لم يتوقع الكثير من السوريين بعد أن مرّت على الثورة السورية ثلاثة أعوام أن يعود الأسد ليتحدّث عن انتخابات رئاسية واستحقاق الديمقراطية في ظل ما يعاني منه أغلبية الشعب السوري من قتل وتشريد وتعذيب، وبالرغم من أنه لم يترشح رسميًّا حتى الآن إلى أنه ثمة شواهد تشير إلى أن موقف الأسد من إجراء الانتخابات كان متوقعًا، وأنه كان يستعد للانتخابات ويمهّد لها، فكانت فخطاباته تؤكد في كل مرة على أنه باقٍ، وفي لقاء له قبل مؤتمر جنيف2 قال إن فرص ترشحه للرئاسة كبيرة، وأن دوره هو الدفاع عن الوطن والقضاء على الإرهاب لا الهروب منه.

وفي عام 2012 أقر الأسد دستورًا جديدًا، وضع فيه شروطًا للترشح لمنصب الرئيس منها أنه يجب أن يكون مقيمًا في سوريا لمدة 10 سنوات متصلة، ولا يحمل غير الجنسية السورية، بما سيصعّب الأمر على المعارضة ويمنعها من المشاركة فيما وُصف بـ “المسرحية الانتخابية”.

جاء في الدستور أن يجب أن يكون هناك متنافسان على الأقل في انتخابات الرئاسة، وإذا لم يتقدم أحد خلال مهلة محددة يجب على رئيس مجلس الشعب الدعوة إلى فتح باب الترشح مجددًا.

وبالرغم من أن الدستور لا يسمح سوى بولايتين للرئيس، فإن الأسد وأنصاره استطاعوا التحايل على ذلك بـ “تصفير العداد”، واعتبار الأسد مرشحًا جديدًا، وهو ما قد يسمح للأسد بالترشّح مجددا، بالرغم من أنّه قد أتم ولايتيه بالفعل.

يذكر أن مجلس الشعب الذي أصدر قرارًا بإجراء الانتخابات في الثالث من يونيو المقبل، هو الذي انعقد عام 2000م ليعدّل الدستور في 5 دقائق لتنطبق شروطه على بشّار الأسد بعد وفاة أبيه حافظ الأسد.

وقام كل من الوزير السابق حسان النوري، ونائب البرلمان – الذي وصف بالمغمور – ماهر حجار بالترشّح في الانتخابات الرئاسية، ويعتبر كلاهما مواليًا للنظام، بما جعل البعض يرى ترشحهما ما هو إلى استكمالًا “لمسرحية” الانتخابات، وهو ما جعل ناشطون يشبّهون حال الانتخابات السورية، بحال ترشّح المشير السيسي في انتخابات الرئاسة، فلن يستطيع أحد أن يرشح نفسه أمامه، ومَن يترشح لا يستطيع أن يكون رئيسًا للجمهورية، ليظهر أمام العالم بأنّه المرشّح الأفضل والأنسب لمنصب رئيس الجمهورية، ولن يستطيع أحد غيره أن يقود البلاد.

وكأن ثورة لم تقم.. وكأن مفاوضات لم تتم:

يرى محللون أن إعلان مجلس الشعب إجراء الانتخابات هو رغبة في عودة الأسد إلى ما قبل الثورة السورية منذ ثلاث سنوات، ففي الوقت الذي تشتعل فيه حدة الصراعات والمعارك في سوريا بين قوات المعارضة وقوات الجيش النظامي ومناصريه، وفي الوقت الذي يمثّل فيه الائتلاف السوري دولة سوريا في المؤتمرات والمفاوضات الدولية، خرج الأسد ليعلن عن انتخابات رئاسية جديدة، وكأن ثورة لم تقُم.

ربمّا هذا ما حاول الأسد إثباته في زيارته الأخيرة لمعلولا، التي أراد أن يقول بها أنه يمكنه التنقّل من دمشق إلى معلولا فيما تشتعل حدّة المعارك بين قوات جيشه وقوات المعارضة، بل وتٌلتُقط له الصور أثناء تجوّله وهو يعاين مخطوطات ممزقة في دير مار سركيس وباخوس، في زيارة رأى ناشطون أنها رسالة من الأسد بأن سوريا في طريقها للاستقرار والأمان وأن قوات النظام تواصل تقدمها وستُحسَم المعركة لها قريبا!

أمّا عن قرار الانتخابات، فقد وصفت المعارضة القرار بأنه “محاكاة ساخرة للديمقراطية”، في الوقت الذي يرى فيه حلفاء الأسد داخل سوريا وخارجها أن الأسد “واثق من نفسه”، وأنه مستمر في قيادة البلاد، وأنه الأحق بها.

يعتبر قرار الانتخابات هو ضرب بقرارات جنيف1 و2 عرض الحائط، في رسالة أخرى من الأسد بفشل المفاوضات السياسية في حل الأزمة السورية، فأحد أطراف الأزمة الرئيسيين يصدر القرارات والتصريحات وكأنه لم تكن هناك مفاوضات ولا قرارات قط!

هل ساعد الموقف الدولي الأسد فيما وصل إليه؟:

بالرغم من أن موقف المجتمع الدولي جاء منددًا ومستنكرًا لقرار إجراءات الانتخابات، فيما اعتبروه عرقلة للوصول إلى حل سياسي للأزمة، وعرقلة للمجهودات العربية والدولية لاستئناف المفاوضات بين الحكومة والدولة، إلا أن محللون يرون أن الموقف الدولي هو السبب الرئيسي في إعلان الأسد إجراء الانتخابات الدولية.

فبعد انصياع الأسد لصفقة الكيماوي، وتسليم ما يقارب 80% من الأسلحة الكيماوية، تراجع الموقف الدولي لا سيما من الولايات المتحدّة من الأزمة السورية بشكل ملاحظ، ووُصف موقفها بالمتردد الضعيف، فيما غض المجتمع الدولي الطرف عن استخدام الأسد للكيماوي في ريف حماة وريف إدلب، وتم التغاضي عن استخدام الأسد للبراميل المتفجّرة والتي ثبت أن عدد القتلى بها قد تجاوز عدد القتلى بالكيماوي أضعافًا مضاعفة.

فيما اقتصر الموقف الدولي والعربي على السعي للحل السياسي وإجراءات المفاوضات مع المعارضة، فيما شكّل حالة أشبه بالانعزال عن الواقع في سوريا، إما بالتغاضي عن جرائم الأسد، أو التغاضي عن المعارضة التي لم يُعد الائتلاف هو الوحيد الذي يمثّلها الآن بعد الخلافات بينه وبين بعض فصائل المعارضة المقاتلة.

وتساءل ناشطون.. هل كانت البعثات الأممية والعربية لمتابعة الثورة السورية، ليست إلا مماطلة لبقاء الأسد في منصبه قدر الإمكان؟ وهل كانت صفقة الكيماوي تنص على تسليم الأسلحة مقابل أن تغض الولايات المتحدة الطرف عن جرائمه ضد الشعب، بل والسماح له بإجراء انتخابات الرئاسة والترشّح فيها ؟!

سوريا.. مأساة إنسانية لن تسمح بإجراء انتخابات:

أكثر من 6 ملايين سوري يعانون من مآسي التشريد والنزوح واللجوء، فضلاً عن ظروف الحصار واضطراب الأمن التي تشهدها العديد من المناطق في مختلف أنحاء سوريا.

قصص عن مئات الآلاف من الضحايا، قصص عذاب وظلم، ودمار هائل، في واقع تأمر السطات فيه بإجراء انتخابات رئاسية، وتصدر تصريحات من مسؤولين موالين للنظام أن “القتال والنزوح لا يشكلان أي عقبة أمام التصويت” وأن حمص – المحاصرة – “مكان مناسب لانتخابات جيدة”.

ومع تقدّم قوات النظام في بعض المناطق في القصير سابقًا وفي القلمون، يرى البعض أن المعركة بدأت تتجه لصالح قوات الأسد بالفعل، إضافة إلى الخلافات بين قوات المعارضة التي جعلها البعض الآخر المتهّم الأول في ما وصلت له سوريا اليوم، وفي قرار إجراء الانتخابات.

وبين هذا وذاك، ثمة مَن يرى أن أخطاء المعارضة ليست هي السبب الأساسي والوحيد في حال سوريا اليوم، ففي سنوات استطاعت الثورة السورية أن تتحول من ثورة على النظام إلى أزمة إقليمية ودولية، ومن أهم الأزمات في المنطقة وأكثرها محورية، وهناك الكثير من العوامل الخارجية التي أدّت إلى تفاقم الأزمة السورية، وبخطوة الانتخابات والتي سيتبعها ترشح الأسد للرئاسة وفوزه أيضًا، يرى محللون أن الأزمة قد تزداد تعقيدًا، في ظل استنزاف قوى الجميع، وإن كان النظام بالفعل قد حقّق تقدمًا في بعض المناطق، فإن المعارضة السورية حققت تقدّما في مناطق أخرى كحلب واللاذقية بما يشير إلى أن المعركة لن تميل ولن تُحسَم لأحد طرفيها قريبًا!

عرض التعليقات
تحميل المزيد