كالعادة أرض «الأرز» تحتفى الآن بموسم الثلج، فترتدي رداءها الأبيض وتعج منتجعاتها ومقاهيها بالرواد، بينما محبو التزلج يلهون فوق أودية وكثبان بيضاء جذابة. وفيما اختار محبو التزلج أدواتهم لتزلجٍ أنسبٍ لهم، اختار غير المتمرسين على تلك الرياضة جلسة هادئة في مقهى يطل على قمة جبل «أبيض»، يأكلون فيها «مناقيش» بالزعتر، ويدخنون «النرجيلة»، بينما استجاب أطفال يرتدون سترة ثقيلة لأجواء المرح، فأخذوا يصنعون «رجل الثلج»، ويلبسونه وشاحًا من الصوف الملون.

على الوجهة الأخرى كان هناك من يأمل أن يتوقَّف هذا الثلج عن الهطول؛ حتى يمرّ بسلامٍ نحو لبنان، تاركًا خلفه قذائف وصواريخ الأطراف العدة المتنازعة على أرضه السوريَّة، فقد اختار مجبرًا طريقًا جبلية كساها الثلج أيضًا، لكنّ الثلج الذي استمر في الهطول قتل 15 لاجئًا سوريًا على الحدود اللبنانية السورية قبل يومين.

طفل سوري من ضحايا الموت بردًا خلال التهريب من سوريا إلى لبنان (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي)

15 لاجئًا تجمّدوا تحت الثلج

اقتحمت الأحداث الجمَّة التي شهدتها نهاية الأسبوع الماضي صورًا لـ15 لاجئًا سوريًا، بينهم ثلاثة أطفال تجمّدوا حتى الموت بسبب عاصفة ثلجية ضربت الطريق غير شرعي الذي اختاره لهم مهربو البشر حتى يصلوا لبنان، وتحديدًا في جرود الجبال الشرقية، حيث الطريق الذي يمر بجبل بلدة الصويري الحدودية شرقي لبنان.

لقد أفجعت تلك الصور – ومنها صورة تعود لأسرة سورية ممدَّدة بلا حراك – صدمة كبيرة، وفيما يستمر الدفاع المدني اللبناني بالبحث في الطريق – الذي يبلغ طوله ثلاثة كيلو متر – عن المزيد من الضحايا، يستمر تعرض السوريين – الهاربين من الحرب إلى لبنان – للعديد من المخاطر، بدءًا من خطر إطلاق النار عليهم من الجيش اللبناني، أو جيش النظام السوري، وكذلك التعرض لخطر السطو من قبل المهربين أنفسهم عبر التهديد بالسلاح، ناهيك عن مخاطر ناجمة عن جغرافية المنطقة ذات العوامل الطبيعية القاسية، كاحتمال الانزلاق من على الصخور أثناء العبور، أو الموت بردًا، فالتهريب الذي يتم في ساعات الليل يفتقر لأدنى مقومات الحماية، خاصة حين يترك المهربون بعض الأشخاص غير القادرين على مُتابعة السير، وتتضاعف خطورة الرحلة في فصل الشتاء مع تكدس طبقات الثلج والجليد على طرقات التهريب، وكذلك قد يتعرض السوريون المارون لخطر انفجار الألغام التي زرعها الجيش اللبناني أو السوري في المنطقة خلال السنوات الماضية.

الدفاع المدني اللبناني ينشل ضحايا اللاجئين (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي)

وهو ما حدث مع السوري «نعيم الدوماني»، حين انفجر به لغم أرضي زرعته جهات سورية في منطقة المصنع الحدودية؛ مما أدي إلى بتر رجله اليسرى، وقد كان الرجل في طريقه مع نحو 40 مواطنًا سوريًا في الجرود الجبلية، وحين شعروا بوجود دورية للجيش اللبناني، فر المهربون اللبنانيون وتركوهم في منتصف الطريق، فمر هو على أحد الألغام، وقد أصبح من المعتاد أن يتكرر في منطقة الجرود الجبلية الفاصلة بين لبنان وسوريا عبر معبر المصنع، صدى الاشتباكات التي تتكرر بين ممتهني تهريب السوريين والأمن اللبناني.

اقرأ أيضًا: هل اقتربت الدول الأوروبية من إعادة اللاجئين السوريين إلى فم «االأسد»؟

بعد تشديد سياسة الدخول للبنان.. اللاجئون كنز لشبكات التهريب

«تضاعفت عملية تهريبهم في الآونة الأخيرة، حاولت منعهم من المرور بأملاكي، فحضر ليلًا أشخاص وأمطروا المزرعة بالرصاص»، هكذا يلخص المزارع اللبناني «جميل عامر» حكايته كفلاح يعيش ويرعى أرضًا زراعية قائمة في بلدة (الصويري) الواقعة على الحدود اللبنانية السورية.

فقد حولت عمليات التهريب الحدودية حياته الريفية الهادئة إلى حياة خطرة لا يأمن فيها إطلاق النار عليه من قبل المهربين للاجئين السوريين وهم يمرون عبر أرضه التي تحول الطريق حولها إلى ما يشبه المعبر الجبلي غير الشرعي، كذلك يتأثر هذا المسن برؤيته لاجئين قتلوا خلال عمليات التهريب، وكذلك مشاهدته تعرض فتيات للاغتصاب أمام والداتهن، وهن في طريق التهريب، وقد اضطر – بعد إطلاق النار عليه – إلى تحاشي المهربين؛ حتى لا يتعرَّض للخطر.

هذا الخطر الذي يعيشه «عامر» تعاظم بعد فرض الحكومة اللبنانية لشروط تعجيزية تحول دون وصول السوريين إلى أراضيها هربًا من الحرب الدائرة هناك، فلعقود طويلة تمتع السوريين بحرية الحركة من وإلى لبنان، فمنذ استقلال لبنان عن فرنسا عام 1943، لم يكن أي سوري بحاجة للحصول على تأشيرة لبنانية للمرور عبر الحدود بين الدولتين، مع إتاحة تجديد الإقامة مجانًا، ولذلك وصل نحو 1.5 مليون لاجئ من سوريا منذ بداية الحرب إلى لبنان، لكن في يناير (كانون الثاني) 2015 انتهت سياسة الدخول السوري إلى لبنان، دون تأشيرة بشكلٍ عام، وأصبحت القوات اللبنانية تمنع دخول الكثير من السوريين، وأخذت تصنّف السوريين إلى فئتين، السوريون المسجلون لدى «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» (مفوضية اللاجئين)؛ وفئة غير المسجلين الذين عليهم إيجاد كفيل لبناني للبقاء بشكل قانوني في لبنان.

 كذلك أصبح على جميع السوريين دفع 200 دولار أمريكي رسوم تجديد إقامة، وطُلب من السوريين الراغبين في دخول لبنان تقديم دليل للسلطات اللبنانية على امتلاكهم سببًا لدخول الدولة، كامتلاك عقار، أو تصريح إقامة، أو دراسة، أو عمل، أو موعد في سفارة، وكذلك أصبح يلزم الراغبين في الحصول على تأشيرة سياحية بتقديم وثائق تثبت حجز الفندق، إضافة إلى مبلغ ألف دولار أمريكي، وهو ما يعني أن «التأشيرات تمنح بصورة تلقائية للسوريين الذين يمتلكون عقارات في لبنان، أي أن هناك تسهيلات للأغنياء من السوريين، بعكس أقرانهم من الفقراء» كما يقول الكاتب البريطاني «روبرت فيسك»، ويضيف في صحيفة «الإندبندنت» البريطانية: «لبنان الذي يعاني من تدفق اللاجئين السوريين، يعيد فرض الحدود التي كانت قد أقرت أيام الانتداب الفرنسي، فمنذ عام 1943، أي عندما نالت لبنان استقلالها النظري عن فرنسا، لم يحتج أي سوري للحصول على تأشيرة لبنانية ليعبر الحدود بين الدولتين».

هل تواطأت عناصر لبنانية نظامية مع شبكات تهريب الأشخاص؟

يصل طول الحدود اللبنانية – السوريّة  إلى 270 كم، وهي مساحة طويلة جدًا تجعل أمر مكافحة التهريب من الناحية اللوجستية والبشرية صعبًا.

فبالرغم من تأكيد الأمن اللبناني على قيامه بدوره في ضبط الحدود، إلا أن استمرار حركة التهريب على مدار الساعة ووقوع ضحايا، يدفع نحو تحميل الحكومة اللبنانية المسؤولية عن حياة هؤلاء، يقول مدير المؤسسة اللبنانية للديمقراطية وحقوق الإنسان (لايف) المحامي «نبيل الحلبي»: إنه «بعد امتناع السلطات اللبنانية عن استقبال لاجئين سوريين جدد، وعدم تأمين ممرات إنسانية آمنة في وجه العائلات السورية الهاربة من جحيم الحرب في سوريا، تحول اللاجئون السوريون إلى هدفٍ هشّ لشبكات تهريب الأشخاص، واندرجت نشاطات هذه الشبكات ضمن نشاطات عصابات الاتجار بالأشخاص وفق القانون الدولي»، ويضيف لـ «ساسة بوست» : «بالتالي يقع على عاتق الدولة اللبنانية مكافحة تلك الشبكات واعتقال أعضائها، ومنع الدوافع وتجفيف مصادر تمويلها من خلال العمل على تأمين ممرات آمنة بشكل نظامي أمام لاجئين حقيقيين».

وكذلك يدعو «الحلبي» إلى وضع إطار قانوني موحد يميز بين اللاجئ المضطر وبين المهاجر الاقتصادي، مستدركًا: «لكن مع الأسف، واقع الحال يشير إلى أن السلطات اللبنانية لا تزال تضع شروطًا وعراقيل أمام دخول السوريين إلى لبنان، وبدون أي تمييز بين اللاجئ الإنساني، وبين المهاجر الاقتصادي الذي يجب أن تطبق عليه لوائح وقوانين مختلفة».

متطوعون لبنانيون يوزعون البطانيات في مخيم للاجئين السوري بمرج الخوخ -أرشيف

ويتابع القول: «كما أننا لا نستبعد – كمؤسسة حقوقية مراقبة ومتابعة لهذه الملفات – تورط عناصر حدودية نظامية مع شبكات تهريب الأشخاص؛ ذلك أن هذه الشبكات السورية/اللبنانية كانت ناشطة في تهريب السلع والبضائع قبل الحرب السورية، ثم تحولت للاتجار بالسلاح، واليوم تنشط في إطار تهريب الأشخاص، بعد أن توقف نشاطها في تهريب البضائع بسبب الحرب والوضع الحدودي بين البلدين».

رحلة التهريب من الحرب إلى الموت خذلانًا

«منذ عامين لا أعمل، ولا أجد فرصة عمل تؤمن لي دخلًا ثابتًا أنظم به حياتي، وحين عرض علي تسهيل عملية تهريب السوريين المرفوضة أوراقهم للدخول إلى لبنان – قبلت»، هكذا برر شاب لبناني تحدث إليه موقع «المشارق» اللبناني اختياره العمل كميسر للمهربين على الحدود اللبنانية السورية.

خيام اللاجئين السوريين في مدينة عرسال بوادي البقاع اللبناني، بالقرب من الحدود مع سوريا

فهذا الشاب العشريني الذي أصبح يجني ما بين 200 وألف دولار مهمته أن يقوم بالتأكد من أمان الطريق التي سيسلكها المهربون، ثم إيصالهم للطريق العام مع اللاجئين إلى الحدود اللبنانية، ويدرك الشاب الذي اختار اسمًا مستعارًا هو «محمد» مخاطر عمله بتعرضه للملاحقة الأمنية، لكنه في المحصلة أصبح جزءً من منظومة استغلت شروط الحصول على إقامة في لبنان التي شكّلت مُناخًا خصبًا لانتهاز اللاجئين الهاربين من الحرب، حيث ينشط أبناء البقاع الشمالي في لبنان بالتهريب المتبادل بين الجانبين السوري واللبناني للبشر، بعد أن اقتصر عملهم قبل الحرب السورية على تهريب مادة المازوت والمواشي والحديد والمواد الغذائية وغيرها، فبلغ نسبة من يعمل في التهريب من أهالي قرى البقاع الشمالي الحدودية 40 %، ليتحول الأمر نحو الربح الأكثر، وهو تهريب البشر عبر طرقات جبلية وعرة محاذية للحدود السورية البرية، خاصة بعد تشديد دخول السوريين عبر المعابر الشرعية.

ويقدر عدد المهربين من السوريين واللبنانيين بين 300 إلى 400 مهرِّب، يعملون بشكلٍ هرميّ، فرأس الهرم يكون محميًا من أحد المسؤولين في الأمن العام اللبناني، ويعمل تحت إمرة هذا الرجل مجموعة مهمتها إيصال السوريين الذين لا يستطيعون استيفاء شروط دخول لبنان من مناطق عدة في سوريا عبر الطرق الوعرة إلى الأراضي اللبنانية، ويشرح تقرير أعدته صحيفة «السفير» تفاصيل عملية التهريب: إذ تبدأ العملية الطويلة باتصال من النازح، أو العامل السوري، بالمهرّب الذي يضمه إلى اللائحة معدة البرنامج سلفًا.

طفل سوري يزيح الثلج عن خيمته

وحسب التقرير السابق: «فقد تنطلق الرحلة فجأة بعد التواصل مع المهرب اللبناني على الضفة الأخرى، والتي لا تستغرق أكثر من ساعات فقط، مع الإشارة الى أن المُهربين لا يعرفون بعضهم البعض، وهم يلتقون في معبر جديدة يابوس الشرعي عند الجانب السوري»، ويوضح التقرير أنه «بعد تجاوز آخر حاجز أمني سوري عند الحدود السورية، تتجه القافلة عبر الطريق الدولي صوب الجبل، ويتقدمها المهرب السوري حتى الوصول إلى ما يعرف بـ(الضهرة)، وهناك تسلّم القافلة إلى المهرب اللبناني. وتكمل القافلة سيرها باتجاه بعض المزارع المهجورة عند الحدود اللبنانية ـ السورية التي تنتشر على طول جبال الصويري، ومجدل عنجر، والفاعور التي باتت نقطة تجمع ووصول أساسية في عمليات التهريب».

لكن مهمة المهرب لا تخلو من خذلان منه للاجئين، فغالبًا وللتخلُّص منهم بأقرب وقت بعد الحصول على أموالهم يقوم بتمويه من خلفه، أو يوهمهم بتسليمهم لمُهربٍ آخر، وهكذا حتى يصل لمبتغاه، وحسب تقرير صحيفة السفير فإنه «تقدّر حجم حركة التهريب في البقاع من سوريا بأكثر من 30 ألف شخص في الشهر الواحد، أي ما يعادل ألف شخص يوميًّا، مما يعني أن حركة التهريب والدخول الى لبنان عبر الطرق غير الشرعية تفوق حجم حركة العبور الرسمية التي تتم عبر معبر المصنع الحدودي»، ويضيف التقرير: «الأسعار تتراوح بين 300 و500 دولار للنازح من سوريا بطريقة شرعية. أما في حال خروج النازح من الأراضي السورية بواسطة التهريب، فتصل التسعيرة إلى ألف دولار».

المصادر

تحميل المزيد