برغم مزاحمة الفيديوهات القصيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي كثيرًا ما يتجاوزها المتابعون، إلا أن كثيرًا منهم يتوقف أمام فيديوهات معنونة بـ«اضحك من قلبك مع الشيخ فتحي صافي»؛ «قصص الشيخ فتحي مع أغاني أم كلثوم»؛ «الشيخ فتحي الصافي وقصته مع زوجته»؛ «أجمل شيخ شفته».

فصورة الشيخ الضاحك ذو اللحية البيضاء الطويلة، تتناغم مع سماع أولى كلماته السلسة الجذابة التي لا تغيب عنها روح الدعابة، إنه الشيخ السوري فتحي صافي ابن حي الصالحية الشعبي بدمشق والذي توفى يوم الخميس الثاني من مايو (أيار) 2019، إثر تدهور صحته بعد رحلة علاج طويلة من مرض السرطان عن عمر يناهز 65 عامًا.

لكن رحلة الشيخ الزاخرة بالعلم الشرعي، غلفها الخلاف السوري المعهود بعد اندلاع الحرب الأهلية السورية، فهل كان الرجل الذي واصل خطبه ودروسه من «عاصمة الأسد» مع النظام السوري أم معارضًا له؟

فتحي صافي.. الشيخ التائب الذي يقدم «عرضًا» دعويًّا

«كنت نائمًا فرأيت في رؤيا بأني أساق إلى جهنم والجنازير (السلاسل) بيدي وبأرجلي، وخصري مربوط بجنزير كبير حوله الناس بالآلاف ليس له أول من آخر يسحبونا جميعًا، وكنت أبكي وكان الحلم كأنه حقيقة وارتعبت وقلت لله: يا رب لإن أعدتني لأعيشن كما الصحابة»، على غير عادته كان الشيخ السوري فتحي صافي حين يقتنص قليلًا من الوقت للحديث عن رؤيا توبته السابقة، يتحدث عنها بجدية ورهبة ويبدو متأثرًا للغاية.

يؤرخ الشيخ انكبابه على العلوم الشرعية على يد عدد كبير من علماء عصره في دمشق، إلى يوم قرر فيه تغيير حياته إثر هذه الرؤيا، ليتحول من شاب لاهِ لا يلقي بالًا لأمر من أمور الدين، إلى شاب يلازم المشايخ من أجل التلمذة على أيديهم قبل أن يسلك هو طريق الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.

لزم فتحي صافي المولود في دمشق عام 1954، دروس العلم الشرعي بعد أن قرر أن يفني عمره في دراستها وتدريسها، وقد ساهمت نشأته في أسرة معروفة بغزارة العلم الشرعي؛ على سلوكه هذا الطريق، حتى أنه شارك وألّف العديد من الكتب التي يُدرس بعضها الآن في الأزهر الشريف.

ثم لم يلبث أن أصبح مدرسًا للعلوم الشرعية، وتسلم الإمامة والخطابة في جامع مقام الأربعين ثم جامع الحنابلة بدمشق، وأخذ يؤلف كتبًا تحكي تجربته في الدعوة، مثل كتيب «الجانب المشرق من تجربتي في درعا»، الذي سجل فيه تجاربه الدعوية في بلدات وقرى درعا، قبل أن ينتقل إلى مدن وريف دمشق ثم مساجد العاصمة.

وبرغم أن صافي لا يخرج عن خطاب عموم مشايخ الشام، وشديد التقليدية الدينية، ويمتدح تمسك الرجال «باللباس العربي»، والنساء «بالجلابيب السابغة»، إلا أنه تميز بتقديم دروسه بأسلوب خاص جدًا، يظهر فيه خفة ظل وبشاشة، وسعة اطلاع غير مسبوقة، وهي الدروس التي لاقت مع شيوع ثقافة تداول المقاطع القصيرة، رواجًا كبيرًا بين الجمهور.

قبيل الثورة السورية لم يكن الشيخ فتحي صافي مشهورًا للعامة، لكن العامين الماضين على وجه التحديد شهدتا شهرة واسعة للشيخ الذي جذبت طريقة عرضه، المصحوبة بالدعابات السوريين وجمهور العالم العربي، إذ، أحب الناس كثيرًا اللهجة العامية (الشامية العتيقة) التي كان الرجل يروي بها القصص الواقعية وتفاعلوا مع القصص المليئة بالفكاهة.

وقد وصلت شهرته إلى بيئات الثورة السورية في مناطق اللجوء والمهجر، وتناقل هؤلاء بشكل كبير فتوى فتحي صافي التي حرم فيها شراء المسروقات من ممتلكات المهجرين السوريين، (أو ما عُرف بالتعفيش)، إذ قال صافي «حتى لو كان الإنسان فقيرًا فلا يجوز له شراء المسروقات، حتى في حال كانت المعروضات مُصادَرة لا يصح شراؤها، فكيف بها إذا كانت مسروقة».

الأسد لا ينسى ثأره.. هذا ما يفعله النظام السوري باللاجئين بعد إغرائهم بالعودة

مع النظام أم على الحياد.. لماذا اختلف السوريون حول الشيخ صافي؟

يتخذ الناس في سوريا مواقفهم من العلماء والمشايخ بناء على الموقف الأساسي من النظام السوري، ولم يفلت الشيخ صافي برغم موقفه الغامض نسبيًا من التصنيف، مع النظام أم مع المعارضة أم محايد؟

وهناك ثلاث إشارات يأخذها المعارضون السوريون على صافي، الحادثة الأولى تتعلق بحديث له بعد عام من اندلاع الثورة، حين تلقى اتصالًا على أثير إذاعة خاصة تبث من دمشق من شاب يستفتى بما عليه بعد أن أقام علاقة غير شرعية مع فتاة، فحين أخذ صافي يلوم الشاب أرجع سبب فعلته إلى الاختلاط والإنترنت ثم قال: «وهي الحرية!.. وهي الشي اللي طلبته الناس!».

فقرأت كلمة «الحرية» التي جاءت في سياق سؤال لا يتعلق بالشأن العام بالقصد ذاته الذي كان ينطقها به «شبيحة الأسد» وهم يعاتبون الثوار على مطالبهم بالحرية.

أما الإشارة الثانية، فهي تتعلق باتصال تلقاه صافي من عسكري يخدم منذ ثماني سنوات في جيش النظام السوري، فقاطعه صافي قائلًا: «حتى أولادنا وأولاد أخي عساكر منذ ثماني سنوات، أنت شايف أوضاع بلادنا»، وعن سؤال المتصل، إلى متى سيبقى على هذا الوضع وما هو الحل؟ أجاب صافي «الحل بيد الله، وحتى نعود إلى الله»، وقد كانت تلك أقوى الإشارات كما رأي المعارضون بأن صافي على الأقل «محسوب على النظام».

فيما جاءت الإشارة الثالثة في مقطع فيديو مؤثر عقب فيه صافي على زيارته إلى مدينة حرستا بريف دمشق التي استولى عليها النظام في مارس (أذار) 2018، في أعقاب اتفاق مع فصائل المعارضة، فقال «فكرت حالي بغير قارة، فكرت حالي في العصر الحجري، لا كهربا، ولا مي، فتت الجامع جابولي مولد كهرباء مشان أعطي درس».

ثم استدرك «بالعيد لا تسمع من حدا يقلك كل عام وأنت بخير، نحن مو بخير، فاللي يعايد عليك يقلك الله يتقبل طاعتك، لإنه إحنا مانّا بخير»، وإن كانت الحادثة الأخيرة يمكن قراءتها في إطار التعاطف الإنساني العام مع أهل الغوطة، بعد ما حل بها من دمار لا تعاطف سياسي.

يقول الكاتب والباحث السوري حسام جزماتي لـ«ساسة بوست»: «لأن موقف الشيخ صافي ملتبس تمسك كل طرف بما أراده من هذه الإشارات، بعض مؤيدي الثورة من محبيه وجدوا في إشارته الأخيرة دليلًا كافيًا على ما في قلبه ولكنه لا يستطيع التصريح به بما أنه في دمشق»، ويتابع القول: «أما خصومه فرأوا في الإشارتين الأوليين دليلًا معاكسًا وكبروهما، ليضعوه في مصاف البوطي وإن كان الشيخ نفسه لا يتفق مع البوطي، إلا أنه يعتبره أستاذه ويشيد به».

كذلك يشير جزماتي خلال حديثه لـ«ساسة بوست» إلى نقطة مؤثرة، وهي أن الشيخ محبوب، لذلك أراد كل طرف أن يؤول الأمور بطريقة تقول «هذا مني ولي».

وفي معرض رده إذا ما كان يحسب للرجل حياده في ظل وجود فئة «رقصت على الأشلاء» مثل أحمد بدر الدين حسون، مفتي النظام وخطيب الجامع الأموي الشيخ مأمون رحمه، يقول جزماتي: «نعم يُحسب للرجل حياده مع وجود الراقصين على الأشلاء، ويُحسب عليه حياده مع وجود الأشلاء! وهذا يعيدنا إلى أسباب الخلاف التي ذكرتها سابقًا».

هل مر فتحي صافي من طاقة تهوية فتحها النظام السوري؟

يدرك السوريون أن النظام يعبث بالحالة الدينية السورية، فيستغل الشيوخ لتمرير شرعيته، حتى قيل إنه لا يمكن أن يعطي أي شيخ درسًا دينيًّا دون إذن مسبق من المخابرات السورية.

وبناء على ما سبق، فقد أوجد ما يعرف بـ«الفريق الديني الشبابي» الذي ترعاه وزارة الأوقاف وفروع الأجهزة الأمنية خطابًا دينيًّا، يرتكز على مشايخ الصوفية للوصول إلى الحاضنة الشعبية في مناطق المعارضة المسلحة، ويعتبر البعض فيديوهات الشيخ صافي واحدة من الأكثر رواجًا في مناطق سيطرة المعارضة.

فحسب تقرير موقع «المدن» اللبناني: «يعمل الفريق الديني الشبابي على الترويج للشيخ الصافي، ومشايخ السنة الموالين لهم، وتسهيل إذاعة دروسهم وخطبهم الشرعية التي لا تخلو من السخرية والضحك، والدعوة للتسامح، والتلميح بشكل مبطن للمعركة التي يخوضها النظام ضد الباطل، باعتبار هؤلاء المشايخ الشكل الوسطي الأسهل للتدين الذي يقابل التطرف لدى الفئة الضالة».

ولا ينكر الكاتب والباحث السوري حسام جزماتي أن النظام السوري معني بإظهار التديّن السنّي غير مُحارَب بسوريا، وباكتفائه بالحديث الديني للمشايخ، ويوضح: «هذا خط عام في النظام، وقد لوحظ بعد اجتثاث الثمانينيات، فقد فتح النظام للتدين السنّي «طاقات تهوية»، صارت تتسع مع إحساسه بالاستقرار».

ويدلل جزماتي على ذلك بظاهرة العالم السوري محمد البوطي الذي اُقترح عليه أن يقدم برنامجًا في التلفزيون لا أنه هو من طلب ذلك، ويوضح جزماتي: «ضمن هذا الإطار يأتي صافي لكن ليس بعينه ولا بتخطيط خاص به، فهناك أوقاف ومشايخ ودروس مسجدية، فإن برز أحد الوعاظ يدرسونه بشكل أفضل وأدق، فإن استطاعوا استمالته للتملق سيكون أفضل، وإن لم يستطيعوا المهم أن يعرف حدوده، خاصة أن شعبيته تتصاعد ويبقى هناك قلق أن يستغلها في (وجع راس) ذات يوم، وهكذا تجري الأمور» بحسبه.

وبناء على ما سبق يرى جزماتي أن صافي، ليس مواليًا للنظام السوري، وإلا لأعلن ذلك واستفاد ببيع شعبيته الكبيرة، كما أنه ليس معاديًا للثورة السورية، وإلا لباع الموقف في دمشق أيضًا.

وكان الشيخ صافي برغم معاناته من مرض السرطان قد قام بتصوير الجزء الثاني من برنامج «بريد القلوب» الذي حقق نجاحًا كبيرًا وتقرر عرضه في رمضان 2019، وقد ظهر في الفيديوهات الأخيرة في المستشفى على فراش المرض، وبدا بحالة صحية سيئة، لكنه تمسك بقوته وقال «مؤمن بالله وأخاف الله لا السرطان».

كيف دمر الزواج «البراني» حياة السوريات وأطفالهن بعد الحرب السورية؟

المصادر

تحميل المزيد