في انتخابات رئاسية ستكون الثانية من نوعها، منذ انطلاق الحرب في سوريا، التي أسفرت عن مقتل أكثر من 388 ألف شخص واعتقال عشرات الآلاف، ودمار البنى التحتية واستنزاف الاقتصاد ونزوح وتشريد أكثر من نصف السكان، تتجه أنظار البعض نحو دمشق لرؤية ما الذي سيحدث.

كل من يشهد الانتخابات في الوقت الحالي، يتبادر إلى ذهنه بعض الأسئلة حول إعلان النظام السوري للانتخابات، في خطوة تعتبر تحديًا لقوى كثيرة في المجتمع الدَّوْليّ التي دعت إلى مقاطعة للانتخابات تارَة، ووصفها بأنها غير شرعية تارة أخرى. في هذا التقرير نأخذك في كواليس الانتخابات السورية.

معلومات أساسية عن الانتخابات القادمة

«ما في غير بشّار الأسد ما طلع من بيته من 10 سنين»، جملة تهكمية يوضح بها السوريون من سيكون المرشح للانتخابات الرئاسية في سوريا، لأن دستور النظام السوري وضع شروطًًا ستة لمن تخول له نفسه خوض السباق الرئاسي في البلاد ضد بشار الأسد.

وبالفعل ما هي إلا أيام من إعلان رئيس مجلس الشعب التابع للنظام السوري، حمودة صبّاغ، فتح باب الترشح للانتخابات الرئاسية تطبيقًا لأحكام الدستور اعتبارًا من 19 أبريل (نيسان) 2021، حتى ضجت وسائل الإعلام الموالية للنظام بتقديم الأسد طلبًا رسميًا لدخوله سباق الانتخابات مع خمسة مشرحين.

وبرأي رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، نصر الحريري، فإن السوريين يعرفون قيمة الدساتير بالنسبة للنظام، ومعناها أنه في عام 2000، جرى تعديل الدستور خلال خمس دقائق عندما دعت الحاجة لاستلام بشار الأسد مقاليد الحكم بعد موت أبيه.

تعليق الحريري، كان حول شروط من يحق لهم الترشح لرئاسة سوريا، ففي 18 أبريل 2021، دعا «الصّباغ»، الراغبين بالترشح لتقديم طلباتهم إلى المحكمة الدستورية العليا، خلال 10 أيام تنتهي بنهاية الدوام الرسمي من يوم الأربعاء الثامن والعشرين من الشهر ذاته.

والانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في سوريا، أتت بمقتضى المادة 85 من الدستور السوري لعام 2012، إذ يتعيّن على رئيس مجلس الشعب، الدعوة إلى انتخاب رئيس للجمهورية قبل انتهاء ولاية الرئيس الموجود بالفعل، في مدة لا تقل عن 60 يومًا ولا تزيد على 90 يومًا.

والمفروض أن تنتهي ولاية القابض على الحكم في سوريا، بانقضاء سبع سنوات ميلادية من تاريخ أدائه القسم الدستوري، طبقًا لما ورد في المادة 55، وبذلك تكون ولاية بشار الأسد قد اقتربت نهايتها، نظرًا لأدائه القسم في 16 يوليو (تموز) 2014. أما عن شروط من يحق له الترشح، هنا نصت المادة الرابعة والثمانون، على ستة شروط، أبرزها أن يكون مسلمًا، وبلغ من العمر على الأقل 40 عامًا من عمره، ويكون سوري الجنسية، وغير متزوج من أجنبية، ولم تكن عليه أحكام مسبقة، حتى لو تم تبرئته فيما بعد، والشرط الأخير هو الإقامة المتواصلة في سوريا لمدة 10 سنوات على الأقل قبل إجراء الانتخابات.

خلال الساعات التي تلت إعلان الصّباغ فتح الباب أمام المتقدمين، تلقت المحكمة الدستورية العليا في دمشق ست طلبات ترشح، في البداية تقدمت المحامية فاتن علي نهار، وعبد الله سلوم عبد الله عضو مجلس الشعب السابق، وتلا ذلك بيوم، تقدم رجل الأعمال محمد فراس ياسين رجوح، الذي ترشح ضد بشار الأسد في انتخابات الرئاسة السورية عام 2014، ومهند نديم شعبان، ومحمد موفق صوان.

«مسرحية الانتخابات»، كما يصفها الحريري ومعه الكثير من معارضي النظام السوري، ستبدأ مع خوض بشار الأسد غمار الانتخابات، أما باقي من تقدم بطلبه لا تزال رحلتهم طويلة، وربما لا يكتب لها النجاح، فهم حتى اللحظة لا يصنفون على أنهم مرشحين قانونًا، بل هم متقدمون بطلبات الترشح، لأن قانون الانتخابات العامة، يشترط ألاّ يُقبل طلب الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية إلا إذا كان صاحب الطلب حاصلًا على تأييد خطي لترشيحه من قبل 35 عضوًا في الأقل من أعضاء مجلس الشعب.

ولا يجوز أيضًا لأي من هؤلاء الأعضاء تأييد أكثر من مرشح واحد، وبالتالي من شاهد مجلس الشعب كيف يصفق للأسد على مدار السنوات السابقة، ستساوره العديد من الشكوك إن كان أي من أعضائه سيعطي ورقة تأييد لمرشح آخر غيره، إلا إذا تم ذلك برغبة النظام.

جدير بالذكر أن الحديث حول عدم ترشح الأسد مجددًا، كان قد تداوله بعض المدنيين، معتمدين على المادة 88 من الدستور، التي تنص على أن الرئيس لا يمكن أن ينتخب لأكثر من ولايتين كل منهما سبع سنوات؛ لكن المادة 155 توضح أن هذه المواد لا تنطبق على الرئيس الحالي؛ إلا اعتبارًا من انتخابات 2014، أي أن الأسد يحق له الترشح.

روسيا.. الحليف الدائم الموكل بمهمة الحشد

يبدو أن روسيا قد حملت على عاتقها مهمة التمهيد لإعادة انتخابه، محليًا ودوليًا، فعلى المستوى السياسي، يمكن الاستشهاد بتصريح وزير الخارجية الروسي في مؤتمر «فالداي» حول الشرق الأوسط، الذي عُقد في نهاية مارس (آذار) 2021، والذي قال فيه إنّ «القرار الأممي رقم 2245 لا ينص على ربط تنظيم أي انتخابات بدستور جديد».

تصريحات لافروف، هي تكرار لبيان فيتالي تشوركين، السفير الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة، حين قال عن الانتخابات السابقة، في مايو (أيار) 2014، أن بيان جنيف لم يشر إلى موضوع إجراء الانتخابات الرئاسية في سوريا، وهو لا يمنع إجراء الانتخابات فيها.

والمتتبع للتحركات الروسية، يعي أنّ روسيا تريد ضمان بقاء النظام، وضمان استمرار سيطرتها على الملَفّ، فهي من كرست كل ثقلها السياسي والدبلوماسي، وكل إمكاناتها العسكرية بشكل مباشر من أجل تحقيق هذه الأهداف، وهذا الحديث تبناه نصر الحريري في حواره مع «ساسة بوست»، ولكن ماذا فعلت روسيا محليًا، أو هل كان لها دور في الحشد للانتخابات؟

إجابة السؤال نعم، ففي حديث لـ«ساسة بوست»، مع أحد أعضاء اللجان المركزية في مدينة درعا، التي تشكلت إبان عقد المصالحة بين المعارضة والنظام برعاية روسية، كشف عن اجتماع عقد في بداية مارس (آذار) 2021، بين وفد روسي و23 شخصًا من أعيان ووجهاء عشائر وأعضاء اللجان المركزية في المحافظة، في مقر قيادة القوات الروسية في البانوراما على المدخل الشمالي لمدينة درعا.

طرح المبعوث الخاص للتسوية السورية الجنرال الروسي، ألكسندر كينشاك في هذا الاجتماع موضوع انتخابات بشار الأسد، مع تشديده على الحضور «ليس فقط المساعدة والتعاون، بل العمل على تحضير هذه البيئة الآمنة الديمقراطية»، وهدد بفوضى في المنطقة إذ لم يتهيأ الشارع لإعادة انتخاب الأسد.

مساومة القوات الروسية لم تتوقف على توفير الأمان، ففي بلدة بيت تيما بريف دمشق، تناوبت القوات الروسية على مدى يومين للاجتماع مع عدد من وجهاء البلدة، بينهم أمين فِرْقَة حزب البعث «حافظ الهيلي»، ورئيس مجلس البلديّة «منذر حيدر» وعضو المجلس المحلي «محمد إدريس».

خلال الزيارتين تعهّد الوفد الروسي، حسب موقع «الحل نت»، بالإفراج عن المعتقلين بعفوٍ رئاسي، وتسهيل وصول المساعدات الغذائية للأسر الأشّد فقرًا، مقابل الاشتراط على وجهاء البلدة أن يمهدوا للانتخابات الرئاسية في منطقتهم. أما في بلدة «كناكر» 44 كم عن مدينة دمشق، التي شهدت في الآونة الأخيرة توترات أمنيّة بين أهالي البلدة وقوات الأسد، طلب الوفد الروسي من أعيانها، ضرورة تأمين البلدة أمنيًا، وذلك لتسيير العملية الانتخابية، مقابل الإفراج عمّا تبقى من معتقلين من أبناء البلدة.

رسائل روسيا الأخيرة لأهالي الجنوب السوري، اختصرها المقاتل السابق في فصائل المعارضة، صهيب الرحيل من وجهة نظره، بـ«انتخبوا بشار لولاية جديدة مقابل إخراج بعض من بقي حيًّا من أبنائكم المعتقلين، وعدم عرقلة سير الانتخابات، وفوقهن شوية معونات غذائية كجائزة ترضية».

لاجئ سينتخب الأسد وعلوي يرفض!

وحد «ساسة بوست» سؤاله التالي (من المرشح الذي ستنتخبه؟)، خلال حوار مع عدد من السوريين داخل البلاد وخارجها، ولكن المفاجئة كانت في الإجابات التي من الصعب أن يخمّنها عقل المتابع للشأن السوري منذ بداية الثورة في مارس (آذار) 2011.

حدثت المفارقة عند لقاء «ساسة بوست»، مع مدرس اللغة العربية في مدينة اللاذقية، الحاضنة للطائفة العلوية التي ينحدر منها بشار الأسد، إذ قال: «صوتي ليس لبشار، نحن نريد وجهًا جديدًا في سوريا، لعل الأمور والأحوال تتبدل».

سماع مثل هذه الإجابة، دون معرفة المكان الذي خرجت منه، يستدعي في الذهن أن السؤال طرح في المناطق التي تسيطر عليها فصائل المعارضة السورية، ولا يمكن للنظام الوصول إليها، فهم أكدوا مرارًا وتكرارًا على عدم شرعية الأسد، وماضون في إسقاطه؛ لأن بشار الأسد بنظرهم، المسؤول عن قتل مئات الآلاف وتهجير الملايين من السوريين.

أما التناقض الأكبر، فكان في الأردن، عندما قال لـ«ساسة بوست»، وليد الأكراد، وهو لاجئ من مدينة درعا يعيش في الأرْدُنّ منذ ثماني سنوات، أنّ خياره في التصويت سيكون لبشار الأسد، لأن الأخير بنظره باقٍ ولن يزول، ويعتبر انتخباه للأسد، رشوة ليستمر في تحصيل معاملاته من سِفَارة النظام في عمّان.

الأسد في الوقت الحالي، لن يستطع إجراء الانتخابات في شمال وغرب سوريا وهي المناطق التي يسيطر عليها «الجيش الوطني» المدعوم من تركيا، بالإضافة إلى «هيئة تحرير الشام»، بالإضافة إلى أن المناطق التي تتحكم فيها «الإدارة الذاتية» الكردية رفضت طلب دمشق بإجراء الانتخابات الرئاسية، وفق أكده آزاد برازي، القيادي في «الحزب الديمقراطي الكردي السوري»، وهو «أحد أحزاب مجلس سوريا الديمقراطية».

ولكن.. هل فوز الأسد سيحدث تغييرًا؟

بات الجميع مؤمنًا بأن بشار الأسد سيفوز لا محالة، بغض النظر عن النسبة التي ستعلنها المحكمة الدستورية، لأن هذه النتيجة هي التي تريدها روسيا، كما يرى المتحدث باسم هيئة التفاوض السورية وعضو اللجنة الدستورية، الدكتور يحيى العريضي، مضيفًا في حديثه لـ«ساسة بوست»، أن رئاسة سوريا هي «أداة حية لروسيا تساوم وتصنع بها الصفقات دوليًا».

رئيس الائتلاف السوري المعارض، أوضح في حواره مع «ساسة بوست»، أنه بات واضحًا مؤخرًا، أنّ مِلَفّ الحل السياسي بكل مساراته وصل إلى النهاية، «هذه الانتخابات لن تغير الموقف». وبرأي الحريري، أنه سيكون هناك ضجيج إعلامي لبضعة ساعات أو أيام، وستصدر إدانات وتصريحات دولية ترفض شرعية هذه العملية، وتؤكد أن الحل السياسي هو الحل الوحيد المطروح، وليس هناك تغيير تلقائي سينجم عن هذا الإجراء أو «المسرحية الانتخابية»، حسب وصفه.

قرار إجراء الانتخابات في سوريا، يأتي بالرغم من تواصل النزاع العسكري في البلاد، وعدم وجود أفق لحل سياسي مع فشل جميع المفاوضات بين المعارضة والنظام، وتحول أكثر من 10 ملايين من السوريين إلى لاجئين أو نازحين، إضافة إلى أن نحو 40% من مساحة البلاد خارج سيطرة النظام.

«الدستور لم يكن يومًا من الأيام ذا قيمة في نظام الأسد» وفقًا لرأي الحريري، وحالة الطوارئ ظلت مفروضة على الشعب السوري لغاية عام 2011، ثم جرت كل هذه الحرب على الشعب السوري، وكل الاعتقالات وكل القصف والدمار والتهجير والقتل، دون الحاجة لإعلان حالة طوارئ.

ورغم أن العديد من السوريين لن يصوتوا، ينقسم السوريون المعارضون للأسد سابقًا، بين من يرى ألاّ تغيير على المدى القريب، وأن 10 سنوات من التشرد والدمار تتطلب سلوكًًا واقعيًا بعيدًا عن الشعارات، وأن أفضل الحلول هي التصويت للأسد لأنه سيبقى لسبع سنوات قادمة على أية حال، وآخرون منهم يرون التصويت لمرشحٍ آخر لعل هذه الانتخابات تكون على عكس سابقتها، ويأتي من يعتلي حكم سوريا بديلًا لعائلة الأسد، وأكثر قدرة منها على تلبية مصالح السوريين.

عربي

منذ شهرين
من داخل الكواليس.. كيف تفرض روسيا انتخاب بشار الأسد على درعا؟

المصادر

تحميل المزيد