إذا سمعت في الأيام الماضية بخبر حرق مخيم سوري في لبنان، مخيم «المنية»، فللأسف هذه ليست المرة الأولى التي يحرق فيها مخيم لاجئين، ولا يبدو أنها ستكون الأخيرة.

بات أشد ما يتخوف منه السوريون في لبنان افتعال مشكلة مع أبناء البلد، أو السكن في مخيم فيه شبان قد يتشاجرون معهم؛ لأن النهاية ستكون وخيمة على المخيم كاملًا. إذ قد يتحول إلى رماد في طرفة عين، كما حصل مؤخرًا، وهي مشكلة عانى منها خلال الأعوام السابقة اللاجئون الذين يقطنون في المدن والبلدات والمخيمات العشوائية في شمال لبنان وسهل البقاع في الشرق، وهما من أكثر المناطق تهميشًا في البلاد.

يعيش في لبنان نحو مليون ونصف مليون سوري بحسب الأرقام الحكومية، منهم حوالي 950 ألفًا مسجلين رسميًّا لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.

ولأن لبنان ليس طرفًا في اتفاقيات دولية تخص اللاجئين، مثل اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1951 وبروتوكولها لعام 1967، فقد تخلَّت الحكومة اللبنانية عن مسؤوليتها تجاه اللاجئين، ولذا تسمي الأمم المتحدة السوريين في لبنان بالـ«نازحين».

Embed from Getty Images

مشاهد من حريق مخيم المنية، الصورة بتاريخ 27 ديسمبر (كانون الأول) 2020

شجار يحرق مخيمًا كاملًا

اجتمع الائتلاف الوطني السوري المعارض، وحكومة النظام السوري، وحزب الله، في إدانة وتحميل الحكومة اللبنانية مسؤولية ومعالجة حادث حرق مخيم المنية، يبعد 10 كم شمال مدينة طرابلس، ومسؤولية تأمين الحماية والرعاية للمهجرين السوريين، حسب تعبيرهم، دون تحرك أي من هذه الجهات للنظر في حاجة مئات الأشخاص في الوقت الحاضر ممن خسروا مأواهم، للعمل على محاولة تأمين احتياجاتهم.

تحدثنا مع نهدا شويخ، مهجرة سورية من مدينة الرقم منذ ثماني سنوات، وقالت لـ«ساسة بوست»: «نريد الأمان، الأمان أهم شيء، وعندنا الأطفال بلا لباس منذ ثلاثة أيام، ما يزال الأطفال مرتدين اللبس ذاته، مو حرام جونا بالليل والشتا فوقنا، شو سووا فينا، والله يعني الوضع سيئ جدًّا»، تتساءل نهدا «شو بدنا نقول»، وهي بقرب خيمتها المحروقة مستنكرة لما حدث، وعن خسارتها تقول: «بدهم سنتين ما يعوضونا أغراضنا اللي راحت».

هذه الرواية لأم لديها أربعة أطفال دون معيل، تصف معاناة المئات الذين تضرروا من حريق ابتلع مخيمًا كاملًا.

نقل موقع «العربي الجديد» عن رئيس البلدية التي يقع المخيم في نطاقها، أن الحريق حصل نتيجة «إشكال فردي بين عمَّال من المخيم وتاجر حمضيات لبناني يعملون لديه، ولا علاقة له أبدًا بما يُشاع عن مشاعر كراهية وعنصرية»، ويذكر المصدر أن «المخيم المذكور شُيِّد في بلدتنا منذ أولى موجات النزوح السوري إلى لبنان، أي منذ عام 2011، ولم يشهد أيَّ احتكاك يُذكر، بل على العكس نعيش معًا بكل احترام ومحبة».

تتطابق هذه الرواية مع ما قاله محمد صوح، لاجئ في مخيم المنية، في حديث مع «ساسة بوست»، ويوضِّح صوح تفاصيل الحدث أكثر: «بدأت ليلًا اشتباكات وإطلاق رصاص وأصابت الأسلاك الكهربائية. وبعد أن تمت محاصرة المخيم من مدخليه وإضرام النيران فيه، انفجرت قوارير الغاز، واحترقت كافة الخيم مع الأثاث، ولم ينج سوى البشر».

وبحسب المفوضية العليا لشؤون اللاجئين السوريين في شمال لبنان، مخيم بحنين- المنية هو واحد من عشرات المخيمات المنتشرة في لبنان، ومعظمها بنيت بطريقة عشوائية وفي مساحته الضيقة التي لا تتجاوز 1500 متر مربع، يوجد به 86 خيمة تسكنها نحو 76 عائلة، أي إن هناك 379 لاجئًا سوريًّا مشرَّدًا في الوقت الحالي.

«المنية» ليست الحادثة الأولى

هذه ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها لاجئون سوريُّون في لبنان لحرق خيمهم، فحرق الخيام عادة بدأ في أغسطس (آب) 2013، حين أقدم مالكو أراضٍ في ريف قضاء عكار على حرق خيام لبعض النازحين الذي افترشوا أراضي زراعية على قارعة الطريق، ثم في أكتوبر (تشرين الأول) 2013، أحرق «مجهولون» خيامًا لعمال سوريين في سهل قصرنبا في بعلبك.

نقلت منظمة «هيومن رايتس ووتش» في تقرير لها عن «عنف متصاعد يستهدف اللاجئين السوريين»، عن وكالة الأنباء اللبنانية، أن أشخاصًا أضرموا النار في مخيم للاجئين في الهرمل، في البقاع، في سبتمبر (أيلول) 2014، وتسبب الحريق في إصابة سوريين اثنين بجروح.

وفي الشهر نفسه، في مداهمة للجيش اللبناني لاعتقال مشتبهين، أحرقت عدد من خيام النازحين بمخيم البنيان السابع، الذي يضم عشرات الخيام في مدينة عرسال على الحدود السورية– اللبنانية.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2014، علت ألسنة اللهب في حي المغراق في بلدة مشحا العكارية، وسارعت فرق الدفاع المدني لإخماد النيران، ليتبيَّن لاحقًا أن مجموعة من شبان بلدة مشحا «المتحمسين»، بحسب موقع «المدن»، أقدموا على حرق خيم للاجئين السوريين احتجاجًا على إقامة مخيم جديد لهم في البلدة.

ويروي محمود حذيفة لـ«ساسة بوست» كيف تعرَّض مخيمه، مخيم سوق الأحد، لمداهمة من الجيش اللبناني حطَّم فيها ثلاث خيام كاملة، وحطِّمت فيها حمامات المخيم الموضوعة خارجه، ويقول حذيفة إن الجيش جمع أهالي المخيم وطلب منهم مغادرته أو سيحرقونه بالكامل.

في يوليو (تموز) 2016 أحرقت 20 خيمة للاجئين سوريين في بلدة الحصنية شمال لبنان، ونقلت مواقع إخبارية أن الحريق أضر بممتلكات اللاجئين ولكن دون وقوع ضحايا، ولاحقًا نشر موقع «الجنوبية» اللبناني الخبر راويًا «أن المدعو محمد وليد حموضة أقدم وهو بحالة سكر على حرق خيم للنازحين السوريين؛ لأنهم لم يعطوه الخوة التي فرضها عليهم».

تكررت الحالات مجددًا، واحدة في يوليو (تموز) 2018، في مشاجرة بين لبنانيين وسوريين انتهت بحرق 48 خيمة للاجئين غالبيتهم من النساء والأطفال، وفي شجار آخر مع لاجئين سوريين أحرق أكثر من 40 خيمة للاجئين سوريين في فبراير (شباط) 2019، وفقًا للمديرية العامة للدفاع المدني. وفي حديث مع حذيفة لـ«ساسة بوست»، قال إن الحريق الأخير جاء على يد مواطنين لبنانيين في شجار مع لاجئين سوريين.

ووثق الناشط السوري أحمد القصير في يونيو (حزيران) 2019 «إقدام شبان من منطقة دير الأحمر على إحراق خيام تابعة للاجئين السوريين في مخيم كاريتاس».

وفي العام الحالي 2020، وقبل حريق مخيم «المنية» شبَّ في سبتمبر (أيلول) حريق في مخيم للاجئين السوريين في منطقة العاقبية – الزهراني بقضاء صيدا، دون أن يسفر عن خسائر بشرية، ولكن الحريق هذه المرة مرجعه خلافات محلية بين اللاجئين تطورت إلى تضارب وإقدام بعضهم على حرق بعض البيوت داخل البساتين، بحسب جريدة «النهار» اللبنانية.

النظام السوري: عودوا لسوريا وسنوفِّر «الحد الأدنى» من الكرامة والأمن

يكشف محمود حذيفة لـ«ساسة بوست» أن العائلات التي أحرقت خيمها خلال السنوات السابقة عادت إلى المخيم ذاته الذي أحرق، وذلك في حال بقي قائمًا. وفي حالات أخرى تلجأ لمخيمات أخرى في منطقة جديدة، كما فعل هو وعائلته، في حين أن عددًا من الأهالي في منطقته بريف دمشق عادوا فيما يسمى «العودة الإجبارية/ القسرية»، بسبب الانتهاكات التي يتعرض لها اللاجئون في المخيمات، أو خوفًا منها.

سياسة

منذ سنتين
البحث في جذور المشكلة.. لماذا تحدث كل هذه العنصرية ضد السوريين في لبنان؟

وعلى إثر حادثة مخيم المنية، استغل سفير النظام السوري في لبنان، علي عبد الكريم، الموقف ليحرك ملف النزوح؛ إذ صرح لجريدة «البناء اللبنانية» بـ«أن مصلحة لبنان عدم الإصغاء الى الأصوات التي تحاول تعطيل العودة… من مصلحة الجميع تأمين عودة النازحين»، وقال إن أبواب سوريا مفتوحة لمواطنيها، وأن النظام يسعى لتوفير «الحد الأدنى لأمنهم وكرامتهم».

وللأمم المتحدة رأي مختلف في مسألة عودة اللاجئين؛ إذ ترى أن العودة المنظَّمة لسوريا الآن غير آمنة، وتهدد سلامة العائدين، مع أخبار عن اعتقال واستجواب، وحتى تعذيب للاجئين بعد عودتهم.

ومن جهتها، تشير منظمة «العفو الدولية» إلى أنه على الرغم من مزاعم الحكومة اللبنانية بأن العودة إلى سوريا طوعية، تُظهر حوادث مثل الهجوم على دير الأحمر أن الحياة أصبحت لا تطاق بالنسبة للاجئين، ما يترك الكثيرين بلا خيار سوى العودة إلى سوريا.

لاجئو لبنان.. عداوة سعرتها النخب السياسية

تحدَّثت واحدة من عائلات اللاجئين لـ«ساسة بوست»، بشرط عدم الكشف عن هويتها خوفًا من الاعتقال أو تعرضها لممارسات غير إنسانية، وقالت إن العنصرية تصاعدت ضد السوريين في لبنان، ويندر أن تجد أحد السوريين يستطيع الحديث عن الممارسات غير القانونية بحقهم بشكل صريح، وينعكس هذا المناخ في حديث اللاجئ محمد صوح: «طلعنا مجردين ما عنا شي، إخوانا اللبنانية، جيراننا، أقربائنا، هون ما حد قصر معنا، يعني كل الشعب اللبناني على عينا وراسنا ونحن ما فينا نحكي على شخص معين كلها جماعة كويسين».

وفي توصيات لتقرير الأمم المتحدة لعام 2020 عن اللاجئين السوريين في لبنان، ذكرت أنه على الحكومة اللبنانية الجديدة إنهاء الممارسات التمييزية ضد اللاجئين السوريين، مثل عمليات الإخلاء الجماعي وحظر التجول، خاصةً مع الصعوبات الشديدة التي يواجهها اللاجئون في ظرف الأزمة الاقتصادية والمالية القاسية التي يشهدها لبنان كله.

ووجهت الأمم المتحدة توصية للسياسيين اللبنانيين لوضع حدٍ لخطابات العنصرية وكره الأجانب ضد اللاجئين. يبرز هنا اسم جبران باسيل، وزير الخارجية اللبناني السابق، بتصريحاته وخطاباته ضد اللاجئين السوريين ودعواته المتكررة لعودتهم إلى سوريا، وأكد بأنه لن يتراجع عن تصريحاته وأن «كل من يتحدث عن عودة النازحين ليس عنصريًّا ولا فاشيًّا، ومن يتهمنا بالعنصرية إما مستفيد أو متآمر»، هذه التصريحات التي ساهمت في خروج مظاهرات طالبت السوريين بالخروج من لبنان.

وعمدت بعض المؤسسات الإعلامية في لبنان لشحن الجمهور بمواد صحفية تحريضية، بعناوين مثل: «اللبنانيون يتناقصون.. السوريون يتزايدون»، مع نشر أرقام وبيانات غير دقيقة عن السوريين في لبنان.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد