تكاد تفاصيل التعذيب الممنهج داخل سجون النظام السوري لا تصدّق من شدّة أهوالها، فهي تتضمّن الصعق بالكهرباء، وقلع الأعين، وقطع الأطراف، والتجويع حتى الموت، كما تظهر الصور المسرّبة، وفيها تغتصب النساء، وتحمل وتجهض وتُعذّب الحوامل حتى الموت، كما تقول روايات الناجين.

لكن بالرغم من ذلك، استطاع بعض السوريين الذين كان خروجهم من هذه المعتقلات معجزة، البدء من جديد في المهجر، بل وتحقيق إنجازات لصالح القضية السورية، تركت بصمات كبيرة في مجال خدمة الآخرين. إليك أربع قصص ملهمة لسوريين خرجوا من سجون النظام السوري ومعتقلاته.

1- عمر.. من تمنّي الموت في سجون النظام إلى وظيفة مرموقة

الفضل يعود إلى 40 سم مربع عشت فيها داخل السجن بين أشخاص راقين ومتعلمين، من أطباء ومهندسين وأساتذة وحقوقيين.

هكذا أجاب الشاب السوري عمر الشغري عن سؤال «ساسة بوست» حول أسباب تجاوزه معاناة الاعتقال عامين ونصف في سجون النظام السوري، والبدء بحياة ناجحة قادته مؤخرًا للعمل في شركة «Boston Consulting Group» قبل حتى أن يكمل تعليمه الجامعي.

عمر الشغري– المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي

اعتقل عمر في سجن «صيدنايا» سيّئ الصيت عام 2012، وأطلق سراحه بأعجوبة في عام 2015، وفي هذا العام وقبل أن يعالج من أمراض السجن وأخطرها مرض السل، صُعق الشاب بخبر موت والده وإخوته ذبحًا في مجزرة قرية البيضا التي ارتكبها النظام عام 2013، أما في فيلم وثائقي مصوّر مع قناة سورية يروي عمر تفاصيل موجعة للغاية عن تجربة اعتقاله، وعن هذه اللحظات، يقول عمر: «تمنّي الموت دائمًا كان موجودًا، ولكنه اختلف تبعًا للحالة النفسية لكل معتقل، بمعنى: بدايةً كان التمني من أجل الخلاص من التعذيب، ولكن بعدها صار التمني لغاية الحصول على مكافأة ما بعد الموت».

ومن ذكرياته مع هذا التعذيب يقول عمر: «بعدما رفضت الاعتراف جاء الضابط وقال لي (هلأ منتفق) وبدأوا يرشون الماء على جسدي، ويشعلون الكهرباء. أتى المحقق بمادة رائحتها تشبه رائحة المعقّم (السبيترو)، وضع المادة على قطنة ورسم في منتصف رقبتي إشارة تشبه حرف x باللغة الإنجليزية، وأشعل التيار الكهربائي، كنت أود أن أقول له توقف وسأقول ما تريد، لم يحصل ذلك لأنه أغمي عليّ من شدة الألم».

ورغم هذه المعاناة باشر عمر تعلم اللّغة في المهجر، وأصبح أحد أهم النشطاء الذين يسلطون الضوء على تجارب الاعتقال في سجون النظام وضحاياه، وهو مدين إلى معارفه داخل السجن الذين فقد منهم 99% قبل خروجه، فالسجن رغم أهواله المرعبة أيضًا يمكن استغلال تجربته لإيصال الأفكار، واكتساب مهارات متنوعة تحت وطأة التعذيب شبه اليومي كما يقول عمر الذي يضيف: «السجن كان جامعة تدرّسنا أمورًا مهمة وعامة، فأغلبنا اكتسب خبرات عن مواضيع مختلفة خلال فترة سجنه»، ويضيف لـ«رصيف 22»: «حياتي رائعة اليوم بسبب ما تعلمته في السجن، فقد تعلمت هناك أن أكون شخصًا إيجابيًّا وفعالًا».

2- ماجدة.. تُطعم الطعام لشرح القضية السورية

لأني امرأة مسيحية ثرية كنت أستطيع عبور نقاط التفتيش، ومن ثم اعتدت أن أهرّب الخبز لإطعام الناس. لم أستطع أن أشاهدهم يموتون جوعًا.

كان ثمن هذا الفعل الذي أقدمت عليه السورية ماجدة خوري باهظًا، فقد دخلت سجون النظام السوري عام 2015 بسبب مساعدتها في إطعام اللاجئين، ثم هاجرت فأصبحت لاجئة هي الأخرى خارج البلاد.

ماجدة خوري مع أبنائها– المصدر: بي بي سي

عانت ماجدة كغيرها داخل سجون النظام، لكن فرصة نزوحها إلى لبنان بعد خروجها من السجن كانت بمثابة ولادة جديدة لها بوصفها ناشطة ومستشارة أطفال، ومع ذلك سرعان ما اكتشفت أن لبنان أيضًا غير آمن لتواجدها، وتمكنت في عام 2017 من الوصول إلى بريطانيا. تقول ماجدة: «لم يكن لديّ الحق في الرحيل، أشعر بالذنب، لأن هناك أناسًا مثلي بدأوا تلك المظاهرات ضد الحكومة السورية، ثم غادرنا نحن. أشعر أنني بعيدة للغاية عنهم وعن معاناتهم. أرغب في الاستمرار في عملي».

لم يقتصر هم ماجدة البالغة من العمر 53 عامًا على تدبير أمورها في هذا البلد الغريب عليها، بل كانت ترغب بالحديث إلى كل شخص تقابله عن الحرب في سوريا، لكن الأمر لم يكن سهلًا، إلى حين قررت الانضمام إلى مجموعة من اللاجئين تعنى بتعليم شئون الطبخ، وتديرها منظمة خيرية، تقول ماجدة التي تتقن الإنجليزية: «هناك الكثير من الطلاب الذين يقيمون بمفردهم هنا، لذلك أسألهم: ماذا تفتقدون من طعام أمهاتكم؟ ثم أصنعه وأقدمه لهم».

ماجدة التي تمكنت من ضم أسرتها إليها في أبريل (نيسان) الماضي، أخذت تدرس فن الطبخ، ثم اكتشفت أن بإمكانها الاستفادة من مهنتها تلك في تحقيق هدفها بمساعدة السوريين، فوجبات العشاء تجمعها بأشخاص جدد لا يعلمون الكثير عن معاناة السوريين، واختلاطها بمن يريد تناول الطعام هو فرصة لتحكي قصتها، ولذلك أصبحت على مائدة الطعام تتحدث عن استهداف المدنيين، وعن قمع النظام السوري، ثم أصبحت تحمل العديد من الخطابات التي توجهها للحكومات والمسئولين والنشطاء من أجل التعريف بمعاناة شعبها.

3- مناف.. وثّق قضية المختفين قسريًّا بدمائه

كان من أوائل أبناء مدينة درعا الذين خرجوا في مظاهرات الانتفاضة السورية ضد الأسد، وكذلك من أوائل من دخلوا سجون النظام لقمع المحتجين، اعتقل مناف أبازيد المولود في 1987 مرّتين، آخرهما في نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، أثناء عودته من دمشق إلى درعا على أحد الحواجز العسكرية.

مناف أبازيد– المصدر: موقع أنا إنسان السوري

أمضى مناف في الاعتقال الثاني عامين ونصف، تعرض خلالها لمختلف أنواع التعذيب النفسي والجسدي، ورغم ذلك خاض هذا الشاب السوري تحديًا كبيرًا، حتى قبل أن يخرج من السجن، وذلك عندما شارك الناشط الحقوقي السوري منصور العمري عملية خطرة لتوثيق أسماء المعتقلين المخفيين قسرًا في أحد فروع المخابرات الجوية بالقرب من مطار المزة العسكري.

أخذوا يكتبون أسماء هؤلاء على قطع قماش ممزقة مستخدمين صلصة الطماطم ودماء جروحهم التي كانت أفضل في الكتابة. يقول العمري: «تقاسمنا المهمات. كنا خمسة، ثلاثة منّا جمعوا أسماء السجناء، ومن بينهم المعتقل مناف أبازيد الذي اعتقل 27 شهرًا بتهمة التدريب على تصوير التظاهرات وتوثيقها، ليتم نشرها في الوسائل الإعلامية».

ويضيف في حوار مع «نيويورك تايمز»: «من بين خمسة عملوا على التوثيق، أنا ومناف فقط بقينا على قيد الحياة. عندما خرجت من السجن، بدأت بالتواصل مع عائلات المخفيين قسرًا، وأضفت أسماءهم إلى قاعدة البيانات في مركز توثيق الانتهاكات».

أسماء المعتقلين التي وُثقت في السجن

بعد الإفراج عن مناف، هاجر إلى لبنان لينتقل في عام 2014 إلى فرنسا، وفي باريس جرّب مناف العمل في أكثر من مكان مع مواصلة تعلّمه اللغة الفرنسية التي أتقنها حتى سهلت عليه الالتحاق بمنحة دراسية، فتخصص في تطوير مواقع الإنترنت، وأبدع في تطبيقات الهواتف الذكية، وصمم تطبيقًا خاصًا هو «عرب بازار» الذي تقوم فكرته على خدمة اللاجئين في أوروبا من قاعدة بيانات تقدر بحوالي 1500 بيان يمكن للمستخدم الوصول إلى أي مكان أو شخص معروف في منطقته لقضاء مصلحة، وما يزال مناف الذي درس الأدب الألماني في جامعة دمشق، يعمل في مطعم بدوام كامل، إذ لم يستطع الحصول على فرصة للعمل ضمن مجال دراسته.

يقول مناف إن أهمية التطبيق «تكمن في الحاجة الماسة للوصول إلى مقدّمي الخدمات الناطقين باللغة العربية، بسبب المشاكل التي يعاني منها المغتربون العرب بشكل عام، واللاجئون السوريون بشكل خاص، وتوفير احتياجاتهم عن طريق إيجاد خدمات عربية في مناطقهم»، ويضيف: «أعمل حاليًا مع زميلين على جمع البيانات وإدارة الموقع والصفحات على مواقع التواصل».

4- براءة عرار.. خرجت لتدعم الأطفال الذين كانوا معها في السجن

أحزن الشابة السورية براءة عرار كثيرًا حال أطفال وُلدوا في السجن، أو اعتقلوا وهم صغار مع أمهاتهم، كانوا لا يعرفون الأشياء البديهية كالسماء والعصفور والسيارة، وتألّمت كثيرًا على حالهم وهي تشاركهم تجربة السجن تلك.

براءة عرار – المصدر: وكالة الأناضول

اعتقلت براءة مع طفلتها الرضيعة الوحيدة ذات الأشهر الخمسة من العمر على أحد حواجز النظام في مدينة درعا في أبريل 2016، ووجّه لها النظام تهمة «تمويل أعمال إرهابية»، وفيما تمكن ذووها من إخراج طفلتها، بقيت هي تتعرض لشتى أنواع التعذيب في سجون الاحتلال، وعن فترة اعتقالها التي دامت عامًا وسبعة أشهر تقول براءة: «عند دخولي إلى فرع الأمن العسكري في درعا لم يكن بانتظاري محقّقون أو سجانون، وإنما وحوش اعتبروني فريسة لهم، عندها توقّعت أنني لن أخرج من المعتقل». وتضيف لـ«الأناضول»: «تعرّضت لأعنف عمليات التعذيب، خلال تنقّلي بين السجون والأفرع الأمنية، وبينها الصعق بالكهرباء والشبح، فضلًا عن الإهانات».

لكنها وقبل أن تخرج من هذا السجن قرّرت في حالة النجاة أن تكون وجهتها العمل مع الأطفال؛ بغية تعويضهم عن ما نال منهم داخل السجون السورية وخارجها. وبالفعل، بعد أن تحرّرت لم تلتفت لآثار ما تعرضت له، بل اختارت الفتاة (24 عامًا) دعم الأطفال نفسيًّا، وذلك من خلال تقديم نشاطات عديدة في مركز الدعم النفسي بمدينة نوى الواقعة غربي محافظة درعا، ففي هذا المركز يتعلم الأطفال الرسم، ويخضعون لجلسات من الدعم النفسي. تقول براءة: «مع استمرار عملي مع الأطفال، ألاحظ استجابة كبيرة عندي وعندهم، بعد أن عشت فترة عصيبة بعد خروجي من المعتقل مباشرة سادها الخوف والتوتر».

وتختم براءة برسالة المعتقلات السابقات فتقول: «لا يجب عليكن الاختباء في المنازل، خوفًا من كلام الناس، بل يجب أن تخرجن وتعملن وتمارسن حياتكن التي حُرمتن من جزء منها في المعتقل».

المصادر

تحميل المزيد