“حين يتغير الفصيل المسيطر عليك, عليك أن تمحو حتى ذاكرة أطفالك” * من شهادات بعض المدنيين السوريين.

تتحدث الأخبار بشكل موجز ومختزل كل مرّة عن المدن السورية التي تنتقل السيطرة فيها من النظام إلى المعارضة, أو بالعكس, وآخرها مدينة إدلب التي نزح من أهلها أكثر من 100 ألف شخص خلال أسابيع قليلة, لكن ما وراء هذه الأخبار المختصرة بالأرقام تقبع مآسٍ عميقة وحالة من التعقيد الشديد على مستوى الأفراد والمدنيين الذين يجدون أنفسهم باستمرار عرضةً لتبعات النزاع.

التقت “ساسة بوست” بحالات مختلفة لتروي قصتها وتفاصيل ما حدث معها أثناء هذه التحولات.

شقاء متعدد

غيث من حيّ برزة الدمشقي، 32 عامًا:

بدأ الأمر حينَ كنتُ ما أزال في ضاحية زملكا, كنت أقطن هناك وأعمل في ورشة بناء. تعتبر زملكا وبرزة من أوائل الأحياء التي ثارت على نظام الأسد والتي تعرضت أيضًا لجحيم قصفه ومداهماته, ولأن أهل برزة قد تذوقوا تفضيل نظام الأسد للعلويين ومرارة الغبن من مجاورتهم لـ”عشّ الورور” المنتمي بأغلبيته للطائفة العلوية, وأنا واحد منهم, فإن هذا جعلني مبكرًا أشارك في المظاهرات الليلية التي كانت تحصل في موضع إقامتي: زملكا.

SYRIA-CONFLICT

في شهر 6/2011 وصلني خبر استشهاد ابن عمي والذي كان أيضا رفيق طفولتي إثر إطلاق الأمن الرصاص على مظاهرة “طيّارة” خرجت بعد صلاة الجمعة في برزة, ذهبت لأشارك في التشييع الذي تحول إلى مظاهرة أكبر وتم إطلاق الرصاص على الجنازة أيضًا, عرفتُ أنّي قد أصبحت مطلوبًا للأمن بكل تأكيد بعد مشاركتي هذه فجعلت زوجتي ترافقني للسكن في مدينتي برزة وتركنا بيتَنا في زملكا إلى الأبد – والذي عرفتُ لاحقًا أنه قد تهدم كليًا في إحدى محاولات اقتحام زملكا.

بعد أن حمل أهل برزة السلاح لحماية الحيّ من مداهمات النظام, بدأتُ بالعمل المدني تحت سلطة الثوّار, حيث كانت مهمتنا الرئيسية تأمين أوضاع النازحين إلينا.

في هذه الأثناء بقي أخي الأكبر يعملُ في محلّ أدوات كهربائيّة قرب أحد مداخل “دمشق القديمة”, وبسبب حرص النظام الشديد على العاصمة فلقد حصّن كل المداخل حتى الصغيرة منها بحواجز تابعة للأمن أو “لجان الدفاع الوطني”, وبدأت تتفشى حركة من التشيّع المدعومة ماليًّا من النظام, باختصار أصبحت المنطقة موبوءة.

انتشرت إشاعة مفادها أن أخي موالٍ للنظام لأن أحدهم مرّ ورأى عناصر حاجز النظام يتردّدون على محله ويشربون الشاي عنده ويبادلونه الكلام, وكأنّ هنالك سوريًّا يستطيعُ أن يظهر أدنى امتعاض مع عناصر تابعة لأمن النظام! تدريجيًا بدأت التهديدات والتخوين وتم اعتبار أخي عميلًا وأصبح البعض يمرّ على بيت والدتي ويسوءها بالكلام, كانت أكبر تهمة يمكن أن توجهها لثائر أن أحدًا عميلًا في عائلته! تمّ جرحي في الصميم وأخبرتُ أخي عبر الهاتف أن البعض يهدده بالقتل لو فكر بالمجيء إلى برزة المحررة.

معركة برزة:

“لا أحد يستشير المدنيين, وهم غالبا آخر من يعلم!”.

حتى ذلك الوقت كانت فصائل الجيش الحر كلها من أبناء المنطقة, ولأن برزة أرض منخفضة مكشوفة أمام امتداد جبل قاسيون المدجج بأسلحة النظام, فلقد كانوا يتجنبون إشعال جبهات كبيرة مع النظام ويكتفون عموما بالمناوشات اليومية, لكن في نهايات شهر شباط/2013 دخل برزة لواء من الجيش الحر عبر بساتين الغوطة وابتدأ معركة مهوّلة بـنيّة الدخول إلى دمشق العاصمة كما كان يقول, بالطبع لم يستشِرنا أحد, لا أحد يستشير المدنيّين وفي كثير من الأحيان لا أحد يُعلِمهُم حتى بالتغيّرات, لاحظنا انتشارهم في الشوارع ومن ثم أسبوع كامل من الحرب المتصاعدة بلا هوادة وصل فيها النظام إلى استخدام صواريخ أرض-أرض بحقّنا, وكان قناصّاته تستطيع إصابتنا ونحن في بيوتنا, بدأت رحلة النزوح الجماعية عبر البساتين الممتدة وراء البيوت, وتم تدمير أكثر من ثلثيْ مباني بلدتي تدميرًا كليًا أو جزئيًا, لقد عمّ الخراب.

انسحبَ اللواء الذي أشعل الجبهة وبقيَ الجيش الحرّ البرزاوي غالب الوقت وحده في مواجهة معركة غير مجهّز لها ولا هي ممكنة حسب المعطيات الجغرافية للمكان.

عموما كلما اشتعلت جبهة ضد النظام في مكان ما في سوريا يقوم النظام باستهداف أبناء تلك المنطقة أينما كانوا تشفّيًا وضغطا, ولذلك أثناء مقاومة مدينة برزة لهذا الحدث الجديد كان الحاجز أمام محل أخي قد اعتقله من موضع عمله بحجّة أنه (يدعم الجيش الحر).

ما زلتُ حتى الآن في برزة التي يسيطر عليها الآن الجيش الحر وهيَ في هدنة معلنة مع النظام منذ أكثر من عام, ولكني أشعر بالتشتت والمرارة, لم أعد قادرًا على الانتماء لأي شيء بعد كل الخيبات التي تعرضت لها.

 

حالة من القلق والترقب الدائمين

أم محمد من القلمون، شماليّ ريف دمشق، 44 عاما:

بقينا لمدة تزيد عن العامين تحت سيطرة فصائل من الجيش الحر, ورغم أننا كنا خاضعين لقصف شبه يومي بالسلاح الجوي التابع للنظام, وكنت في خوف دائم على أولادي الذين ألِفوا النوم في قبو تحت الأرض, لكن ما عدا ذلك فإن معظم تلك الفصائل مكوّنة من أبناء المنطقة نفسها, لذلك كنا نشعر بالأمان التامّ في التعامل معهم, وكانوا يعاونوننا على تحمّل تبعات القصف.

انقلبَ الحال رأسًا على عقب منذ بداية عام 2014, حيث انطلقت سلسلة معارك “تطهير القلمون” كما تم تسميتها في الإعلام السوري, واستمرت أكثر من خمسة أشهر عنيفة مليئة بالمجازر, أدت إلى نزوح غالبية أهل المنطقة. يعملُ زوجي طبيبا وكان يعالجُ جميعَ من يأتي إليه بمن فيهم عناصر من الجيش الحر, لذلك فقد افترقنا من يومها, حيث نزحَ هو إلى مخيم عرسال على الحدود اللبنانية, لأن تهمة المعالجة الطبية كفيلة بتعرّضه للاعتقال وتلقّي العذاب حتى الموت من قبل الدولة السورية, أما أنا وأولادي فقد لجأنا إلى دمشق حيث تواجدنا مع 4 عائلات أخرى في شقة صغيرة.

 

بعد أن رجحت كفة النظام السوري في المدن الرئيسة في القلمون, استولى فصيل حزب الله اللبناني على أحياء بأكملِها في كل من يبرود وقارة وفليطة وغيرها, ولم يسمح لأبناء هذه الأحياء حتى بمعرفة حال بيوتهم, أما في المناطق التي عاد إليها المدنيون فإن الشريحة الكبرى هي من النساء والأطفال والعجائز, حيث لا يمكن لمعظم الرجال أن تفكر بالعودة.

“حين يتغير الفصيل المسيطر عليك, عليك أن تمحو حتى ذاكرة أطفالك”.

نعيش الآن في تهديد دائم, حملات الاعتقال لا تتوقف أبدا, ولا تنتهي أسبابها, أحيانًا مجرد خلاف مع شخص من لجان “الدفاع الوطني” يمكن أن يتسبب لك بالاعتقال, تم إجبارنا على طلاء كل شيء حتى أبواب البيوت بألوان العلم السوري, ومن ثم إخراج الناس المكلومة في مسيرات وتصويرها على أنها احتفالات بهجة بمجيء الجيش العربي السوري, ولاحقا صار حتى أقارب المعارضين مهددين بالاعتقال كـوسيلة ضغط.

لكن الجزء الأصعب بالنسبة لي هم أطفالي, لأنه يتم أحيانا سؤال الأطفال في المدارس أسئلة من قبيل: “هل كان أبوك يحب الجيش الحر؟”، “على ماذا تتفرجون في التلفاز في المنزل؟”، “غنّ لي أغنية”, ومن المعروف أن الأطفال في المناطق المتحررة تغني طوال الوقت أغاني الثورة بشكل جماعي ويمثّلون المظاهرات حتى أثناء لعبِهم, وبإلحاحي على أطفالي كل يوم بمراقبة كل كلمة تخرج من لسانهم, وملاحقتي لهم طوال الوقت مع ألمهم على مفارقة والدهم لمدة تنوف عن العام وعدم قدرتهم على استيعاب كل هذه التغيرات, بالإضافة إلى إصابة الصغيرَين منهم بنوبات من التبول اللاإرادي والكوابيس الليلية والتلعثم بسبب الرعب المستمر, كل هذا يجعلني أشعر أن أطفالي قد حُرِموا من الطفولة إلى الأبد وأنهم على وشك التعرض لعقد نفسيّة عميقة.

فوضى وآلام

د.عادل، ناحية صوران في ريف حماة، 47 عاما:

يعد ريف حماة ومن ضمنه قريتي من أوائل المناطق السورية التي استجابت لصرخة الكرامة والحرية التي انطلقت في درعا, حيث نكّل النظام السوري بحماة وريفها في الثمانينات مما أبقى ندبة في قلوب الجميع, وحين بدأت الثورة السورية وسارع النظام إلى إرسال جحافله البرية في حادثة الهجوم على “جسر الشغور” الشهيرة, تصدت الرجال في ريف حماة لِـدبابات النظام بمعداتها البسيطة وحيلها البدائية آنذاك فقط لتستطيع “جسر الشغور” كسب المزيد من الوقت.

مر الوقت لتصبح منطقتي وأغلب المناطق المجاورة تابعة لسيطرة الجيش الحر, كنتُ قد حصلتُ على شهادة الدكتوراه في تخصص حيوي من جامعة حلب منذ فترة, وأعمل بمشروع بحثي, لكني آثرتُ البقاء في منطقتي حتى أظل أتابع كل شيء عن كثب.

بدأت مجموعات تابعة لجبهة النصرة بالقدوم بشكل تدريجي إلى المدينة والتعرف إلى أهلها, كانت جبهة النصرة تلك الفترة مثل أسطورة في قلوب المنضمّين للجيش الحر, بسبب كل ما ينسب لها من انتصارات نوعيّة, كما أنها لم تكن قد كشفت عن أي تصرفات مستقلة أو افتعال عداوات, بل كانت تتقرب إلى أهل المنطقة ولذلك فإن المزيد من أبناء ريف حماة بدؤوا بالانتساب إليها بانبهار شديد.

مع الزمن أصبحت جبهة النصرة هي الفاعل الأقوى بين الفصائل, وكنتُ من أوّل ضحاياها, حيث تم اختطافي في أحد الأيام واقتيادي إلى جهة مجهولة وأنا معصّب العينين, تدخل اثنان من وجهاء المنطقة لأجلي وتم الإفراج عني بظرف أسبوع واحد, شعرتُ بالصدمة الشديدة, لكني بقيت في المنطقة لاعتقادي أنه مجرد سوء فهم تم حلّه.

لاحقا في نفس الشهر, تم اختطافي من أمام بيتي, وهذه المرة كان الأمر أشد وضوحا, حقّق معي شخص غير سوري ودار حول نقطتين, أولا أننا عائلة مشهورة باعتناقها “الصوفيّة” ولدينا مزار صوفي تتوارث الأبناء مهنة العناية به عن الآباء, وهو ما كان يستفظعه المحقق جدا ويسيئني به, كان يقول لي باستمرار أن “الشرك” صفة عامة في سنّة سوريا وأننا متهاونون في الدين, وثانيا مسألة عملي مع جامعة حلب, حيث كان يتم اعتبار أي نوع من العمل في الدولة تعاونًا مع النظام.

بقيتُ محتجزًا أكثر من 40 يومًا في منطقة تتعرض للقصف باستمرار, حتى أني يئستُ أن أخرج لأنهم توقفوا بعد الأسبوعين الأولين عن إعلامي بشيء, وصرتُ أقضي الليالي بالتفكير بابنتي الصغيرة وأبي الشيخ, وأتجرّع الخيبة, ثم دخل عليّ أحدهم يومًا وقال لي أنه سيتمّ إطلاق سراحي الآن وقام بتعصيب عينيّ مجددًا.

تبيّن أنهم أطلقوا سراحي بفدية تبلغ مليونيْ ليرة سورية, وأنا أعتبرُ محظوظا أمام صديقي الحاصل على ماجستير من كلية الاقتصاد والقاطن في ريف إدلب, حيث تم اتهامه بأنه “ملحد متستر”, واختطافه من ساحة قريته ومن ثم تسليمه إلى جهة أخرى في ريف حلب, اتصّل أحدهم برقم زوجتِه وأخبرها أنها يمكنها أن “تحصل عليه مجددا” بدفع فدية تبلغ 20 مليون ليرة سورية, وهو مبلغ هائل, بدأت زوجته بالبكاء على الهاتف وأخبرتهم أنها لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن تتمكن من جمع مثل هذا المبلغ لأجلهم, ولقد مرّ 3 سنين الآن دون أن يظهر أيّ أثر عنه, وحين تم رفع الشكوى إلى “المحكمة الشرعية” لم تجرّم أحدًا رغم أن المنطقة تقع تحت فصيل معين ولا يمكن لجهة أخرى أن تقوم بعملية الخطف من داخل المدينة دون المرور بحواجزه.

وإذا كانت الفصائل الإسلامية من قبيل جبهة النصرة ترضى بأن تكون الجهة الأقوى في المنطقة وحسب, فإن “داعش” في “الباب” و”منبج” لا ترضى إلا أن يكون كل شيء تحت سيطرتها على الإطلاق, لا أكاد أجد شخصيا أي نوع من الأمل أو العزاء لأن “من جرّب ليس كمن سمع”.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد