ميرفت عوف 14
ميرفت عوف 14

10,254

على وقع سماعهم لأخبار المجازر والحصار في دوما وإدلب والغوطة الشرقية، يتابع  اللاجئون السوريون في الدول الغربية تصريحات توصف بـ«المجنونة»، تتفوه بها شفاه شخصيات من اليمين المتطرف في أوروبا، وتفيد بأن «الوضع في سوريا أصبح آمنًا»، لذا عليهم العودة.

ويستخدم هؤلاء ورقة اللاجئين السوريين في صعودهم السياسي لهذا الحد الذي يعني إلقاء ملايين من اللاجئين في وضع خطير عند ترحيلهم وإعادتهم إلى بلادهم، بزيادة موجة دعوات تتناغم مع سياسات اليمين الصاعد القائمة على أن الحرب في سوريا انتهت ولا مبرّر للبقاء.

يمينيو الدنمارك يريدون رمي السوريين إلى فم النظام

ترك الشاب السوري «زياد المنصور»، وهو ضابط سابق في قوات النظام، بلاده في العام 2012، هاجر بطفله الوحيد بعد أن قتلت زوجته، وفقد منزله خلال الحرب السورية؛ حتى وصل الدنمارك لاجئًا.

لاجئون سوريون –الدنمارك

يتابع «المنصور» بدقة الأخبار الإعلامية التي تتحدث عن مطالب ترحيلهم كلاجئين سوريين من الدنمارك، حيث تفرض المخاوف عليه التفكير بهذا القرار وتأثيراته عليه وعلى طفله، تحدثت «ساسة بوست» لـ«المنصور» الذي قال: إن «الجميع هنا خائف من كل شيء، أشعر أن هذا القرار خطير علينا كلاجئين، ولا نملك أن نفعل شيئًا فقط ننتظر توابع هذا القرار كبقية القرارات السابقة، ولذلك أنا لا أستبعد تطبيقه إن بقينا صامتين، حيث يبدو لي أن هذه الحكومة لا يوجد لديها عمل، سوى اللاجئين، لقد نسوا الشعب الدنماركي»، ويضيف الرجل: «لا يمكنني العودة لسوريا، الخطر كبير عليه، هم يريدون قتلنا لا أكثر، لن أرحل ما دامت الحرب مشتعلة في سوريا، فكل سنتيمتر في سوريا لا يوجد به أمان، ولا ماء، ولا كهرباء، ولا بنية تحتية».

في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، عجل حزب «الشعب الدنماركي» بمناقشة قانونية إعادة اللاجئين السوريين إلى مدينة الرقة التي تعرضت لتدمير كامل بعد تحريرها من «تنظيم الدولة»، حيث يرى هذا الحزب الذي يحتل المرتبة الثانية بين الأحزاب الدنماركية المعارضة أنه «حان الوقت للاجئين السوريين القادمين من منطقة الرقة بالعودة إلى ديارهم» حسب ما قال زعيم الحزب «كريستيان ثولسن دال»، مضيفًا: «لا أفهم لماذا لا يقف السوريون في الدنمارك، كغيرهم من أبناء بلدهم، أمام بيوتهم، وبمساعدة من الدانمارك؛ للمشاركة في إعادة إعمار بلدهم؟».

البرلمان الدنماركي يناقش أوضاع اللجوء

وأعاد اليمين الدنماركي الحديث عن ترحيل السوريين أيضًا في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ليبدو أنه لن يتراجع عن مساعيه في إعادة اللاجئين، وربط تلك المسألة بالتفاوض على الموازنة العامة للبلاد، حيث يطالب بتقليص موازنة دمج اللاجئين في المجتمع الدنماركي على اعتبار أن إقامتهم مؤقتة، وسيغادون إلى سوريا، ولم يتوان اليمين المتطرف في الدنمارك وسط المعارضة غير القوية أمامه عن ترك الباب مفتوحًا أمام إمكانية الدخول في مفاوضات مع النظام السوري؛ بغية إعادة السوريين على اعتبار أن ذلك هو البديل الوحيد؛ إذ يسعى هذا اليمين، الذي يملك نفوذًا على سياسات الحكومة، للحصول على تنازلات بشأن ترحيل اللاجئين بدءًا بالسوريين الذين تعود أصولهم إلى الرقة، ثم استكمال الطريق لإعادة بقية السوريين الحاصلين على ما يعرف بـ«حماية مؤقتة».

أصوات الأحزاب اليمينية تتعالى لترحيل السوريين في ألمانيا

«حتى لو رحل بشار الأسد، أريد أن أبقى هنا أعمل، وأتعلم، وأندمج أكثر في المجتمع، ولذلك فلن أعبأ بمطالب الترحيل»، يلخص اللاجئ السوري «حاتم» موقفه من احتمالية ترحيل للاجئين السوريين من ألمانيا في الكلمات السابقة، تلك الدولة التي لجأ إليها في نوفمبر عام 2015.

ويضيف لـ«ساسة بوست» بنبرة صوت غاضبة: «أراقب مطالب الأحزاب اليمينية هنا بترحيلنا، لكني أستبعد أن تقر، على الأقل في الوقت القريب، فمن يلتزم بالقانون ويستوفى شروط الاندماج، لا أحد يستطع ترحيله. وهنا النسبة الأكبر من السوريين يعكفون على التعليم والعمل والاندماج، ورأوا مستقبلهم هنا، خاصة أن الوضع غير آمن في سوريا».

فبالرغم من موقف الحكومة الألمانية الداعم لقضايا اللاجئين السوريين الذين بلغ عددهم قرابة 700 ألف سوري منذ 2011، لا يمكن الاستهانة بدعوات حزبي «الاتحاد المسيحي» الديمقراطي المسيحي، برئاسة ميركل، و«الاجتماعي المسيحي البافاري»، بزعامة زيهوفر، التي تتعالى لترحيل السوريين إلى وطنهم بداية من الصيف القادم، والذي نجم عنها تقدم ولايتي: سكسونيا، وبافاريا، الألمانيتين، بطلب إعادة تقييم الوضع في سوريا من مؤتمر وزراء داخلية الولايات الألمانية، وهو طلب يحظى بدعم من جميع الولايات الألمانية التي يحكمها الاتحاد المسيحي، بل وصل الأمر لتقدم حزب «البديل من أجل ألمانيا» بطلب للبرلمان الألماني يدعو فيه الحكومة الألمانية إلى التفاوض مع نظام الأسد حول اتفاقية لإعادة اللاجئين؛ إذ يحاول هذا الحزب اليميني المتطرف عقد اتفاقية مع النظام السوري من أجل السوريين إلى بلادهم مع تأكيده أن الاتفاقية تضمن عدم إلحاق الضرر بهم، وإيوائهم في الأماكن الهادئة في سوريا.

لاجئون سوريون في ألمانيا لتعلم اللغة

يقول مدير مركز برلين إنسايدرز «ناصر اجبارة»: «إن الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات تسعى جاهدة لتصعيب بقاء اللاجئين في البلد، لاسيما بعد رضوخ الحزب المسيحي الديمقراطي لشقيقه الاجتماعي البافاري باتخاذ سياسات أكثر صرامة تجاه اللاجئين»، ويضيف لـ«عربي21»: «لا أستبعد اتخاذ وزراء داخلية الولايات بتمكين ترحيل لاجئين سوريين في غضون الأشهر القادمة، لاسيما من مرتكبي الجرائم في بلادهم، كما حدث مع أفغان وعراقي».

الترحيل يعني الموت

منذ أربع سنوات هي عمر لجوئه إلى السويد، يعمل اللاجئ السوري «حسن»، ذو الأربعين عامًا، على كل ما يهيئ له الاستقرار في هذا البلد، وهو يضاعف جهده لخلق ظروف استقرار أكثر لطفليه.

لاجئة سورية في السويد

يقول «حسن»: إنه «لا يمكن أن يعود إلى سوريا في حال أجبر على الرحيل من السويد، هذا القرار الذي يخيفه يكثر الحديث عنه مؤخرًا»، يقول لنا: «مطالب خطيرة جدًا، سنموت إذا عدنا، لذلك فخياري الوحيد هو الهجرة إلى مكان آخر، وتكرار تجربة اللجوء القاسية مرة أخرى»، ويتابع القول بلهجته السورية: «عم اتعب واشقى؛ كرمال يبقوا ولادي في السويد، وما يرجعوا لسوريا».

أيضًا كان قرار اللاجئ السوري «أحمد» مشابهًا، وهو الذي لجأ إلى السويد في أغسطس (آب) 2015، يقول لـ«ساسة بوست»: «تحملت الكثير من المعاناة في اللجوء إلى هنا، وها أنا أعيش على أعصابي من احتمالية الترحيل، فلا خيار لي في حالة إقرار العودة، يجب أن أبقى هنا، فلا توجد أية دولة يمكن أن تستقبلني، ولا توجد  إمكانية للعودة لسوريا كوني مطلوبًا لعدة جهات»، ويتابع القول: «القرار جدًا خطير في حال تصديقه، ستحدث مجارز بحق الناس التي سيطبق عليها القرار».

يعيش الرجلان السابقان في السويد، التي باتت تشدد أكثر قوانين اللجوء؛ إذ أعلنت الحكومة السويدية في العام 2016 عن نيتها طرد عشرات آلاف اللاجئين، واتخذت قرارات فعلية بطرد آلاف الأفغان والعراقيين المرفوضة طلبات لجوئهم، بل أعلنت في مايو (أيار) الماضي عن مواصلة تنفيذ إجراءات طرد حوالي 80 ألف لاجئ ومهاجر وصلوا إليها في العام 2015، ويشكل اللاجئون السوريون 90% من طالبي اللجوء في السويد، وتوافق السويد على ما يقرب من نصف طلبات اللجوء المقدمة إليها فقط، فيما تنذر المرفوض طلباتهم بالمغادرة الطوعية، أو الطرد بالقوة، وهو ما يدفع هؤلاء إلى الفرار من أماكن الاحتجاز العائدة لوكالة الهجرة الحكومية؛ حيث تكلل رحلة تواريهم عن أنظار الأجهزة الأمنية بمخاطر عدة.

أما في اليونان، فقد اتخذت خطوات تخص اللاجئين في سبتمبر (أيلول) الماضي، عندما قررت محكمة إدارية – في سابقة خطيرة – ترحيل لاجئين سوريين بشكل إجباري، حيث تأثر أكثر من 750 سوريًا بالحكم الذي أصدرته محكمة «مجلس الدولة» والقاضي بإعادتهم إلى تركيا التي عبروا منها إلى اليونان العام الماضي، وعلى اعتبار أنها بلد آمن بالنسبة لهم، وهو ما نفته مجموعات حقوقية أكدت بأن الافتراض خاطئ وسط غياب الضمانات بحصول اللاجئين السوريين على مأوى وعمل في تركيا، واحتمال تعرضهم إلى انتهاكات واستغلال.

هل سوريا آمنة الآن؟

يروَّج اليمين المتطرف في الدول الغربية كما أسلفنا لفكرة أن سوريا باتت آمنة وخالية من التنظيمات الإرهابية، مع استمرار الترويج للمواقف المعادية ضد هؤلاء اللاجئين، ويستمر ذلك بالرغم من أن منظمات معنية بشئون اللاجئين، وأهمها هيئة إغاثة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة تشدد على أن الوضع لن يتغير كثيرًا في سوريا في عام 2018، حيث إن «جميع المناطق في البلاد معنية مباشرة، أو بصفة غير مباشرة بالحرب والعنف، وعلى هذا الأساس لا يحق لأي بلد أن يرحل لاجئين ضد إرادتهم إلى هناك».

طفل أصيب في إحدى بلدات الغوطة الشرقية قبل أسابيع قليلة، حيث تستمر عشرات الغارات على المحافظة (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي).

ويضعنا المحامي والناشط الحقوقي السوري، غزوان قرنفل، في حقيقة المشهد، حيث يشير إلى أنه ليس هناك أية مؤشرات أو قرارات معلنة أو غير معلنة بشأن ترحيل اللاجئين السوريين حاليًا، ويوضح لـ«ساسة بوست» أن ادعاء أن وضع سوريا آمن هو محض تنبؤات وقراءات لأفراد يعتقدون أن عام 2018 هو عام الحسم، ويضيف: «سيكون هناك قرار بهذا الشأن، إذا مازالت الأسباب التي تهدد حياة اللاجئ أو سلامته البدنية، فطبيعي أن يعاد النظر بأوضاع هؤلاء.. وهذا موجود في كل دول العالم»، ويشدد «قرنفل» على أنه إن لم يكن هناك حل نهائي للصراع في سوريا بما يضمن انتهاء العمليات العسكرية، وضمان سلامة المدنيين، والبدء بإعادة الإعمار، لن يكون هناك ترحيل لأحد، ولن يجبر أحد على الرحيل حسب القانون.

من جانبه، يقول الباحث والمحلل السياسي زاهر علاوي: إنه «يتحدّث ساسة اليمين في ألمانيا، وكأن الشعب السوري فرّ من داعش، لا من قمع النظام وجيشه، وهذا نابع من تغيّر في موقف الأوروبيين والأمريكيين لصالح نظام الأسد، لا سيّما مع تشتت المعارضة السورية، وتراجع الثقة بها، وازدياد الصراع بين اللاعبين الدوليين»، ويتابع القول لموقع «أورينت» السوري: «سوريا دولة مدمرة بمدنها وبلداتها، وليست آهلة للعودة، والنظام مستمر في ملاحقة المعارضين، كما أنّ أسباب الهرب من سوريا لا تزال قائمة، وبالتالي لا يمكن اعتبار أنّ الوضع آمن».