي من المطالبات المتكررة الأخلاقية الأخرى بصوت عال من قبل البيت الأبيض منذ بداية رئاسة «أوباما»، فإنه من الممكن على الأقل أن يوجه انتقادا للدور الإيراني في سوريا. لكن «أوباما» لم يفعل ذلك أبدا، ولن يفعل أبدا. إيران وحزب الله لا يحترمان القانون الدولي؛ فهما يتدخلان بشكل علني في سوريا، والمدنيين السوريين يموتون كل يوم. ومع ذلك؛ فإن الرئيس ليس لديه استراتيجية لحل هذه المهزلة، كما لن يسمح للآخرين للقيام بما يجب القيام به، كما سنرى بعد قليل.

وبمجرد أن تظهر آثار هذه الكلمات الكبيرة من الرئيس أنها مجرد عبارات جوفاء، يظهر الموقف الحقيقي لسياسة الرئيس في الحقيقة على أنها عارية وغير مستدامة. ولكن بعد ذلك، ونظرا لانتقادات في داخل  الولايات المتحدة وبقية العالم، على الأقل لأسباب أخلاقية، فإن البيت الأبيض وجد مأوى في برنامج تدريب وتجهيز المعارضة السورية.

ولا تزال الإدارة الأمريكية مصممة على فرض مفهومها الخاطئ العميق الخاص بــ «المشكلة السورية»، وأعطت الإدارة الأمريكية تعليماتها لمقاتلي المعارضة بالخضوع للبرنامج الذي يحدد مهمتهم بمحاربة «الدولة الإسلامية»، وليس نظام «بشار الأسد».

أصبح هذا الجانب الخفي لبرنامج التدريب والتجهيز عاما مع البيان المثير للدهشة من قبل زعيم مجموعة متتألف ن ألف من مقاتلي المعارضة خضعوا للبرنامج، والذي قال صراحة إنه ورجاله يدرسون فكرة ترك البرنامج بعد تلقي شرط مسبق من الأمريكيين في تركيا أنه ينبغي محاربة «الدولة الإسلامية» فقط، وأنه لن يسمح لهم بمحاربة قوات «الأسد» أو حلفائه، الذين يشملون المليشيات الإيرانية وحزب الله وغيرها.

وتحدث زعيم جماعة المعارضة «مصطفى سيجري» عن شروط الولايات المتحدة علنا ​​بالتفصيل الأسبوع الماضي. «لقد قال لنا الأمريكيون أن القائمة المختصرة لأهدافنا بعد التدريب مقتصرة على مجموعة الدولة الإسلامية. لقد قاتلت مجموعتنا الدولة الإسلامية بكل بطولة وشجاعة في ريف اللاذقية. نحن نعتبر برنامج الولايات المتحدة خطوة مفيدة لمحاربة كل من الدولة الإسلامية والأسد؛ وذلك للعيش في سوريا الحرة. ولكن ما أدهشنا هو أن الأمريكيين قالوا لنا إنهم لن يسمح لنا بمحاربة الأسد وحلفائه. نحن نفكر في الانسحاب من هذا البرنامج المشبوه. سوف نقاتل أعداء شعبنا. هؤلاء الأعداء هم بشار الأسد والدولة الإسلامية»

وقال «سيجري» أنه «إذا كانت الولايات المتحدة تريد مساعدتنا، فإنه يمكن ذلك فقط عن طريق وقف البراميل المتفجرة التي تلقيها قوات الأسد والتي حتى مجلس الأمن الدولي ندد بها، وذلك بدلا من أن يقولوا لنا تجنبوا محاولة إطلاق النار على الطائرات التي تقتل شعبنا كل يوم. لدينا خيارات لمحاربة الأسد بخلاف البرنامج الأمريكي. سنقاتل الأسد والدولة الإسلامية بغض النظر عن شروط الولايات المتحدة أو أي شخص آخر».

وهذا ما يفسر الأسباب التي تجعلنا كثيرا ما نسمع عن نظريات المؤامرة في سوريا والمنطقة، وتتكرر نفس الأسئلة مرات ومرات: هل الرئيس «أوباما» يفعل ذلك في محاولة لتجنب الإساءة إلى الإيرانيين ليحصل على اتفاق نووي؟ هل لديه ترتيبات سرية مع طهران بشأن سوريا؟ إذا كان ذلك فهل يعلم الأسد فقد كل شرعية، وأن الأسد هو السبب في توسع وتمدد الدولة الإسلامية إلى سوريا؟، لماذا غير «أوباما» خطه الأحمر ضد أي استخدام للأسلحة الكيميائية من قبل النظام إلى منع أي هجمات ضد النظام نفسه؟

يبدو أن الرئيس بالفعل أعاد تمركز وضبط «خطه الأحمر» ليصبح «حماية الأس»د بدلا من مهاجمة قواته. ولكن لماذا؟ كيف يمكن أن يكون متسقا مع كل خطابات الإدارة؟ هل يمكن أن يكون لذلك سبب منطقي حقيقي؟ لماذا لا يكون للإدارة استراتيجية لمحاربة «الدولة الإسلامية»؟ وبعبارة أخرى؛ هل يمكن أن تكون القيود التي فرضتها الإدارة على نفسها قادمة من سياسة الرئيس الإيراني التي شلت الولايات المتحدة في كل من سوريا والعراق؟ وفي هذه الحالة؛ فإن أسئلة «نظريات المؤامرة» قد يكون لها معنى.

ومع ذلك؛ يمكن القول إن مثل هذه الأسئلة تنبع من تحليل شخصي للغاية للوضع في سوريا. لذا؛ دعونا نلقي نظرة على وجهة نظر موضوعية حول كيفية التعامل مع «الأسد» وفقا لرؤية ديبلوماسي بالأمم المتحدة قال في نهاية فبراير/شباط إن «الأسد» يجب أن يكون «جزءا من الحل».

وقال «ستيفان دي ميستورا» في لقاء مع منظمات أمريكي سوري عقد في جنيف في 29 مايو/أيار إن الأسد يجب أن يرحل، وأن على الولايات المتحدة أن تستخدم القوة للضغط عليه للذهاب. هل «دي ميستورا» أيضا غير موضوعي؟

إذا أظهرت الولايات المتحدة مجرد نية جادة أنها قد تضرب قوات «الأسد»، حتى من دون إطلاق رصاصة، فإن الرئيس السوري قد يسارع وقتها إلى طاولة المفاوضات، وسوف يكون هناك وسيلة لتوحيد المعارضة السورية والجيش السوري للقتال جنبا إلى جنب ضد الإرهابيين من «الدولة الإسلامية» أو أي فصيل آخر. ولكن بدلا من وجود استراتيجية لمحاربة «الدولة الإسلامية»، فإن لدينا الرئيس «أوباما».

وليس لبوركينا فاسو أي علاقة بالنزاع السوري في شيء على الإطلاق. ولكن الرئيس لا يمكن أن يقلل من دور الولايات المتحدة إلى هذا المستوى مثلا. محاولة فعل ذلك من شأنه أن يقلل تأثير الولايات المتحدة إلى مستوى أي بلد آخر، بدلا من أن تكون القوة التي لديها مصالح لا تعد ولا تحصى في منطقة الشرق الأوسط. وهو ما ينطوي على مخاطرة في نهاية المطاف تتمثل في إضاعة مصالحها جنبا إلى جنب مع مصالح أصدقائها وحلفائها.

أما بالنسبة لشروط الأمريكيين فيما يتعلق ببرنامج تدريب وتجهيز البرنامج في تركيا، فإن ما ينبغي أن يكون مفهوما بوضوح هو أن كلا من «الأسد» و«الدولة الإسلامية» يجب أن ينظر إليهما على أنهما «شيء مجمل». وجود أحدهما يبرر وجود الآخر. وما دام «الأسد» في سوريا، فإن «الدولة الإسلامية» أيضا ستبقى هناك.

مفهوم الحفاظ على بقاء «الأسد» لبضع سنوات انتقالية قبل المضي قدما، والذي يمثل أساس المفهوم الروسي والمصري في كيفية التعامل مع الصراع في سوريا، لن يجدي نفعا. لقد تحركت أرض الصراع إلى أبعد من النقطة التي كان الأمر عندها لا يزال ممكنا. ولا تريد القاهرة بقاء «الأسد» في السلطة لفترة طويلة. ولكنها في الوقت ذاته لا تريد للصراع أن يستمر أكثر مما هو عليه الآن. من الناحية النظرية، هذا حساب قابل للفهم. ومع ذلك؛ فإنه من الناحية العملية مجرد تفكير من قبيل التمني. ولم يكن للحشد الذي تجمع في القاهرة مؤخرا لبحث سبل الخروج من الأزمة أي قوة على الأرض. وهذا يعيد أصداء السؤال الذي لا ينسى: كم عدد الانقسامات التي واجهها روما؟

المصدر | سمير التقي وعصام عزيز – ميدل إيست بريفينج

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد