715

أن تكون سوريًا هذه الأيام يعني أنه من الطبيعي جدًا أن يكون أبوك في تركيا وأمك وزوجتك في سوريا وأنت في الجزائر، ليس هذا محض خيال ولا افتراض ولكنه أمر واقع بالفعل، على الأقل هو كذلك بالنسبة لمحمد خ (هكذا أراد أن نذكر اسمه)، محمد شاب سوري، لم يتجاوز عمره الثامنة والعشرين عامًا بعد، يعمل مهندسًا معماريًا، ترك سوريا عام 2014.

اختار محمد الجزائر لكي تصبح الأرض التي سيستقر عليها «اخترت الجزائر لأن الشعب الجزائري يحب الشعب السوري ويرحب به، كما أنه هناك تعاطف تجاه القضية السورية»، هكذا يقول محمد، وإلى جانب الأخوة والترحيب هناك سبب آخر كان مهمًا في حسم قرار الانتقال، وهو أن الجزائر في عام 2014 لم تكن تحتاج لفيزا من السوريين لدخول أراضيها.

[/c5ab_gettyimages]

كما في كثير من الدول العربية التي كانت تفتح أبوابها للسوريين في بداية أزمتهم، ولم تكن تحتاج منهم سوى تذكرة السفر فقط لاستقبالهم على أراضيها، كانت الجزائر واحدة منهم.

ترك محمد سوريا بمفرده، تاركًا أسرته خلفه، كل منهم في أرض مختلفة، ليجد نفسه في الجزائر في مواجهة صعوبات توفير فرصة عمل مناسبة وتأمين مسكن مناسب، فلكي يتمكن من تأجير بيت في الجزائر عليه أن يدفع إيجار عام كامل، فلا يوجد إيجار شهري، والإيجار السنوي الذي لا يجد أمامه غيره يتعذر عليه، في ظل ما يحتاجه من موارد مادية تُمكنه من تأمين مواصلاته، يقول محمد: «المواصلات تحتاج ميزانية أخرى، لأن المسافات بين الأماكن التي يتردد عليها الشخص من عمله لبيته شاسعة».

اقرأ أيضًا:

ماذا تعرف عن رحلتهم في الجزائر؟

على الرغم من الأزمة السورية التي أخرجت بالسوريين من بلدهم، ودفعتهم لترك بيوتهم وأراضيهم وأعمالهم، وعلى الرغم من حالة التشتت التي أصبحت تُعاني منها الأسرة السورية، التي أصبح كل فرد منها في بلد، إلا أن السوريين في المجتمعات العربية التي استقروا فيها أضفوا لمساتهم، وصبغوا بعض هذه المجتمعات بصبغاتهم، فالفرد السوري يجيد صنع الطعام الشهي، ويجيد التجارة، كما أنه متعلم تعليمًا جيدًا يجعله قادرًا على مواجهة ظروفه الحالكة، ويجعله قادرًا على التأثير فيمن حوله ولا يقف مكتوف الأيدي.

في الجزائر يعمل السوريون في كل شيء، في التجارة والمقاولات والصناعة والطعام والشراب، وكل مجالات العمل التي يمكن أن تدر عليها دخلًا حلالًا، بحسب محمد، رغم الأزمات الهائلة التي يواجهونها في الجزائر والتي منها علي سبيل المثال أزمة التعليم «فالثانوية السورية غير مقبولة في الجامعات الجزائرية، ولازم يكون عندك إقامة للدخول للجامعة، والإقامة لا يوجد» هكذا يشرح محمد، ويضيف قائلًا: «هذا بالنسبة للجامعات أما عن المدارس، فمتوافرة للسوريين، لكن نظام التعليم بها غير مناسب للطالب السوري، فأقل العوائق التي تواجه الطلبة السوريين هو عائق اللغة الفرنسية مثلًا التي تعتمدها المدارس الجزائرية».

يرى محمد أن السوريين قد أضافوا الكثير للمجتمع الجزائري وللسوق الجزائرية، ويشرح قائلًا: «أضاف السوريون الكثير من المنتجات للسوق الجزائرية لم تكن متوفرة من قبل، منها العبايات وبعض الألبسة والأطعمة السورية، فقام السوريون بافتتاح المطاعم، ومحلات بيع الحلويات الشرقية، بالإضافة إلى ورش الخياطة والتطريز».

من الجزائر إلى الحصري

أمام مسجد الحصري بمدينة السادس من أكتوبر بمصر يقف مصطفى على عربة متنقلة ليبيع الحلوى الشرقية، وبعض الأصناف التي تشتهر بها سوريا من الحلوى، ينجذب الناس لمصطفى لدماثة خلقه، ولوجهه الطيب المبتسم، وللهجته الشامية التي لازال محتفظًا بها رغم وقوفه طوال النهار في الشارع المصري.

يقول مصطفى: «المصريون بيحبوا نكلمهم بلهجتنا، رغم أنهم في أوقات لا يفهمون كلمات منها، ولكنني أتذكر سيدة مصرية كانت خارجة من صلاة الجمعة بالمسجد، ووقفت لتشتري الحلوى السوري، كلمتها بالمصري، وجدتها استغربت وسألتني عما إذا كنت سوريًا؟ فأجبتها بالإيجاب، فردت قائلة إذن حافظ على لهجتك حتى تعود لبلدك بالسلامة ولا تتخلى عنها».

يمتن مصطفى لهذا الموقف بشدة على الرغم من كونه فقط يحاول التعايش ويُحدث الناس بلهجة يستوعبونها، دون أن يسألونه عن تفسير لما يقوله، فهو لم يكن أبدًا يود التخلي عن لهجته، لذلك يمتن لمحبة المصريين لتلك اللهجة واستعدادهم لتقبلها حتى وإن لم يفهموا بعضها.

ولكن يظل بداخل مصطىي شيء يُشعره بالغربة أينما ولى وجهه يتذكر أنه ليس ببلده، وأن لا الشوارع ولا البيوت هي نفسها التي اعتاد عليها، إحساس الغربة هذا هو نفس ما يشعر به محمد خ في الجزائر. يعمل محمد رئيس ورشة في مشروع سكني على فريقه إنجازه وتسليمه، وبالإضافة لضغوط العمل وتواجده في التجمعات الجزائرية سواء في العمل أو في المواصلات لكي يصل لمسكنه، فهو يواجه أيضًا صعوبات كبيرة في الاندماج «أشعر أنني أعيش في سجن كبير بسبب عدم إمكانية لقاء الأهل، فالآن أصبح دخول السوري للجزائر ممنوعًا، والذي بالجزائر إذا خرج لا يستطيع العودة، وهكذا، فلا سبيل للقاء الأهل الذين تفرقت بهم الأراضي والأوطان».

يضيف محمد «أكثر شيء يسعدني هو لهفة الشعب الجزائري تجاه إخوانه السوريين، وأكثر شيء يحزنني أن الدولة لا تعطي إقامات للمقيمين على أراضيها، حتى يخرجوا ويرجعوا، وشرط الحصول على الإقامة هو أن تكون دخلت للجزائر قبل عام 2011، نحن قبل 2011 ما كنّا لنترك سوريا بالأساس».

السودان.. قسوة الغلاء والطقس أيضًا

حينما حاولت زوجة محمد ترك سوريا واللحاق به في الجزائر لم تتمكن، فاستقر بها المُقام في السودان، وعن تجربة السوريين مع السودان يقولون – محمد وزوجته – «السودان لاتطلب الفيزا، وتعطي إقامة سنوية بمجرد دخول أراضيها».

على الرغم من سهولة الأوضاع والتيسيرات النسبية بالسودان إلا إن السوري يجد صعوبة في التأقلم مع المناخ والطقس الحار، بحسب محمد وزوجته، كما أن تكاليف المعيشة المرتفعة بالسودان لا تتناسب بالمرة مع الدخل المنخفض الذي يحصل عليه الفرد، «زوجتي كانت تعمل مدرسة رياضيات، وكان الاستمرار في السودان براتبها والمصروفات التي تحتاج لإنفاقها أمر مستحيل»، هكذا يقول محمد.

السودان، البلد العربي الوحيد، الذي ما يزال يستقبل السوريين دون تأشيرة دخول مسبقة، وذلك بناء على اتفاق مشترك في عام 2009 بين الحكومتين السورية والسودانية ينص على إعفاء مواطني البلدين من التأشيرات، وكان السوري يدخل معظم البلدان العربية – عدا دول الخليج – دون تأشيرة، لكن مع اشتداد الحرب في سوريا وتعقد الأوضاع الأمنية في المنطقة، فرضت العديد من الحكومات العربية والغربية تأشيرات الدخول «فيزا» على المواطنين السوريين، وما زاد الأمر صعوبة، إغلاق سفارات معظم الدول في دمشق.

في رأس البر، تلك المدينة الساحلية الهادئة، التي تتبع محافظة دمياط المصرية، وجد محمد الطفل السوري وأسرته أنفسهم، الأمر أشبه بآلة الانتقال في الزمان والمكان، استقلها السوريون من بلادهم التي لم تعد آمنة لتلقي بهم حيث شاء حظهم، فالبعض وجد نفسه في الجزائر الخضراء مثل محمد خ، والبعض الآخر وسط صحراء مدينة أكتوبر بالقاهرة كما حدث مع مصطفى، والبعض الثالث يجد نفسه بجوار البحر في مدينة ساحلية مثلما حدث مع محمد وأسرته.

حينما خطت قدما محمد أرض مصر كان عمره لا يتجاوز الأربعة عشر عامًا، ربما كان حظه أفضل بعض الشيء من أقرانه في أنه استطاع هو وأسرته أن يتجمعوا في أرض واحدة، أسرة محمد المكونة من أب وأم وصبي وطفلة صغيرة لم تطمح حتى أن تطرق أبواب العاصمة المصرية، فكانت المدينة الساحلية على قدر حالهم المادي، كان محمد يعمل في مدينة ملاهي هو وأقرانه من الصبية السوريين، الذين كانت تقتصر مهمات عملهم على تشغيل الألعاب للصغار.

كانت مصادفة أن يكون أغلب العاملين بمدينة الملاهي الصغيرة من الصبية السوريين، وكان راتبهم الشهري لا يتجاوز الألف جنيه، كان محمد يحلم أن يُكمل تعليمه، وتمكن بالفعل من أن يلتحق بإحدى المدارس المصرية لمدة عام دراسي واحد، وفي العام التالي لم يتمكن من توفير مصروفات المدرسة فتخلى عن حلم التعليم، لصالح حلم الهجرة إىي ألمانيا «هناك يمكنني أن أعيش كإنسان، أستطيع تأمين احتياجاتي الأساسية وأكمل تعليمي»، لكن وقفت الظروف المادية أيضًا حائلًا منع محمد من حلم الهجرة الذي كان على أتم استعداد أن تكون هجرة غير شرعية يُعرض حياته للخطر فيها «ومن قال إننا نحيا حتي نخشي الموت غرقًّا في البحر؟!ّ» هذا المنطق الذي يُحرك محمد.

في شهر يوليو (تموز) من عام 2013 أعلنت مصر شروطًا جديدة لحصول السوريين على تأشيرة الدخول بعد أن اتهمت بعض وسائل الإعلام سوريين بالمشاركة في الاشتباكات التي دارت بين أنصار الرئيس المصري المعزول محمد مرسي وقوات الجيش المصري في محيط دار الحرس الجمهوري في القاهرة، وهو ما تسبب في عودة عدة طائرات محملة بالسوريين إلى بلادهم مرة أخرى. علمًا بأن السوريين كانوا لا يحتاجون إلى أكثر من جواز السفر لدخول مصر، وكانت السلطات المصرية قد أبلغت شركات الطيران بعدم نقل سوريين على رحلاتها إلى مصر، إلا بعد الحصول على تأشيرات دخول مسبقة وموافقة أمنية من السفارات والقنصليات المصرية في الخارج.

هكذا تركوا آثارهم في «المحروسة»

تقول منى السيد – مدرسة مصرية بمرحلة الثانوية العامة – «أسكن وزوجي في مدينة السادس من أكتوبر، مما يسمح لي بالاختلاط بالسوريين الذي اتخذوا المدينة التي لازالت غير مأهولة بالكامل بالسكان ولا تعاني من الازدحام كأحياء القاهرة المختلفة ملجئًا لهم».

ما استطاعت منى تبينه بسهولة أن الفرد السوري لديه ثقافته الخاصة التي يتقنها ويجيد نشرها ويجيد كسب رزقه منها أيضًا، فبحسب منى، هناك مناطق بمدينة أكتوبر تشعر للوهلة الأولى فيها أنك قد نزلت أرض الشام، ينتابك الشعور السابق من نوعية الأسماء التي يطلقها أصحابها على محلاتهم، فتجد حلواني دمشق، ومخبوزات اللاذقية، ومشويات أبو عمار، كما تجد الفتيات السوريات ينتشرن في محلات الملابس و«الكوافيرات» والحضانات، «لا أحد يستطيع أن ينكر أبدًا أن الفرد السوري مهذب للغاية في تعامله، كما أنه يتقن للغاية الخدمة التي يقدمها لك، فتجد أن أكثر محلات المشويات التي تجد عليها إقبالًا في مناطق مختلفة بمصر أصبحت هي المحلات السورية».

وتضيف السيد قائلة: «أحاول تصور ما حجم التأثير الذي يمكن للسوريين التسبب فيه في المجتمع المصري لو استمر الوضع على ما هو عليه خلال السنوات العشر القادمة؟!».

يمكننا تخيل حجم التأثير هذا الذي تحدثت عنه السيد عندما نرى حالة نورهان إبراهيم – موظفة مصرية بشركة استثمارية خاصة – والتي كانت تبحث لابنتها عن حضانة مناسبة تطمئن عليها فيها، وخاصة أن ابنتها لم يتجاوز عمرها الأعوام الثلاث بعد، بعد بحث طويل لم تطمئن نورهان إلا لحضانة خاصة صاحبتها فلسطينية وتعمل بها عدد من السوريات، تقول نورهان: «لا يمكننا أن نضحك على أنفسنا، هم متعلمون تعليما جيدا جدًا، ويتمتعون بالنظام والنظافة كسلوك طبيعي متغلغل وغير متصنع في شخصياتهم، وكل هذا يجعلني مطمئنة على ابنتي».

ويمكننا تخيل حجم التأثير أكثر إذا عرفنا قصة أم أنس، فأم أنس هي إحدى السيدات السوريات التي تقدم خدمة وجبات الطعام (البيتي) الجاهزة وتوصيلها لمنازل الزبائن.

حينما أتت أم أنس بصحبة زوجها وأطفالها إلى القاهرة ما كان بيدها إلا أن تصنع الحلويات الشرقية ويقوم زوجها وأطفالها ببيعها في الشوارع والطرقات، إلى أن عرض البعض عليها أن تستغل إجادتها لفن الطهي، وتستغل الثقافة السورية في الطعام الذي قد يستهوي كثيرات من السيدات المصريات، وتقديم وجبات طعام جاهزة لهن وتقدم خدمة توصيلها للمنازل، وهو ما فعلته بالفعل وأدر عليها دخلًا لا بأس به.

ما تفعله أم أنس وجاراتها هو تبادل بنّاء للغاية، الجارات يساعدنها ويعرفنها على طبيعة المجتمع المصري وما يستسيغه وما يجتذبه، وهي تنقل لهم خبرات حياة مختلفة عنهم وجديدة عليهن، فتنقل لهن نصائحها بخصوص التعامل مع صغارهن، وترشح لهن معارض وورش الخياطة السورية التي يمكنهن شراء الملابس السورية التي يفضلنّها منها بأسعار أرخص من المحلات.

حينما كانت إحدى جارات أم أنس وهي موظفة حكومية خمسينية ترغب في تجهيز ابنتها للزواج، طلبت من أم أنس ترشيحاتها في ملابس العروس ومفارش السرائر ومناضد الطعام، والتي كان أغلبها بالطبع من المنتجات السورية، وهو الأمر الذي  لاحظت أم أنس انتشاره، فكثير من الأمهات المصريات يرغبن بتجهيز بناتهن اللاتي اقتربت زيجاتهن بمنتجات وملابس ومفروشات سورية.

هذه القدرة على التأثير هي نفسها التي اكتشفها محمد تيسير، ففي إحدى الأتيليهات المخصصة لبيع وتأجير فساتين الزفاف والسواريه بمدينة نصر بالقاهرة يقف محمد تيسير طوال اليوم على قدميه لتأدية عمله كبائع في الأتيليه، تيسير هو رجل ثلاثيني سوري، كان يعيش بدمشق، وكان يملك مع أبيه وأخيه أتيليه ملكهم بسوريا، وعندما أتى إلى القاهرة لم يجد بيده شيئًا سوى الصنعة التي لم يعمل بسواها طيلة عمره.

أخذ تيسير زوجته وابنته لمصر وترك عائلته وراءه في سوريا، «حينما جئت للقاهرة كان معي 300 دولار وبعض الفساتين التي ظللت أتجول بها في الشوارع وعلى المحلات لكي أبيعها، وبعد أن كونت رأس مال جيد نسبيًا تعرضت لعملية نصب، خسرتني كل ما كان معي، واضطرتني للعمل أجيرًا».

أدرك تيسير أن التصميمات السورية مطلوبة في السوق المصري، وأن السيدات المصريات يقبلن على التصميمات والمفروشات السورية على سبيل التجديد، وأن كل ما عليه هو أن يفعل ما يتقنه طوال عمره، أن يقوم بتصميم مفروشات وفساتين جيدة ويبيعها تحت مسمى الملابس السورية.

كان التجديد والثقافة المختلفة التي يقدمها تيسير هو ما جعل له قبولًا، وجعل الزبائن يطلبونه بالاسم، وكل ما يتمناه الآن هو أن يدخر ولو من قوته وقوت أولاده لكي يتمكن من فتح مشروع خاص به مثلما كان في سوريا «لحين ما يفتح الله علينا ونعود لأراضينا وملكنا». تقف الأسعار المرتفعة في كل شيء في مصر حائلًا أمام تحقيق تيسير لحلمه.

ففي السكن قام كثير من السماسرة وأصحاب العقارات المصريين حينما أتى السوريون إلى مصر منذ بداية السنوات الست الماضية – قبل موجات الغلاء المصرية الأخيرة – برفع أسعار وحداتهم السكنية، في المناطق التي يطرقها السوريون ويسكنون بها، مثل مدينة نصر، ومدينة السادس من أكتوبر حتى على المصريين أنفسهم، فالشقة الإيجار الصغيرة بدل أن كانت بخمسمائة جنيه أصبحت تصل للألف – هكذا يضيف أحد العمال المصريين بالأتيليه – وهو ينظر لتيسير ضاحكًا «السوريون غلّوا الدنيا علينا» فيضحك كلاهما.

التأثير الذي يفعله السوريون في المجتمع المصري لا نظير له ربما في أي مجتمعات عربية أخرى، وفي المجتمع التونسي بحسب سارة، صحافية تونسية وصاحبة شركة إنتاج محتوى، فإن السوريين لم يصنعوا أي تأّثير في المجتمع التونسي فقط لأن عددهم قليل للغاية، ولا يستطيعون فعل تأثير يذكر أو نشر ثقافتهم.

السوري في السعودية: «هني مالك أي شي»

في تونس هناك من يقدّر أعداد اللاجئين السوريين بأربعة آلاف، وفي غياب أرقام رسمية من الدولة التونسية فإنه لا أحد قادر على تحديد عدد اللاجئين السوريين في تونس، وفي تعليق له على أوضاع اللاجئين السوريين في تونس يقول ضياء الحق بوذينة نائب رئيس جمعية الكرامة والحرية في تصريح لموقع «جَدَل التونسي»: «إن معظم اللاجئين السوريين قدموا إلى تونس بطرق غير قانونية عبر الحدود التونسية الجزائرية بمساعدة مهرّبين تونسيين بعد أن فقدوا جوازات سفرهم وما زاد الطين بلّة هو قطع العلاقات الدبلوماسية مع سوريا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2011 الأمر الذي عقّد أوضاع هؤلاء المواطنين السوريين».

كذلك المجتمع السعودي فإنه يحجم السوريين الموجودين على أرضه للغاية، فتحت قائمة «الزوار» يندرج السوريون، ولا يُسمح لهم بمزاولة أي نشاط ولا القيام بأي عمل يُذكر، يقول محمد المصطفى أحد السوريين المقيمين في السعودية «أوضاع السوريين هنا غير جيدة، إن كان مقيمًا أو زائرًا، غير مسموح لهم التدريس إن كان زائرًا، والمشافي والعلاج نفس الوضع، كله لازم تدفع لتحصل على خدمات التعليم والصحة، ونحن أوضاعنا لاتسمح بهذا الشيء».

لا يتجاوز عمر محمد الأربعة والعشرين عامًا، ويعمل مراقب أعمال، يذكر محمد بلاده بحسرة شديدة، ويعلن بتأكيد صارم أنه لولا عدم الأمان والخوف علي الحياة ما ترك بلاده أبدًا «بعدما تركنا سوريا، كنّا نريد أن نطلع على أي مكان آمن، طلعنا إلى تركيا لكن تركيا لا يوجد فيها عمل، فاخترت السعودية كبلد إسلامي أفضل من أوروبا وربما العمل فيها أفضل، لكن الوضع الذي هنا لم أكن أتصوره كذلك، الذاهب إلى أوروبا أفضل، يحس الشخص بقيمته، (هنى مالك أي شي)، لا تأمين لا دراسة ولا أمل في تصحيح الوضع إلا بالحصول على الإقامة».

اقرأ أيضًا:

ترك محمد أسرته وراءه في تركيا ليؤمن لهم مسكنًا بالسعودية، لكنه لم يستطع فعل هذا، وظل هو بالسعودية وظلوا هم بتركيا، قدم محمد للداخلية السعودية طلبًا أكثر من مرة لكي يتمكن من إحضار أسرته، لكنه كان يواجه كل مرة بالرفض، هذا بخلاف عدم تمكنه من الحصول على فرصة عمل، لأنه مدرج في السجلات السعودية كزائر وليس كمقيم، مما يجعل حصوله على فرصة عمل تضعه في موقع المذنب أمام مكتب العمل لسعودي، «نريد أن نعود لأهلي في تركيا، لا أستطيع لأنني زائر وتركيا لاتعطي فيزا للزائر» هكذا يقول محمد.

الشباب السوري في السعودية، بحسب محمد، أوضاعه سيئة للغاية، كباقي الدول العربية التي نعرفها، فالأغلبية لا يُمكنها تكملة تعليمها، وإن أسعدها الحظ وحصلت على فرصة عمل تكون رواتبها متدنية للغاية، بخلاف أنهم غير مسموح لهم إقامة مشروعات تجارية أو عمل محلات لأن كل هذه الأشياء مسموح بها للمقيمين فقط، وأغلب السوريين يندرجون في قوائم الزوار.

على الرغم من أن السعودية تعد من أكبر الدول المانحة للمساعدات التي يستفيد منها اللاجئون، إلا أنها لا تفتح أبوابها لاستقبال النازحين، فرغم تبرع السعودية بملايين الدولارات ليس فقط لفائدة اللاجئين السوريين، بل أيضا لخدمات إنسانية في بلدان أخرى، لتصبح بذلك سادس دولة مانحة على مستوى العالم، بحسب تقرير «المساعدة الإنسانية العالمية» الذي تقوم بإعداده منظمات عالمية للتنمية، إلا إنها لم تستقبل حتى يومنا هذا لاجئًا سوريًا واحدًا.

منذ نحو العام وتحديدًا في فبراير (شباط) 2016 أعلنت وزارة العمل السعودية، أنها ستبدأ بإصدار تصاريح عمل مؤقتة للسوريين المقيمين على أراضيها، ممن يحملون تأشيرة زيارة، مما يمكنهم من العمل في المملكة، بحسب بيان صادر عن وزارة العمل، وبمجرد إصدار الزائر إشعار من نظام «أجير» الذي يتم التسجيل من خلاله فإنه يعتبر وثيقة قانونية تسمح له بالعمل، ويبدو أن الخبر المتناقل منذ نحو العام والبيان الحكومي لم يصل لحيز التنفيذ فحياة محمد كما هي ولم يجدّ في حياته شيء.

يقيم محمد في السعودية منذ نحو العامين، تمكن خلالهما من تكوين صداقات ومعارف بين الشباب السعودي، والانخراط في المجتمع السعودي ولو جزئيًّأ، ولكن تظل الظروف المادية والمعيشية الصعبة التي تُفرض عليه بوصفه «زائرًا» على الأّراضي السعودية لا تمكنه من الحياة بشكل طبيعي. يقول: «كل أملنا الآن في السودان وسمعت أنها لم تعد تستقبل إلا بفيزا هي أّيضًا».

تعليقات الفيسبوك