يبحث اللاجئون السوريون عن ملجأ من عواصف الثلوج والرياح العاتية التي ضربت مخيماتهم المؤقتة بالقرب من مدينة عرسال بجنوب لبنان، التابعة لقضاء البقاع.

المكان: مدينة زحلة، محافظة البقاع بالجنوب اللبناني. عاصفة شديدة ضربت لبنان يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين حيث التجأ مئات الآلاف من اللاجئين السوريين. وبينما تحولت الأمطار الجارفة إلى كتل ثلجية متجمدة وتزايدت سرعة الرياح لتعصف بالخيام المهلهلة، ارتجفت أم خليل وأبناؤها الأربعة من الخوف أكثر ما ارتجفوا من البرد، تقول أم خليل: “أخاف أن تنهار الخيمة فوق رؤوسنا ومن البرودة التي سنواجهها حينها، وأشد ما أخشاه أن يتأذى أطفالي”. تخشى أم خليل أيضًا أن تفقد أسرتها ما تبقى لها من مقتنيات قليلة.

مخيم حدودي بمدينة البقاع اللبنانية

ومخاوف اللاجئين من العواصف الشتوية كثيرة، أقربها- الموت بردًا-، ففي نوفمبر الماضي ضربت لبنان عاصفة ثلجية أدت إلى موت رضيعين تجمدًا في العراء الذي يعيش فيه اللاجئون. لتعود العاصفة الآن أشد ضراوة تغمر مناطق معيشتهم بالثلوج ويزداد اندفاع الرياح إلى درجة يخشى فيها الناس على حياتهم، و تشاركهم منظمات دعم اللاجئين الدولية مخاوفهم.

اكتسحت العواصف الثلجية أجزاءً عديدة من العالم الأسبوع الماضي – بما فيها الولايات المتحدة-. ولكن تبقى المعاناة الأكبر من نصيب السوريين -الذين شردتهم الحرب-، ليواجهوا شتاءهم الرابع بلا مأوى مناسب يقيهم البرودة القارصة والطقس المثلج الذي هبَّ على المنطقة.

لكن ما يعانيه اللاجئون من جراء الكوارث الطبيعية، يفوق جميع المآسي التي تعرض لها اللاجئون منذ الحرب العالمية الثانية، وقد تخطت قضية اللاجئين السوريين على وجه التحديد قدرات المجتمع الدولي -المحدودة- على تخفيف المعاناة.

مدينة زحلة بشرق لبنان

وفقًا لإحصاءات الأمم المتحدة ، فإن 10.8 مليون لاجئ سوري هرب من الحرب الدائرة في سوريا خلال السنوات الثلاث السابقة. وقد لجأ منهم حوالي 3.2 مليون إلى بلدان مجاورة، بينما لجأ 7.6 مليون داخل سوريا نفسها – أي تركوا بلداتهم الأصلية ومنازلهم ونزحوا إلى مناطق أخرى يرجونها أكثر أمانًا-. سواء كانت خيامًا أم مباني المخيمات أم مبانيَ مهجورة أو تحت الإنشاء -التي التجؤوا اليها- فإن مستهل الشتاء من كل عام يضاعف من مأساتهم ويعمق ما تكبدوه من خسارة وحرمان.

تقول أم خليل –وهي أم في الثالثة والثلاثين-: “يمكننا التأقلم على صعوبات الحياة نوعًا ما في فصل الصيف، أما صعوبات الشتاء فهي فوق إمكاناتنا المحدودة”. وبينما تتحدث أم خليل -التي رفضت الإفصاح عن هويتها خوفًا على من تبقى من أهلها في سوريا-، هبت عاصفة ريح أطاحت بأواني وقدورِ الأسرة إلى أرض الخيمة.

وأضافت قائلة: “أحيانا لا يمكنني مقاومة الفكرة، أنه كان من الأفضل لنا أن نلاقي الموت في سوريا على أن نمر بما نعانيه في الشتات”.

“اللاجئون السوريون يحملون البطاطين والأغطية التي تقدمها المفوضية العليا لشؤون اللاجئين”

وما يجعل مأساة السوريين أشد قسوة أن لبنان البلد الجبلي الصغير، يستضيف الآن أعلى نصيب من اللاجئين في العالم. حيث هرب مليون ونصف سوري من الحرب الدائرة في الجوار ليشكلوا ما يزيد على ربع التعداد السكاني للبنان.

ولتاريخ لبنان المفعم بالقتال وانقساماتها الطائفية العميقة ما يشكل سببًا مفهومًا يحول دون استجابة حكومية حيال أزمة اللاجئين. كما أن نقص التمويل الدولي -لمفوضية الأمم المتحدة لدعم اللاجئين- الذي تراجع هذا العام بنسبة 50 بالمئة، خلَّفَ وراءه كتلة متنامية بانتظام من تعداد اللاجئين، تتلقى مساعدات أقل كثيرًا من سابقاتها في السنين الماضية.

” اللاجئون السوريون بمخيم الزعتري يحملون إمدادات الطعام من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين” 

يقول وسام طريف (ناشط حقوقي يعمل على قضايا اللاجئين): “إن مستوى المعاناة هذا العام أسوأ بكثير من نظيره العام الماضي، ودومًا ما يكون مستوى الدعم أقل بكثير جدًا من الاحتياجات”. ويضيف طريف: “لا يحدث ما نراه حولنا في لبنان بأي مكان آخر، فالثلوج تتساقط في تركيا وفي الأردن، ولكنهم يسبقوننا بمراحل وقد تجهزوا لاحتواء الأزمة”.

جغرافيا لبنان وطقسها في فصل الشتاء يجعل البلاد مكانا قاسيًا للعيش به دون ملجأ بسقف وجدران يحمي من ضراوة الطقس. حيث يعيش أكثر من مليون ونصف لاجئ سوري بلبنان، فوق خط تساقط الثلوج الشتائي على ارتفاع أعلى من 1500 قدم. ويتوقع خبراء الأرصاد انخفاض درجات الحرارة في الأيام القادمة لتصل تحت الصفر في بعض المناطق، وأن يتزايد تساقط الثلوج في مناطق أكثر انخفاضًا من المرتفعات التي اعتيد تأثرها بموجات الثلوج.

” أطفال سوريون يتدفؤون بحرق القمامة في مخيم الزعتري”

“سيكون الوضع أكثر قسوة، وكل ما نأمل فيه أن يستطيع كل فرد أن يلتجأ إلى مكان دافئ وجاف” عقَّب رون راموند المتحدث باسم المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، والذي اعترف بعدم قدرة المنظمة على مساعدة كل من يعانون من اللاجئين في الأجواء الحالية. وفي المخيم الذي تعيش فيه أم خليل وعائلتها كواحد من مخيمات عدة متاخمة لجبل لبنان الشرقي بمدينة زحلة، يقول اللاجئون أنهم لا يجدون أيًا من الدفء ولا الجفاف.

“اللاجئون السوريون في البقاع يعيشون في أطلال المباني”

أما عن نورا محمد فقد بللت أيام المطر أرضية منزلها كليًا. ومنزلها بناء مهلهل من البلاستيك وخشب الفنير ما بين الخيمة والكشك. ورغم أنهم يمتلكون جوارب وأحذية تورمت أقدام أطفال نورا والتهبت من البرد لتتبدل بين الأزرق والأحمرالقاني، وتساءلت نورا “لمَ يرتدونها إذا كانت أقدامهم ستتبلل فورًا على أي حال؟”. وذلك هو الشتاء الأول الذي تعيشه نورا –ذات الخامسة والعشرين- في العراء، ومازالت تحاول التأقلم.

نزحت نورا وعائلتها عن حمص منذ ما يزيد عن العام هربًا من الحرب، واستأجروا شقة في زحلة اضطروا لبيع ممتلكاتهم سدادًا لإيجارها حين نفدت مدخراتهم. وانتقلوا للخيمة حين انتهت مقتنياتهم، لتتلوعائلتهم ما سبقها في ملحمة كاملة من الحرمان والشتات يعيشها ملايين السوريين، بينما تستمر الحرب بلا أي نهاية تبدو في الأفق.

“اللاجئون يبيعون أحذية قديمة جمعوها للوقاية من البرد – مخيم الزعتري”

اللاجئون على المدى الأطول والذين عانوا عواصف لبنان الشتوية من قبل، استطاعوا التأقلم على البرودة بطريقة ما. تعلمت فايزة درويش -65 عامًا- أن تلف قدميها بأكياس بلاستيكية لتدفئتهم، بعد ثلاث سنوات من اللجوء هربًا من القتال الدائر في ضواحي دمشق. تعتمد أسرة فايزة على فراش أنقذوه من مكب نفايات، يمنح الأطفال نومًا مريحًا – عن سواه- في الصيف، ويستعملونه كثقل يُدعم به الجدار ليتحمل تساقط المطر. “أذكر دوما أني اعتدت العيش في منزل من ثلاث غرف وبه تدفئة مركزية” عقبت فايزة نصف ضاحكة ونصف باكية.

أطفال يلهون بالثلوج في مخيم الزعتري

زوجها محمد اعتاد زراعة أزهار النرجس والأقحوان والجيرانيوم (نبات إبرة الراعي) خارج الخيمة، ويقول: “إنها طريقتي في تمضية الوقت.. حتى نعود للوطن”.

بعض زهور الجيرانيوم مازالت مزهرة تجابه ظلمة السماء بببقع متناثرة من الأحمر والبرتقالي.

ليزا سلاي: رئيس مكتب بيروت، قضت أكثر من 15 عامًا في تغطية قضايا الشرق الأوسط بما فيها حرب العراق، ومناطق أخرى في أفريقيا والصين وأفغانستان.

عرض التعليقات
تحميل المزيد