بعد اضطرابات وخلافات استطاع الائتلاف السوري أن يتفق على قيادة جديدة له بقيادة هادي البحرة، وبعد عام ونيف من تأسيس الائتلاف، تعرض للكثير من الانتقادات في وجود أخطاء في الممارسة وغياب للرؤية وتخييب لآمال الكثيرين.
نتساءل ها هنا هل استطاع أن يحقق أهدافه؟ هل واجه الأزمات والتحديات؟ هل سيشكّل البحرة مرحلة جديدة في مسار الائتلاف تختلف عن سلفيه الخطيب والجربا؟

التأسيس:المجلس الوطني:

شعار المجلس الوطني السوري

بعد انطلاق الثورة السورية بدأت تظهر النداءات بضرورة توحد المعارضة تحت لواء واحد، لم يكن من السهل ذلك في وسط من القمع السياسي وإحكام النظام قبضته على الحياة السياسية قبل الثورة، حيث حوصرت بعض القوى السياسية المعارضة داخل سوريا وعزلت بالقمع والتخويف، أما أغلب القوى السياسية فكانت تتواجد خارج سوريا.

كان على المعارضة أن توحد أطرافها، وتعمل على بناء أطر وقيادات سياسية تعبّر عن الثورة، إلا أن الاختلافات الفكرية والأيديولوجية وضعف المعارضة نظرًا لتوقّف الحياة السياسية وقفا عائقًا أمام كل مبادرة تسعى لتشكيل هيئات تنظيمة جامعة لقيادة الثورة.

بعد نصف عام من الثورة، في أكتوبر 2011، إثر اجتماع اسطنبول للمعارضين تشكّل المجلس الوطني، واشتمل المجلس على قوى إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي، والهيئة الإدارية المؤقتة للمجلس الوطني السوري، وجماعة الإخوان المسلمين في سوريا، وأحزاب وقوى كردية، والمنظمة الآثورية الديمقراطية، وشخصيات وطنية مستقلة، وقوى اجتماعية أخرى فيها العشائر ولجان التنسيق المحلية، والمجلس الأعلى لقيادة الثورة السورية.

جاء في الوثيقة التأسيسية للمجلس عدّة بنود أهمها: الدعوة إلى إسقاط النظام، وبناء دولة مدنية ديمقراطية، ولاقى المجلس ترحيبًا محليًّا ودوليًّا.

وبمرور الأيام لم يستطع المجلس أن يحقق الحد الأدنى لإثبات فاعليته في علاقته بالسوريين وقيادة ثورتهم، فبعد أن اتجهت الثورة إلى الكفاح المسلّح لم يستطع المجلس تموين الجيش الحر، ومن هنا كانت بداية الانفصال بين الجيش الحر أو المستوى العسكري للثورة والمستوى السياسي، كما تراجعت شعبية المجلس، ولم يلق المجلس الدعم من الغرب كما كان متوقّعًا، فالغرب لم يتعامل معه كبديل للنظام، بل مجرّد وسيط سيساعد في الوصول إلى تسوية تحفظ بقاء النظام.

لم يكن المجلس الوطني من قلب الحراك الاحتجاجي الثوري، ولذلك واجه صعوبة في تمثيله فعليًّا، كما أن اختلاف توجهات وأطياف المعارضة ساهم في وجود الصراعات داخله وفشل كل مسعى لضم مجموعة معارضة جديدة، لكن بالرغم من ذلك كان للمجلس عدة اجتماعات لقوى المعارضة السورية، صدرت عنها وثائق هامة.

بعد ذلك توالت المبادرات لجمع قوى المعارضة في هيئة أو ائتلاف جديد، أهمها مبادرة رياض سيف، التي عرفت باسم “المبادرة الوطنية السورية”، ولاقت قبولاً دوليًّا وإقليميًّا وعربيًّا كبيرًا، والتي على إثرها تشكّل “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية”.

الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية:

برز حل الائتلاف كمحاولة لحل الأزمات والتحديات التي واجهت المجلس الوطني، وأهمها جمع مجموعات جديدة من المعارضة تحت لواء واحد، كان المؤمّل من الائتلاف أن يقدّم رؤية واضحة لمستقبل سوريا، وأن يمثل السوريين وثورتهم ويساعدهم في التغلب على المشكلات التي تواجهم، وأن لا يقتصر كسلفه (المجلس الوطني) على دور سياسي لثورة لن يُجدي معها القطيعة بين السياسي والثوري أو العسكري.

متظاهرون يرفعون شعار الائتلاف

يرى محللون أن الائتلاف لم يكن عملية اندماج للقوى السياسية، إنما تحالف بين المجلس الوطني وباقي قوى المعارضة الأخرى، أي أنه لم يكن سوى صيغة توافق بين المجلس الذي حصل على الحصة الأكبر من مقاعد الائتلاف (40%)، وباقي قوى المعارضة الأخرى.

تعهّد الائتلاف بالعمل على إسقاط نظام الأسد بالكامل، ورفض الحوار أو التفاوض معه، كما وعد بتشكيل حكومة مؤقتة بمجرد حصوله على اعتراف دولي.

لكن يبقى  سؤال ها هنا ..

لماذا رحبت القوى الدولية والعربية بتأسيس الائتلاف إن كانت لم ترَ في سلفه (المجلس الوطني) سوى وسيطًا للتفاوض على بقاء النظام؟


1- البحث عن بديل سياسي:
بدأت القوى الدولية مع تصاعد الصراع في سوريا وتقدم الجيش الحر والتشكيلات العسكرية أن تفكر في احتمالية فكرة سقوط النظام الحالي، وهو ما دفعها للترحيب بالائتلاف.

2- التخوّف من الفوضى وسيطرة الجهاديين الإسلاميين:
مع تقدّم الجيش الحر وتعدد مرجعيات القوى المسلحة والمجالس العسكرية، فقد يصل الأمر بفوضى مسلّحة تتنامي فيها قوة التيارات الأصولية والدينية المسلّحة، في ظل توارد تقارير عن توافد المجاهدين إلى سوريا، ووجود تشكيلات مثل “جبهة النصرة”، وتشكيلات سلفية جهادية أخرى.

3- الخوف على مصير الأقليات وتمدد التوتر إلى دور الجوار:
الخوف لى مصير الأقليات من العلويين والمسيحيين والدروز وسائر الأقليات الأخرى، بالإضافة إلى خشية تركيا من سيطرة حزب العمال الكردستاني على مناطق سورية حدودية معها، وهذا يؤدي بنا إلى سبب آخر وهو الخوف من التمدد إلى دول الجوار وخاصة لبنان والعراق.

4- ضرورة تشكيل حكومة:
تتحدث باسم الثورة وتدير شؤونها، وتتواجد في المؤتمرات واللقاءات الدولية، ويدير الملف السياسي للثورة السورية.

إذن.. ما هي التحديات التي واجهت الائتلاف للقيام بدوره المنشود؟ وهل استطاع تخطيها؟

كان أمام الائتلاف مهمة عسيرة واجهته فيها الكثير من التحديات التي كانت تتفاقم مع تفاقم الأزمة وتعقيدها وتصاعد الصراع.

1- التحدي العسكري:

سوريا

كان من أهم التحديات التي واجهت الائتلاف للقيام بدوره، فلكي يستطيع ائتلاف الثورة السورية أن يتحدث باسمها عليه أن يحافظ على الصلة بينه وبين واقعها وألّا ينعزل عنها في المؤتمرات والطاولات المستديرة.
بعد اتجاه الثورة إلى الكفاح المسلّح صار الفاعل الأساسي في الثورة هو الجانب المسلّح فيها، إلا أن الكتائب المسلّحة عانت من غياب التنسيق والتواصل بينها وما زالت تعاني، وعلى الرغم من تحقيقها لانتصارات محلية فقد غاب عنها الرؤية الاستراتيجية الواحدة.
كان المؤمّل من الائتلاف إن لم يستطع أن يوفر الإمدادات للقوى العسكرية أن يساهم في بناء هذه الرؤية الاستراتيجية، والعمل على تجميع الفصائل العسكرية تحت لوائها، لكنه لم يستطع ذلك كما لم تسطتع قوى سياسية أخرى أن تسيطر على المجموعات المسلّحة، وتُرك اتخاذ القرار حول خوض المعارك تمامًا للمسلحين.

 2- التحدّي السياسي:

مؤتمر مجموعة أصدقاء سوريا

كان على الائتلاف أن يقود الجانب السياسي للمعارضة، وبعد إخفاقه في السيطرة على الجانب العسكري حاول الائتلاف التركيز على التعامل مع الأطياف السياسية الدولية والإقليمية.
ومع وجود أغلب قادة الائتلاف في المنفى وافتقارهم إلى قاعدة تنظيمية في الداخل السوري تأثر الدور السياسي المنوط به الائتلاف سلبًا، كما أدّى ذلك إلى تبديد الآمال بوجود بديل سياسي تنظيمي، ووجود مؤسسات محلية منفصلة عن النظام تعمل على تحقيق تغيير ديمقراطي حقيقي.

التحدّي الأكبر في الجانب السياسي هو صعوبة تحقيق الحلول السياسية المقترحة والمنشودة دوليًّا في الواقع السوري الحالي، فأغلب التصريحات الدولية تتجه إلى أن الأزمة السورية لن تنتهي إلا بالمسار السياسي ولا بديل عنه، إلا أن الائتلاف واقعيًّا لا يسيطر على الداخل السوري حتى يستطيع تنفيذ هذه الحلول، سواء في جانب المعارضين أو المؤيدين لنظام الأسد.
كما أن شرائح كبيرة من الدولة والمجتمع السوري تتساءل ببساطة كيف سيكون مصيرها ومصير مؤسساتها بعد سقوط النظام مثل: الجيش وحزب البعث والنقابات والاتحادات .. إلخ، ولا تجد إجابة!

وإن كان الائتلاف قد نجح في وضع خطّة لإعادة الخدمات الأساسية والمؤسسات الحكومية وبناء نظام ديمقراطي حين يسقط النظام، لكنها فشلت في وضع استراتيجية لهزيمة النظام.

3- التحدّي الإغاثي:

كان من المتوقّع من الائتلاف أن يكون له دور كبير على المستوى الإغاثي، في ظل تفاقم الأزمة الإنسانية، ووجود أعباء كبيرة على المواطن السوري مع ما تشهده بلاده من صراعات ومعارك.
حاول الائتلاف في بدايته أن يسلط الضوء على حجم التحدّي وتعقيداته السياسية، لكنه لم ينجح في أن يولي للملف الإغاثي العناية الكاملة، وكان الدور الأكبر للمجموعات المسلحة الإسلامية والمستقلة في التعرف على الاحتياجات وتلبيتها.

 4- التدخل الدولي:

بالرغم من أن القوى الدولية كان لها دورًا كبيرًا في قيام هذا الائتلاف، فكما ذكرنا سلفًا أنه كان من مصلحتها وجود هيئة سياسية تمثّل المعارضة إقليميًّا ودوليًّا، إلا أن الاعتراف الدولي لم يمثل أي نقلة نوعية للائتلاف.
فحتى الآن لا تعتبر القوى الدولية الائتلاف بديلاً للنظام، ولا تعترف بقدرته على أن يكون له طابع وطني سيادي يمنع التدخل في شؤونه، كما لم تقدّم الدعم العملي والفعلي المطلوب، وإن كانت تمد المعارضة أحيانًا لكنها تقف عائقًا أمام تقدمهم في أحيان أخرى.
من ناحية أخرى فتدخل كل من إيران وميليشيات حزب الله وبعض الفصائل المسلحة العراقية في الصراع للوقوف بجانب النظام، وساهم ذلك في تفاقم الأزمة وخروج الصراع السوري من المستوى الإقليمي إلى المستوى الدولي، فالقوى الدولية لا تعتبر الشأن السوري اليوم شأنًا إقليميًّا خاصًا بها وحسب، وبالتالي لا يمكنها أن تمنح الائتلاف أي طابع سيادي سياسي للوضع.

5- ضعف القيادة:

من أهم التحديات التي واجهت الائتلاف هو ضعف قادة المعارضة، ربما يرجع هذا إلى ما تعرضت له المعارضة السورية من قمع وتضييق أدى إلى شلل في الحياة السياسية، لكن من الخطيب ثم الجربا وأخيرًا البحرة.. ثمّة أسباب أخرى.

معاذ الخطيب:

هو الشيخ أحمد معاذ الخطيب الحسني، خطيب وداعية سوري انتخب رئيسًا للائتلاف فور تأسيسه في نوفمبر 2012م.

لاقى الخطيب في بداية قيادته للائتلاف تأييدًا شعبيًا كبيرًا، استطاع بحضوره وخطاباته وزياراته للداخل أن يحصل على تأييد شعبي كبير من الشعب السوري والعربي، في عهده دخلت هيئات جديدة في الائتلاف وفي صدارتها هيئة أركان الجيش الحر.

وظهر مدى عسر المهمة والتحديات التي على الائتلاف تخطيها ليحقق أهدافه مما أثقل على القيادة، وفي اجتماع أصدقاء سوريا في باريس قدّم الخطيب مبادرة للحوار أعرب فيها عن استعداده للتفاوض مع النظام، وهو ما خيّب آمال السوريين وظهرت الكثير من ردود الأفعال الغاضبة والمستنكرة للمبادرة، كما أدى إلى نشوب الخلافات داخل الائتلاف.

ثم جاءت أزمة تشكيل حكومة مؤقتة للمعارضة، ولم يكن الخطيب متحمسًا لها بسبب انتظار المشاورات الدولية المتعلقة بجنيف 1، ولأنه كان يخشى من تقسيم البلاد، في حين أن فريق من الائتلاف رأى ضرورة تشكيل الحكومة.

عيّن الائتلاف غسان هيتو رئيسًا للحكومة المؤقتة بدعم من المجلس الوطني السوري والكتلة الوطنية، وفي مارس 2013 قدّم الخطيب استقالته، وكان قد هدد بالاستقالة من قبل في مناسبات عديدة.

نص استقالة معاذ الخطيب

يصف محللون قيادة الخطيب بالضعف والتردي، حتى أن استقالته كادت تطيح بمستقبل الائتلاف.

جورج صبرا.. القيادة المؤقتة:

أدت استقالة الخطيب إلى تفاقم الأزمة، وزيادة الخلافات داخل الائتلاف؛ فالاستقالة قد تركت فراغًا قياديًّا ساهم في التوتر والإرباك.
قررت هيئة الائتلاف تكليف نائب الرئيس جورج صبرا – رئيس المجلس الوطني السوري- بتولي مهام رئاسة الائتلاف مؤقتًا بالتعاون مع نائبي الرئيس الآخرين.

أحمد الجربا:


هو أحمد عاصي الجربا، كان انتخابه في وقت حصار النظام لحي الخالدية في حمص، بالإضافة إلى تصاعد داعش، وضرورة ترتيب العلاقات بين المناطق المحررة، ومعاناة السوريين الإنسانية.
في عهد الجربا تفاقمت الأزمة دوليًّا بإعلان حزب الله رسميًّا اشتراكه في الصراع بجانب النظام في القصير وحمص، وتراجع كل احتمال بالحل السياسي، فقام الجربا بالجولات العربية والدولية للحصول على مزيد من الدعم العسكري.
في سبتمبر كانت مذبحة الكيماوي التي ارتكبها النظام في الغوطة، وظهر الخلاف داخل الائتلاف حول المشاركة في جنيف 2، وهو ما أدى لاستقالة عدد كبير من أعضائه، وقامت مجموعة من كتائب المعارضة بإصدار بيانات تعلن فيها عدم اعترافها بالائتلاف.

مع تفاقم الأزمة، واتساع رقعة الخلافات والتحديات اتسمت مرحلة الجربا بالافتقار إلى العمل المؤسسي في الهيئات القيادية التي توكل إليها مسؤولية اتخاذ القرارات.

 

البحرة .. وماذا بعد؟

هادي البحرة، تولى رئاسة وفد المعارضة في جنيف 2، وعرف بدبلوماسيته وقدرته على التفاوض، إلا أن انتخابه قد أثار العديد من التساؤلات؛ فالبحرة من دعاة التفاوض مع النظام، وهو ما جعل البعض يتوقع أن المرحلة القادمة ستشهد تفاوضًا مع النظام السوري وخفضًا لسقف شروط الائتلاف وأهدافه المنشودة.

أمام البحرة تحديات أكبر وأزمات أكثر تفاقمًا من سلفيه، فعليه القيام بالكثير من الإصلاحات الداخلية والخارجية، وكسلفيه فمن المنتظر منه حل لأهم التحديات التي تواجه الائتلاف في كل من المحور العسكري والسياسي والإغاثي.
فهل سيستطيع البحرة أن يصل بالائتلاف إلى ما لم يصل إليه كل من الخطيب والجربا؟ أم أن التحديات أكبر من الائتلاف وقياداته؟


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد