مؤخرًا، عاد أكثر من 20 شخصًا بينهم نساء من الشمال السوري (مناطق المعارضة) بمحض موافقة النظام إلى ريف حمص الشمالي المشمول باتفاقية تضمن فيها روسيا عدم اقتحام البلدات والأحياء، هؤلاء الذين استجابوا لإغراءات النظام بالعودة ودفعوا أيضًا رشاوى وصلت إلى 125 ألف ليرة سورية، تم اقتيادهم إلى جهة مجهولة وانقطعت أخبارهم.

ولم يكن هؤلاء ممن رفعوا السلاح في وجه النظام أو هتفوا ضده في المظاهرات، بل انحصر جُلّ ذنبهم في أنهم استفادوا من الفوضى التي رافقت السنوات الأولى للثورة السورية وتجرؤوا على أخذ احتياجاتهم من مادة الديزل من الأنبوب الذي يمر بالمنطقة، فصُنفوا ضمن ضمن من «تمردوا على حكم النظام». إذ لا يتردد النظام الآن في اعتقال أو قتل اللاجئين العائدين، أو اغتيال قادة المصالحات الذين خدموه، بل ويمنع عودة الحياة الطبيعية إلى المناطق التي سيطر عليها ضاربًا بعرض الحائط حاجته الماسة لتجميل وجهه أمام العالم بعد كل ما حققه.

«ذي أتلانتك»: لماذا انتصر بشار الأسد في الحرب السورية؟

النظام يغري اللاجئين بالعودة لـ«أحضانه» ثم يفتك بهم

«أودّ أن أُعلِن من هذا المنبر أن عودة كل سوري تُشكِّل أولويةً بالنسبة للدولة السورية، وأن الأبواب مفتوحة أمام جميع السوريين في الخارج للعودة الطوعية والآمنة، وأؤكد أن ما ينطبق على السوريين الموجودين داخل الوطن، ينطبق على مَن هم خارجه، والجميع تحت سقف القانون»، بهذه اللهجة الودية خاطب وزير الخارجية السوري وليد المعلم المهجرين والنازحين واللاجئين السوريين حول العالم، مرحبًا بهم.

لكن على أرض الواقع الأمر يختلف تمامًا، إذ لا «مرحبًا» بهؤلاء على الإطلاق، فآخر ما كُشف النقاب عنه في الأيام القليلة الماضية هو قيام النظام بقتل بعض اللاجئين السوريين الذي عادوا من لبنان إلى مناطق النظام، وقد روى وزير شؤون النازحين في لبنان معين المرعبي مؤخرًا وقائع جريمة -أُبلغ بها من أصدقائه ورأى صورها عبر الهاتف- وقعت بحق عائلة سورية عادت إلى بلدة الباروحة بريف حمص السورية، بعد فتح برنامج العودة الطوعية من لبنان في يونيو (حزيران) الماضي، قائلًا: «مسؤول أمني في قوات النظام السوري دخل إلى منزل العائلة وقتل الأب وابنه وابن أخ الأب، معظم أخبار التصفية والقتل تحصل بحق العائدين في المناطق التي يسيطر عليها النظام خاصة في القرى والبلدات التي تقع على الحدود اللبنانية الشرقية والشمالية».

فيما يروي الناشط الإعلامي أحمد عبيد حكاية أخرى مؤلمة، فيقول: «أربعة شبان مُهجّرين منذ نهاية العام 2016 من جديدة عرطوز، ضاقت بهم سبل العيش في إدلب، فقرروا العودة، وتواصلوا مع عضو لجنة المصالحة الملقب بـأبي مجد العرعور، ليضمن لهم ألا يعترضهم أحد. ووافق على مساعدتهم، على أن يدفعوا 10 آلاف دولار لقاء (تنظيف سجلاتهم الأمنية) وعدم اعتراضهم من أي جهة كانت»، ويضيف عبيد لموقع «المدن» اللبناني: «العرعور نقل الشبان من إدلب إلى سعسع في ريف دمشق، حيث اعتقلوا على الفور، وتم التحقيق معهم لشهر كامل قبل تحويلهم إلى (الفرع 271)، وبعدها بأيام أُطلق سراحهم. وبعدما وصلوا إلى الجديدة، تم اختطافهم مرة أخرى، من دون معرفة الجهة المسؤولة عن ذلك. قبل فترة قصيرة تسرب اسم أحدهم ضمن قوائم الموت التي باتت تصل تباعًا إلى دوائر الأحوال المدنية النفوس».

Embed from Getty Images

صور لضحايا تعذيب في سجون النظام سربها منشق يعرف باسم قيصر

ويمارس النظام انتهاكات عدة في المناطق التي أجريت فيها اتفاقيات تسوية، والتي تعرف باسم «مناطق المصالحات»، ففي حمص والغوطة ودرعا يستبيح النظام تعذيب المدنيين حتى الموت، كما حدث مع الطبيب معتز حتيتاني الذي قضى تحت التعذيب بعد اعتقاله من أحد مراكز الإيواء في العاصمة دمشق، كذلك قتل النظام أحد مهجري الغوطة الشرقية العائدين من مخيمات الشمال السوري، فأبو كاسم البويضاني الذي تم اعتقاله بعد عودته من الشمال السوري إلى مدينة دوما في الغوطة الشرقية، سُلمت جثته لذويه بعد أن قتل تحت التعذيب.

وتجدر الإشارة إلى أن عمليات الاعتقال كان يتخللها تصفيات ميدانية جماعية، واغتصاب، وتنكيل بالنساء والأطفال، مع توثيق هذه الأحداث بالكاميرات لإذلال أصحابها، وكذلك سرقت قوات النظام في ما يعرف بـ«التعفيش» منازل المدنيين، حيث يعامل النظام سكان هذه المناطق على أنهم مواطنون «درجة ثانية» لا حقوق لهم، بل عرضة لكل انتهاك من قبل قواته.

جحيم الحرب أرحم من نار اللجوء.. أسباب تدفع اللاجئين في تركيا للعودة إلى سوريا

ثأر الأسد من معارضيه.. لا يسقط بالتقادم

يقول الصحافي السوري فراس ديبة أن النظام السوري لا يتعامل مع الشعب السوري باعتباره حكومة لهذا الشعب؛ إنما يتعامل معه منذ تولي حافظ الأسد السلطة وحتى الآن على أنه مافيا إجرامية تحكم بالنار والحديد والترهيب، فالسلاح الذي حكم به حافظ الأسد ومن بعده ابنه هو سلاح الترهيب، وبالتالي فأعماله تجاه اللاجئين العائدين إلى حضن الوطن أو الفصائل التي صالحت، تندرج تحت السلاح الذي حُكم به سوريا، ألا وهو الترهيب.

Embed from Getty Images

أطفال جرحى جراء القنابل العنقودية التي ألقاها النظام على بلدة المزة في منطقة الغوطة الشرقية بدمشق في سوري

مضيفًا خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أنه: «لا يمكن لعقلية النظام الأمنية أن تتقبل وجود أشخاص معارضين للنظام، بأي شكل من الأشكال في المناطق التي يحكمها هذا النظام، حتى أن النظام السوري عبر تاريخه نفذ الكثير من عمليات الاغتيال لمعارضين خارج الأراضي السورية، المشكلة الحقيقة عند النظام هي مع كل من لا يتقبل حكم آل الأسد لسوريا»، ويشير ديبة إلى أنه بالتأكيد للنظام ثأر مع هؤلاء، لأنهم حاربوه ذات يوم وهو ما جعل النظام يدفع بهم إلى المقدمة بكل المعارك التي خاضها بوجود فصائل المعارضة، ويتابع القول: «يرى النظام حاليًّا أنه انتصر في حربه على الشعب السوري والثورة السورية وبالتالي بدأ في أخذ ثأره من كل من عارضه، وهذا الثأر لا يسقط بالتقادم بالنسبة للنظام، الذي لا يقبل أن يكون هناك أي مفهوم للتوبة عن معارضته»، ويشدد ديبة على أن مجرد معارضة النظام تعني أن هذا الشخص أصبح غير آمن مطلقًا في أي مكان كان.

Embed from Getty Images

أطفال سوريون نازحون في مخيم للاجئين غمرته المياه في ريف إدلب، شمال غرب سوريا

فيما يرى الكاتب السوري حليم العربي، أن القمع والوحشية والتنكيل أصلٌ متجذر في النظام السوري الذي يعتبر هذه الأدوات سببًا في بقائه واستمراره، وأنه عند التخلي عنها سيخسر معركة البقاء لاعتقاده أن هؤلاء سيتمردون مرة أخرى، ورغم أنه قد يؤخر البطش بهم لأسباب تكتيكية إلا أنه سيسحقهم مع أول مناسبة.

وفي رده على سؤال عن عدم حرص النظام على تجميل صورته أمام العالم، قال العربي: «النظام السوري لا يقود سوريا بنفسه بل مع لوبيات من الروس والمليشيات الشيعية، وهؤلاء جميعًا مؤمنون بتوازن الرعب وأن ما يريدونه سيحصلون عليه بالقوة لا بالتفاوض، وخاصة أن المجتمع الدولي أثبت أنه مع القوي»، وختم بالقول لـ«ساسة بوست»: «النظام يؤمن أنه بالقمع يقيم العدل عليهم، لأنهم برأيه عملاء وخونة عقوبتهم الإعدام، وأن ما عاشوه بعد أن شاركوا في المؤامرة على سوريا هو منة وفضل من النظام».

جحيم الحرب أرحم من نار اللجوء.. أسباب تدفع اللاجئين في تركيا للعودة إلى سوريا

النظام السوري.. للانتقام أسباب كثيرة

يشدد الباحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، معن طلاع، على أن مرد سياسات القضاء على العائدين إلى حضن النظام السوري بإرادتهم، يعود لتضافر جملة من المحددات السياسية والاجتماعية المؤثرة على عقلية النظام وشبكاته التي لا يمكن لها (بحكم طبيعة هذا النظام وبنيته) إلا السير باتجاه امتلاك زمام السيطرة والتحكم عبر بوابات القهر والإذلال؛ فهي الطريقة الأنجع وفق مخيلتهم للتغلب على أسئلة الشرعية والمشروعية التي كانت ولا تزال تحاصرهم.

Embed from Getty Images

جرائم الحرب السورية

ويحدد طلاع تلك المحددات السياسية بذكر أهم محددين منها؛ أولها: التجانس السياسي المشتهى؛ ويوضح لـ«ساسة بوست»: «لا يمكن لبنية النظام المتآكلة أن تقبل بأدوار ولو ثانوية لأطراف سورية ذات رأي أو موقف سياسي يتبنى إجراءات التغيير والإصلاح أو كانت داعمة لقوى الكفاح الثوري السلمي والمسلح؛ فهذا النظام يعيد تشكيل نفسه بحوامل وتحالفات تدعم بقاء تحكمه بكافة تفاعلات المشهد السوري داخليًّا وخارجيًّا، وبهذا المعنى ستشكل العودة لمجاميع كبيرة العدد والأثر دور مخالف لتوجهات الاستحواذ والاستبداد؛ وما لأحاديث الصورة وضرورات تحسينها أي أثر في مراحل صنع القرار السياسي التنفيذي ومصيرها الاستهلاك و(العلك) الإعلامي».

وفيما يتعلق بالمحدد السياسي الثاني فهو يخص إعلاء شروط التفاوض مع الدول الحاضنة للاجئين؛ وتحصيل أكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية المؤثرة في العملية السياسية من جهة وعودة التأهيل والقبول من جهة ثانية؛ فإن كانت عملية الرجوع سلسة وآمنة فهذا لن يشكل ضغطًا على تلك الدول لإجراء تغييرات حاسمة في مواقفهم السياسية هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى فيطمح النظام إلى تكثيف لقاءاته السياسية مع هذه الدول تحت غطاء هذه القضية والبحث في إمكانية تحصيل مكاسب سياسية أخرى؛ أي وبمعنى آخر هو ملف لا يزال قابلًا للابتزاز السياسي، حسب طلاع.

أما المحددات الاجتماعية، فيرى طلاع أنه: «نجد أن محرك معظم الشبكات الأمنية وطبقة الوسطاء الاجتماعيين الجدد منبثق من دوافع الانتقام من جهة، ودوافع مرتبطة باقتصاد العنف من جهة ثانية، إذ ستشكل تلك الحوادث فرصًا لزيادة أثمان التغاضي وتسهيل الأمور وهذه الثقافة كانت سائدة من قبل وتجذرت بعد عام 2011»، وبالعموم –حسب طلاع- تنطلق فلسفة التحكم التي يعمل النظام على إعادة ترميمها وتعديلها وفق المتغيرات الجديدة من قواعد الإلغاء وتعزيز أدوار شبكاته وتعظيم مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية.

كيف تتغير خريطة التحالفات في سوريا الآن؟

 

المصادر

تحميل المزيد