صورة لطفل غريق، وآخر يُركل مع أبيه، وثالثة لأب يحمل طفلة نائمة ليقتات ببيع الأقلام، تخص جميعها اللاجئين السوريين، التقطت صدفة أو بقصد في أماكن لجوء تعددتْ وتنوعت كمعاناتهم.

ربما كان هؤلاء أحسن حظًا؛ فما التقطته الكاميرا غَيضٌ من فَيض لم يصور ولم يروَ على مسامع الإعلاميين. لقد حمل عام 2015 الكثير من الصور التي أظهرت مدى المعاناة التي فرضت على السوريين أثناء نزوحهم من الحرب، وأحدثت تلك الصور ضجة كبيرة، لكن سرعان ما كان يخمد صوت الاستنكار، حتى تظهر صورة أخرى، للاجئ آخر ومعاناة أخرى. وهكذا مر عام 2015 على اللاجئين السوريين: صورة فحكاية فصمت.

رغد حسون.. الموت بالسكري وجثة في عرض البحر

رغد حسون، طفلة في الحادية عشرة من العمر، مصابة بمرض السكري الحاد. وصلت رغد إلى مصر عام 2013 مع عائلتها اللاجئة، وذلك على أمل التوجه نحو ألمانيا كمستقر. كان هذا القرار الأخطر على صحتها والذي أدركه والدها الصيدلي، وأدركته هي أيضًا رغم صغر سنها، لذلك طلبت من عائلتها الهجرة دونها.

أصر الجميع على عدم التحرك دونها، وأخذوا بكل الأسباب التي تحافظ على صحتها خلال رحلة اللجوء تلك، أخذوا الأنسولين ومعدات قياسه بالدم والمحاقن.

وعلى رغم توقع مصاعب كثيرة خلال رحلة الهجرة، لم تتوقع هذه الأسرة أن يصل الأمر لحد الاضطرار لسحب حقيبة الأدوية الاحتياطية وإلقائها في الماء بعدما غرقت الحقيبة الأولى في بداية الرحلة، فحسب صحيفة “الدايلي ميل” قالت الأم: “المهربون اضطروا إلى نقل الركاب إلى قارب آخر، فغرقت حقيبة الأدوية الأولى في المياه، وعندما بقيت الأم تحتفظ بالحقيبة الأخرى على رأسها، أمرها المهربون المسلحون بالتخلص منها، وعندما رفضت، ألقاها أحد المهربين بنفسه في البحر وسط استجداءاتها بألا يفعل ذلك”.
عاشت رغد خمسة أيام فقط دون دواء، ثم توفيت وسط ازدحام القارب باللاجئين، وكان الأمر هو قرار إلقاء جسد رغد في البحر، حتى لا تترك جثة متحللة وسط أشقائها.

آيلان كردي.. طفل غريق غُرس وجهه في الرمال

 

طفل صغير، بكامل ملابسه، يرتدي قميصًا أحمر وبنطالًا قصيرًا أزرق، ملقى على وجهه، غارس في رمال شاطئ بحر ألقاه وسط رغوة الأمواج أمام أحد المنتجعات التركية، تلك الصورة التي أفجعت العالم خاصة بالطفل السوري “آيلان كردي”، ذي الثلاثة من العمر.

غرق آيلان مع أمه وأخيه ومع أربعة أطفال آخرين أثناء رحلة اللجوء من تركيا إلى جزيرة كوس اليونانية، إذ لم يبتعد القارب كثيرًا، قبل أن يقرر المهرب ترك ضحايا والهرب، تركهم يواجهون الأمواج العاتية في عرض البحر. لقد أحدثت صورة الطفل موجة من التعاطف مع اللاجئين السوريين، وأحدثت موجة من الغضب على الحكومات العربية والأوروبية لتخاذلها في التعامل مع هذه المأساة.

بائع الأقلام.. يد تحمل طفلة وأخرى تقتات

يحمل طفلة في الرابعة من عمرها على كتفه، يحتضنها، وهو يعرض في يده أقلامًا للبيع، يسير باكيًا في شوارع بيروت على حاله لاجئًا سوريًّا عاثر الحظ.


هو اللاجئ عبد الحليم العطار، سوري من أصل فلسطيني، نزح من مخيم اليرموك مع طفليه إلى لبنان، ولجأ إلى بيع الأقلام كي يوفر بعض النفقات التي تساعده وأسرته على الحياة. لقد أحدثت هذه الصورة التي التقطت وانتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي الكثير من ردود الفعل الغاضبة تجاه حال اللاجئين، وحال هذا الرجل بشكل خاص.

أسفرت حملة جمع التبرعات له عن جمع آلاف الدولارات، إذ أطلق هاشتاج “اشتروا الأقلام (#buy_pens) لمساعدة العطار، وكان الناشط الأيسلندي سيمونارسون من أوائل من سعى للبحث عن الرجل لتسلميه ما جمع من تبرعات، فخلال 24 ساعة جمع 40 ألف جنيه إسترليني، يقول سيمونارسون: “لقد حاولت أن أفعل شيئا لمساعدة هذا الرجل بعدما رأيته وعندما نشرت صورته لم أصدق ما حدث بعد ذلك”.

روكسان.. القتل بعد الاغتصاب


“تعرضت للاغتصاب من قبل ثلاثة رجال، منذ ذلك الوقت تعتبرني عائلتي مدنسة، أمي وإخوتي اعتدوا علي، وقالوا أنني أستحق الموت”، “أنتظر الموت.. لكنني لا أزال أصغر من أن أموت”، رسالتان نشرتا من رسائل تركتها اللاجئة السورية روكسان – 20 عامًا – التي قتلت طعنًا في أكتوبر الماضي في بلد اللجوء ألمانيا، وعلى يد والدها وشقيقها.

لم يكن خروج روكستان من سوريا إلا لأسباب مضاعفة ومؤلمة عن الأخريات؛ أرادت الهرب من جحيم زادته وطأة موقف أهلها، فقد تعرضت للاغتصاب على يد عناصر مسلحة في سوريا، وتوعدها أهلها بالقتل “غسلًا للعار”.

خرجت الفتاة من بلدها وتمكنت من الوصول إلى ألمانيا، وهناك وعلى مدى سنتين عاشت في منزل للأمهات العازبات، حاولت أن تندمج في المجتمع الألماني، وتتغلب على الخوف الذي يقيدها، والموت الذي سيأتي على يد أهلها.

كانت تدرك أن نجاحها في الهرب من سوريا ليس طوق نجاة لها، فبعد عامين من وصولها إلى ألمانيا، وبعدما أخذت تتأقلم في هذا المجتمع؛ فعملت مترجمة لطالبي اللجوء، قتلت بدون أدنى رحمة. يقول الكاتب “مارك كروغر”، الذي عملت معه روكسان مترجمة بينه وبين لاجئين سوريين، أن “روكسان أخبرته بقصتها وبالمصير الرهيب الذي ستلقاه”.


أسامة الرجل.. عرقلته صحفية مجرية


كان مشهد لاجئ سوري في بداية الخمسينيات من العمر، يحمل ابنه ذا السابعة من العمر ثم يركل الأب فيسقط أرضًا مع صغيره، وسُجل بذلك واحدًا من أشد الصور ألمًا بحق اللاجئين السوريين، كون من أسقطته أرضًا هي مصورة صحفية تحمل كاميرا فيديو لتسجيل معاناة!

حاول الرجل المصدوم أن يتلافى عند السقوط إيذاء ابنه “زيد” على أرض حدودية وعرة (المجر)، هذا المشهد المؤلم كان من نصيب السوري أسامة عبد المحسن، الملقب بـ”أسامة الغضب”، عندما أراد اللجوء إلى ألمانيا بعد أن تشتتت أسرته جراء الحرب في سوريا.

قبيل هذا المشهد كان الرجل قد بات في العراء، في منطقة حدودية حجمها 300 متر، وعمقها 70 مترًا، محاطة بجنود أو شرطة مجرية، وهذا ما دفع اللاجئين إلى اختراق الطوق الأمني والدخول إلى القرية القريبة من المنطقة، يقول الرجل عن ابنه بعد السقوط “كان يبكي بجنون ومصاب وحالته النفسية سيئة… بعد ساعتين ارتفعت حرارته وبدأ بالتقيؤ وعجز عن المشي فحملته كل الطريق على ظهري لثلاثة كيلومترات”.

هشام معضماني.. السباحة لمسافة 5 كيلومترات

لاجئ سوري في الرابعة والعشرين من العمر، يقطع مسافة خمسة كيلومترات في البحر خلال ست ساعات، فيعتبر أول لاجئ يسبح في الممر المائي الضيق بين تركيا والجزر اليونانية.


بدأت تلك الرحلة الخطرة عندما ألقى هشام معضماني نفسه ليلا في مياه البحر المتوسط من تركيا، وهدفه أن يصل ألمانيا متحديًا المسافة والبرودة الشديدة لمياه البحر، كان هذا القرار نابعًا من معاناة كبيرة تمخضت عن مرور معضماني بـ11 دولة بعد نزوحه من سوريا عام 2012.

خاض الشاب رحلة ملحمية بعد أن نفد ماله ولم يعد باستطاعته توفير نفقات يطلبها المهربون، لم يحمل معه إلا جواز السفر وقلم ليزر وهاتفًا نقالًا، وضع الأساسيات تلك في كيس بلاستيكي داخل حقيبة من النايلون، ثم توجه نحو المضيق البحري، الخيار الوحيد للوصول إلى أوروبا.

يقول هشام أنه عندما وصل إلى إحدى الجزر فكر أن باستطاعته الاستراحة بها، ثم اكتشف أنه من المستحيل تسلق أرضها لوعورتها، لذلك اضطر إلى الاستمرار في السباحة حتى رأى سفينة أشار إليها بقلم الليزر لنجدته، فانتشله خفر السواحل اليونانية حتى وصل على الشواطئ الأوروبية.

«سارة ويسرى».. يقفزان من القارب لإنقاذ بقية اللاجئين


رغم أنهما سباحتان ماهرتان، إلا أن قطع السواحل التركية إلى اليونان بحرًا لم يكن بالأمر الهين على اللاجئتين السوريتين سارة – 20 عامًا – ويسرى مارديني – 17 عامًا -، إذ كان المقابل في الغالب هو فقدان حياتهن في رحلة اللجوء عبر البحر.

نزحت سارة ويسرى من سوريا، وتوجهتا مع أسرتيهما إلى لبنان ومن ثم إلى تركيا، وعندما أرادتا الهجرة إلى اليونان ودفعتا المال، أفشلت خفر السواحل التركية عملية التهريب، فسجلت محاولة أولى فاشلة.

في المحاولة الثانية استمرت الفتاتان في السباحة حتى وصلتا إلى الشواطئ اليونانية ومن ثم المشي إلى برلين، والسبب في ذلك أنهما اضطرتا إلى القفز مع ثلاثة آخرين من قارب مطاطي ممتلئ باللاجئين، أخذت المياه تضربه من كل جانب. كان قرارهما إنسانيًّا بالدرجة الأولى، أرادتا أن يبقى القارب طافيًا في البحر كي يتمكن اللاجئون الآخرون الذين لا يعرفون السباحة من الوصول.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد