وسط الحرب والدمار والرُّكام؛ قد تولد قصص ملهمة لشخصيّات تحدّوا الظروف المأساويّة واستطاعوا إشعال شمعة أمل وسط ظلام الموت السحيق. سوريا هي ساحة الحرب الأشرس التي عرفها العالم منذ اندلاع الثورة في عام 2011 قبل سبع سنوات، وقد نزح بسبب الحرب ملايين من السوريين خارج بلادهم، ظهرت من بينهم نماذج استطاعت الوصول إلى الشهرة والنجاح رغم الظروف القاسية. في هذا التقرير سوف نقدم أربعة من أشهر اللاجئين السوريين الذين لم تقض الحرب على أحلامهم، واستطاعوا الوصول إلى العالميّة من رحم الحرب.


1- مزون المليحان.. أول لاجئة تحصل على لقب سفير الأمم المتحدة للنوايا الحسنة

 

مثل الكثير من الفتيات في سنها؛ أجبرت ظروف الحرب في سوريا مزون المليحان على النزوح عنها عام 2013، تاركة وراءها المدرسة والأصدقاء والأقارب والأحلام، وانتقلت إلى مخيم الزعتري، أكبر مأوى قريب للسوريين يقع على الحدود الأردنية السورية، وهناك بدأت حملتها البسيطة لتشجيع سكّان المخيّم على مواصلة التعليم وبالأخص الفتيات، مستغلّة فرصة وجود منظمة اليونيسف التي تعمل على توفير فرص التعليم المناسبة لأطفال المخيم. بدأت مزون المليحان تكتسب شهرة سرعان ما تجاوزت المخيّم؛ بل في العالم كله، وعرفت بأنها أصغر ناشطة تدافع عن حقّ الفتيات السوريات في التعليم، وأُطلق عليها لقب «ملالا سوريا» إشارة للناشطة الباكستانية ملالا يوسفزاي التي تملك قصة شبيهة بقصة مزون.

Embed from Getty Images

مزون المليحان في مؤتمر صحفي مع ملالا يوسفزاي

 

وفي عام 2015، اختارتها شبكة الإذاعة البريطانية «BBC» ضمن أكثر 100 امرأة إلهامًا في العالم، وذلك قبل عامين فقط من كسر منظمة اليونيسف التقاليد المعتادة بمنح مزون المليحان لقب سفيرة الأمم المتحدة للنوايا الحسنة؛ لتصبح بذلك أوّل لاجئة في التاريخ تحصل على هذا اللقب وهي لا تزال في التاسعة عشر من عمرها. وبعدها انتقلت مزون المليحان مع منظمة اليونيسيف إلى المملكة المتحدة البريطانية، لتواصل تعليمها وعملها مع المؤسسة، التي مثّلتها مزون في تشاد لأوّل مرّة العام الماضي، حتى تُلهم الفتيات اللاتي هربن من مناطق النزاع المسلّح، وتمنحهم الحماسة لكي يواصلن تعليمهن حتى النهاية.

 

2- فراس الشاطر.. من سجون بشار إلى شهرة اليوتيوب

لم يكن يتوقع فراس الشاطر أثناء محبسه في السجون السورية قبيل اندلاع الثورة بسبب تصويره للمظاهرات؛ أنّه سيخرج يومًا ويصبح أشهر لاجئ في ألمانيا. في عام 2014 كان فراس واحدًا من مليون لاجئ سوري نجحوا في الحصول على حق اللجوء إلى ألمانيا، ولكنه مثل بقية اللاجئين؛ عانى من العنصرية التي يمارسها بعض الألمان تجاه اللاجئين، خصوصًا هؤلاء الذين ينتمون لتيار اليمين.

 

ولكن بعد عامين ونصف فقط، أصبح فراس أشهر اللاجئين السوريين في ألمانيا، والسبب هو فيديو قام بنشره على موقع يوتيوب يحمل عنوان «من هم الألمان»، وهذا الفيديو يوثق تجربة اجتماعية قام بها فراس في ميدان وسط العاصمة الألمانية برلين، عندما وقف معصوب العينين يحمل لافتة كتب عليها: «أنا لاجئ سوري، أنا أثق بكم، هل تثقون بي؟». إن كانت الإجابة بـ«نعم» فما عليك إلا أن تعانقه، وبعد انتظار طويل نوعًا؛ تهافت المارة على عناقه، وانتشر هذا الفيديو على موقع اليوتيوب وشوهد من قبل أكثر من مليوني شخص. أراد فراس أن يوصل رسالتين من هذه التجربة؛ الأولى أن اللاجئين ليسوا أشرارًا، والثانية للسوريين أنفسهم وهي أن الألمان يأخذون وقتًا لاستيعاب الظواهر الجديدة، تمامًا كما حدث في الفيديو عندما انتظر فراس وقتًا ليس بالقليل دون أن يتفاعل معه أحد، ولكن عندما بادر أحدهم، تهافت عليه الكثيرون.
شاهد فيديو طريفًا آخر قدمه فراس بعنوان «المس طفل لاجئ»:

 

 

وأصبح فراس بعد هذا الفيديو أشهر لاجئ في ألمانيا، وتلقّى الكثير من الدعوات، تنوّعت بين حضور فعاليات رسمية مثل الدعوة التي قدمها له الرئيس الألماني إلى حفل استقبال، أو حتى دعوات كثيرة من فتيات وسيّدات ألمانيات يبدون رغبتهم في الزواج منه. وبعد انتشار هذا الفيديو، قام فراس بالتعاون مع أصدقاء ألمان بإطلاق مجموعة حلقات بعنوان «سُكّر»، واختار فراس اسم سُكّر لأنها كلمة مشتركة بين لغات الألمانية والعربية والإنجليزية، وأصدر منها 20 حلقة حتى الآن وكل حلقة تحمل رسالة من اللاجئين إلى الشعب الألماني.

 

من سوريا واليمن إلى ميانمار وباكستان.. «الجارديان» تنقل أمنيات اللاجئين في 2018

3- بانا العابد.. طفلة تُوصل معاناة حلب إلى العالم عبر تويتر

بشعرها البُنيّ الطويل وابتسامتها البريئة التي تظهر سنّها المفقودة وملامحها العربية الرقيقة؛ استطاعت فتاة حلب الطفلة الصغيرة بانا العابد أن تأسر قلوب الكثيرين حول العالم بتغريداتها وفيديوهاتها، وتدوينها اليومي عن حصار حلب على موقع تويتر، عن طريق الحساب الشخصي الذي تديره بمساعدة والدتها مدرّسة اللغة الإنجليزية، والذي أنشأته في بداية خريف عام 2016 قبل أن يأتي الشتاء وتسقط مدينة حلب بأيدي النظام السوري.

وقد كانت أشهر تغريدات بانا هي التي نشرتها لحظة اقتحام الجيش النظامي السوري لحلب في ديسمبر (كانون الأول) عام 2016 والتي تقول فيها: «اسمي بانا، عمري ثماني سنوات، أتحدث إلى العالم الآن من شرق مدينة حلب، هذه هي لحظتي الأخيرة، إما أن أعيش أو أموت».

 

تغريدة بانا الشهيرة وقت اقتحام حلب.

 

وبعد أن كانت بانا تعايش كابوس الحرب؛ تغيّرت ظروفها نحو الأحسن بعد أن استطاعت إثر سقوط حلب النزوح إلى تركيا، حيث قابلت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي منحها هي وعائلتها الجنسية التركية. وبعد عام واحد، سافرت بانا إلى الولايات المتحدة لتشهد نشر كتابها الذي تحكي فيه عن قصص الحرب والحياة تحت القصف والحصار في سوريا.

غلاف الكتاب الذي نشرته بانا


وشاركت بانا العابد في الفيلم السوري «آخر الرجال في حلب» الذي يوثّق حصار حلب، وتم ترشيح الفيلم للحصول على جائزة أفضل فيلم وثائقي في حفل جوائز الأوسكار العام الماضي ولكنه لم يفز، وعلى الرغم من ذلك حضرت بانا العابد، وشاركت في أداء غنائي بعنوان «أبطال» قدّمه مغني الراب الأمريكي «لوني لين جونيور»، وشارك مع بانا 10 أطفال آخرين – حسب وصف لين جونيور – يمثلون قضايا اجتماعية وإنسانية.

 

بانا في الحفل الغنائي بالأوسكار

 

أحدهم وصل للعالمية.. 5 من أشهر الأطفال العرب على «السوشيال ميديا»

 

4- يسرا مارديني.. المراهقة التي سبحت بقارب اللاجئين


في مارس (آذار) من العام الماضي، أعلنت شركة «Working Title» للإنتاج السينمائي أنها بصدد إنتاج فيلم عن اللاجئة والسبّاحة السورية الشهيرة «يسرا مارديني» التي تبلغ من العمر 20 عامًا، والتي اكتسبت شهرتها العالمية بعد أن شاركت في أولمبياد «ريو دي جانيرو» منذ عامين تحت راية فريق اللاجئين الذي شكلته الأمم المتحدة لأوّل مرة في التاريخ.

يسرا مارديني – مصدر الصورة: صحيفة الجارديان

 

وتمتلك يسرا قصّة من أغرب قصص النجاح التي يمكن أن تسمع عنها، فبعد اندلاع الحرب في سوريا؛ غادرت يسرا وأختها سارة إلى لبنان ومن لبنان إلى تركيا، ثم حاولتا الفرار معًا من تركيا إلى ألمانيا ولكن لم تنجح محاولاتهم في المرة الأولى، وفي المرة الثانية نجحت الأختان في الفرار مع 20 شخصًا من تركيا على متن قارب نجاة مصمّم لكي يحمل ستة أشخاص فقط، وبعد نصف ساعة فقط من الخروج من المياه التركية؛ تعطل قارب النجاة، والنهاية المعتادة في هذه الحالة هي غرق القارب بمن عليه؛ ولكن لحسن حظّ راكبي القارب أن كانت معهم كانت هذه المرة بطلة أحرزت جوائز ومراكز أولى في بطولات السباحة بسوريا، فسرعان ما قفزت يسرا وأختها في الماء وأمسكتا بحبال القارب وواصلا العوم لمدة ثلاث ساعات متواصلة، حتى وصلا إلى جزيرة «لسبوس» اليونانية.

يسرا مارديني في الأولمبياد الماضية – مصدر الصورة: صحيفة الجارديان

 

وبعد رحلة طويلة من اليونان تضمّنت سفرًا بريًّا لساعات طويلة، وإقامة رديئة في مخيمات محطات القطار في المجر، نجحت الأختان في الوصول إلى ألمانيا التي منحتهما حق اللجوء الإنساني. وبعد ثلاثة أشهر فقط عادت يسرا إلى السباحة مرة أخرى في نادي في برلين؛ لكي تواصل حلمها الذي بدأته عندما كانت في العاشرة من عمرها في سوريا، وبسبب مستواها البارع وتقدّمها الملحوظ، شاركت يسرا مارديني في أوليمبياد «ريو دي جانيرو» بعد مدة قصيرة من التدريب.

 

 

الأطفال اللاجئون .. العبور مقابل الجنس 

 

 

المصادر

تحميل المزيد