عمالة رخيصة.. تتمنى منى، ذات العشرة أعوام، الذهاب إلى المدرسة، لكنها تضّطر إلى العمل في صناعة الملابس، مُنذ أن هاجرت هي وأسرتها إلى تركيا، عام 2013.

تتمنى منى، ذات العشرة أعوام، الذهاب إلى المدرسة، لكنها بدلًا عن ذلك، تضّطر إلى العمل في صناعة الملابس، مُنذ أن هاجرت هي وأسرتها إلى تركيا، عام 2013.

يقول والدها، إنه مضطر للاعتماد على ثلاثة من أبنائه الخمسة للعمل، فلا يوجد أمامه خيار آخر، وهو أمر منتشر بين العائلات السورية في تركيا.

ليس ذلك وضع السوريين في تركيا وحدها؛ فمنذ اندلاع شرارة الثورة السورية في 2011، ثُم اندلاع النزاع المُسلّح، اضطر نحو 7.6 مليون سوري ترك منازلهم، والنزوح للدول المجاورة ومنها: تركيا، والعراق، ولبنان، والأردن.

من ويلات الحرب إلى مواجهة الاستغلال

أشار تقرير أجرته منظمة الأمم المتحدة للأمومة والطفولة (اليونيسيف)، إلى أن أطفال أكثر من 75% من العائلات في الداخل السوري يعملون لتأمين دخل لعائلاتهم، وأن النظام السوري منذ 2011، يُجنّد الأطفال الذين لا يتجاوز بعضهم سبع سنوات.

وبلغ عمر الأطفال الذين جندهم النظام في 2015، أقل من 15 سنة، فقد تُغريهم السلطات برواتب تصل إلى 400 دولار شهريًّا، فضلًا عما سيُمنح لأهاليهم.

على الجانب الآخر، ليست الأوضاع أفضل حالًا في مناطق المعارضة، حيث يتجه العديد من الأطفال للقتال، وبعضهم يعمل في مطابخ هذه القوات، أو في التوثيق الإعلامي. وقد لقي نحو 27 منهم حتفهم على جبهات القتال في حلب وحدها خلال شهر واحد فقط، بحسب ما ذكره الصحافي رزق العبي. كذلك يعمل كثير من الأطفال في ورش السيارات، والأحذية، والخياطة، والدكاكين، أو كباعة متجولين.

وفرضت ظروف القتال، إلى جانب الأوضاع الاقتصادية المتردية، على هؤلاء الأطفال، النزوح إلى دول الجوار، إلا أنهم واجهوا فقرًا واستغلالًا لحاجتهم، بل إن بعضهم جُنّد في تلك الدول.

وأضاف تقرير اليونيسيف، أن «تفاقم الأزمة الإنسانية خلف2.5 مليون طفل لاجئ، تعرض كثير منهم للقتل»، نفس الأزمة دفعت الأطفال إلى سوق العمل، وهو ما عرضهم لاستغلال ظروفهم واستخدامهم عمالة بأجرٍ بخس، بعد أن وصلت معدلات الفقر بين الأطفال لـ80% .

665 ألف طفل نازح لا يذهبون للمدارس في تركيا

ويُعد أكثر من نصف اللاجئين في تركيا، دون 18، من إجمالي اللاجئين البالغ عددهم 2.73 مليون، وفقًا لاتفاقية أبرمها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مع الاتحاد الأوروبي، في مارس (آذار) الماضي، بإعادة اللاجئين من دول أوروبا إلى تركيا، مقابل ستة مليارات يورو لمساعدة اللاجئين، وتسهيل مفاوضات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، والحصول على امتيازات تجارية واقتصادية.

إلا أن عدد الأطفال خارج المخيمات المقيدين بالمدارس، والذي يتراوح عمرهم ما بين 6 و11 سنة أقل من 15%، وفقًا لما ورد عن هيئة إدارة الكوارث وحالات الطوارئ في تركيا.

وصرحت وزارة التعليم التركية في مايو (أيار) الماضي بوجود نحو 665 ألف طفل سوري لا يذهبون للمدارس. إلا أنه لا توجد تقديرات حول عدد الأطفال الذين يعملون بدلًا من الدراسة.

محمد لاجئ سوري يعمل في ورشة أحذية في «غازي عنتاب»، جنوب شرق تركيا

ذكر تحقيق لصحيفة «لو نوفيل أوبسرفاتور»، أن عمل غالبية الأطفال السوريين في تركيا، نحو 14 ساعة يوميًّا مقابل 30 يورو شهريًّا، وأنهم يتعرضون مع ظروف العمل القاسية للإصابات الخطرة، خاصةً أن عددًا كبيرًا منهم يعمل في البناء والتجارة.

الأطفال المعيل الأساسي في نصف الأسر النازحة إلى الأردن

أما في الأردن، فإن الأطفال يعملون في المتاجر والمطاعم، وبحسب اليونيسف، تعتمد نصف الأسر اللاجئة في الأردن على الأطفال في إعالة الأسرة، وفي بعض الحالات يعدون المعيل الوحيد لهذه اللأسر.

وصرحت المنظمة أنه يوجد أكثر من 440 لاجئًا سوريًّا، وأن نحو ثلاثة أرباع هؤلاء الأطفال في مخيم الزعتري يعانون من مشكلات صحية، بينما تعرض نحو 22% من الأطفال الذين يعملون في الزراعة لإصابات عمل، وفقًا لتقديرات المنظمة منذ بدء الحرب، وحتى عام 2015.

استغلال جنسي وتجنيد للأطفال في لبنان

تدفع الظروف السيئة عائلات السوريين في لبنان اضطرارًا إلى عمل أطفال لا يتجاوز عمرهم الست سنوات. ويتعرض بعضهم للاستغلال الجنسي، فيما يعمل آخرون بالحقول الزراعية.

ويجند بعضهم للقتال من قبل جماعات مسلحة، فقد بلغ عدد الحالات المسجلة عام 2014 نحو 278 حالة مؤكدة لأطفال بلغ عمرهم ثمانية أعوام، وفقًا لما رصدته «الأمم المتحدة».

وتكشف دراسة أجرتها منظمة «كير» الحقوقية عام 2014 عن عمل 50 ألف طفل سوري في لبنان تحت ظروف قاسية، وخطيرة، واستغلالية، والتي تبلغ عدد ساعاتها نحو 12 ساعة يوميًّا، وأن نحو %30 فقط من هؤلاء الأطفال ينتظمون بالمدارس.

اختطاف مئات الأطفال في العراق لمحاربة «تنظيم الدولة»

وفي العراق يعمل ثلاثة أرباع الأطفال السوريين لفترات تصل إلى 12 ساعة يوميًّا. وذكر تقرير «هيومن رايتس ووتش» أن نحو 30% من الأطفال الذين شملهم التقرير أبلغوا عن محاولات لتجنيدهم.

ووثقت حالات اختطاف مئات الأطفال، بغرض تدريبهم للانضمام لمليشيات مسلحة تدعمها الحكومة العراقية من أجل مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

قوانين العمل تفشل

ينص قانون العمل على منع تشغيل الأطفال قبل بلوغهم سن 15، على ألا تزيد عدد ساعات العمل عن ست ساعات، تتضمن فترات راحة. ويفرض القانون غرامات مالية على كل من يخالف اللوائح المنظمة لقانون عمل الأطفال.

قتل 27 طفلًا في شهر واحد على جبهات حلب

إلا أنه يصعب تطبيق القوانين ما لم يتم حماية الأطفال من الإجبار على العمل، وتحسين الظروف التي تدفعهم وذويهم لذلك، وفقًا لما ذكرته رؤى الشاعر، الباحثة الاجتماعية لـ«صدى الشام».

وتشير هذه الدراسات لتفاقم الأزمة، والازدياد المطرد لعمالة الأطفال منذ بدء الحرب في سوريا. وتحذر من أن استمرار تفاقم أزمة عمالة الأطفال، وحرمانهم من التعليم سينشئ جيلًا أميًّا، ويوجد عمالة غير مؤهلة بالشكل المناسب للعمل في الحرف المهنية. ومع أن بعض الهيئات والمنظمات المدنية أنشأت مدارس للأطفال؛ إلا أن الأمر لم يجني ثمارًا بعد.

عرض التعليقات
تحميل المزيد