«اضطررت للعمل في خدمة البيوت حتى أنفق على أولادي، فالله وحده يعلم بحالنا»، هذا ما قالته لنا سيدة سورية تكنى بأم إبراهيم، رُحل زوجها ومعيلها الوحيد من تركيا، حيث كان يقيم مع أسرته بشكل قانوني، وهي حلقة في سلسلة من موجة ترحيل السوريين في تركيا.

أصبحت تلك السيدة هي الأم والأب لأربع أبناء أكبرهم في التاسعة من عمره، ومع همها الكبير في توفير أساسيات الحياة لأبنائها، تعيش أم إبراهيم أيضًا حالة عصيبة، فتارة تخاف على مصير أبنائها وحدهم في بلد الغربة، وأخرى يسافر ذهنها إلى حيث يتواجد زوجها الذي تعلم أنه لن يستسلم وسيخاطر من أجل أن يعود للتواجد معهم عن طريق التهريب.

ترحيل السوريين يُفرق بين الأب وأبنائه

لا يكف أبناء أم إبراهيم عن سؤالها عن حال والدهم في إدلب، يعلمون ماهية أجواء الحرب التي تحيط هناك في كل مبنى، يتخيلون البراميل المتفجرة تقع على رأس الجميع، و تسمعهم يتمتمون خفاء: «يا رب تحمى البابا».

تحدثنا إلي والدهم أحمد محمود، 33 عامًا، الذي كان باله هناك، عند زوجته وابنه إبراهيم، تسع سنوات، وآلاء، ست سنوات، ومحمد، أربع سنوات، ويوسف الرضيع الذي يفتقد الآن اللهو معه، فهو لا يقوى الآن على سماع بكائهم عبر الهاتف، وهم يستجدونه بالعودة إليهم.

يجلس أحمد في إدلب حزينًا، لا يشغله إلا أمر المخاطرة والعودة إلى تركيا عن أي طريق للتهريب، فكما يقول لنا: «رحلت في شهر رمضان الفائت في يوليو (تموز) 2019، أجمع الآن ما يقارب من 700 دولار من أجل أن أدخل تركيا من جديد»، يصمت قليلًا، ثم يقول بلهجته السورية: «يا بتقوص (يتعرض لإطلاق الرصاص) يا إما ما بتقوص».

رُحل أحمد حين وجدته الشرطة التركية يعمل في منطقة مرسين، وهو مقيم في منطقة هاتاي الواقعة جنوبي تركيا، فاعتقلته دون أن تأذن له حتى بأخذ أجر عمله كي تقتات منه أسرته، يقول أحمد: «أتواجد بشكل قانوني منذ ست سنوات في تركيا، وأنجبت اثنين من أبنائي الأربعة هنا، كانت لحظة إجباري على التوقيع على الترحيل أصعب ما مر علي».

تحدثنا أيضًا إلى السوري أبي المغيرة الحوراني، 39 عامًا، الذي رُحل قبل أيام، حين كان هدفه فقط أن يحصل على علاج لزوجته التي هاجرت معه لتركيا، فهي تعاني من جلطة خطيرة في قدمها اليسرى، بينما هو مصاب إصابة حرب ويعمل في معرض للمفروشات 12 ساعة يوميًا من أجل توفير حاجات أسرته.

لكن أحلام الرجل السابقة انتهت مع قرار القوات التركية ترحيل السوريين المخالفين – وهو من بينهم – إلى إدلب السورية، برغم قانونية وجوده في الأراضي التركية، يقول الحوراني لـ«ساسة بوست»: «لم أكن أفعل أي شيء مخالف، أذهب من بيتي للعمل ومن العمل لبيتي، وفي يوم ألقى القبض علي وأنا أحمل بطاقة الحماية المؤقتة، وكنت ذاهبًا إلى المستشفى لإجراءات تتعلق بعلاج زوجتي».

ما يشغل الآن أبا المغيرة تأثير قرار ترحيله على صحة زوجته، إذ إن الجلطة التي تعاني منها غير ثابتة، وهي وحيدة مع ابنهما المغيرة، ثلاث سنوات، ولا معيل لهما، يقول الرجل: «كانت بحوزتي التقارير الطبية الخاصة بزوجتي، لقد استجديتهم كثيرًا من أجل البقاء من أجلها، لكنهم لم ينصعوا لآلامي».

ما يزيد من قهر أبي المغيرة أن القرار التركي لم يكن معلنًا كي يأخذ بعض المتواجدين في مناطق غير مناطقهم حذرهم، يقول: «أصدروا قرارًا دون تنبيه لنا، المفروض أن يمهل السوري ستة شهور كي يسوي وضعه، ويدبر أمر خروجه من تركيا، أما نزع الأشخاص وهم يباشرون أعمالهم فهو  أمر في غاية الإهانة».

الترحيل أو السجن

أقام السوري عمر دعبول – الذي تعود أصوله إلى مدينة حلب – في تركيا منذ بداية 2017، وقد كانت هذه الإقامة قانونية لحصوله على «الكمليك» (بطاقة الحماية الخاصة بالسوريين) من ولاية غازي عنتاب التركية.

قضى عمر جل وقته يعمل في شركة تسويق رقمي في إسطنبول، على أمل أن يأتي اليوم الذي يتمكن فيه من السفر إلى بلجيكا حيث تقيم زوجته، فقد عجز عن الحصول على أورق رسمية لإتمام عملية لم الشمل مع زوجته من مؤسسات النظام السوري، كونه معارضًا وقد سبق اعتقاله في سجون النظام.

في التاسع من يوليو (تموز) 2019 قرر عمر الهجرة بحرًا إلى اليونان، وبالفعل خاض الرحلة على قارب مطاطي صغير يحمل 22 مهاجر بينهم تسعة أطفال، لكن ما أن اقترب القارب من  اليونان حتى ألقى خفر السواحل اليونانية القبض على كل من في القارب، ومن بينهم عمر الذي سُلم لخفر السواحل التركي، ثم وضع في  مركز احتجاز  في منطقة ديدم، لينقل بعدها إلى مركز «أمنيات» في المدينة ذاتها، وأخيرًا نقل إلى مركز «ايدن» الذي يقع في منطقة إيجة التركية.

أحد السوريين في تركيا

عمر دعبول أحد المرحلين السوريين من الأراضي التركية

انقطعت أخبار عمر عن زوجته وأهله أربعة أيام، وتحت إلحاحه الشديد سمح له في اليوم الخامس بمهاتفة زوجته وإخبارها بمصيره، وأنه سيتم ترحيله إلى سوريا، يقول عمر لـ«ساسة بوست»: «انهارت زوجتي حين عملت أنه سيتم ترحيلي إلى الأراضي السورية، علمت لاحقًا أنه تم نقلها إلى المستشفى، لقد كان الوضع صادم، فحلم لم شملنا قُضى عليه، ونحن عاجزون عن فعل شيء».

لكن ما الذي حدث في السجن؟ يوضح عمر: «بدأ المحقق يسألني أسئلة عامة عن حياتي، ثم طلب مني أن أبصم على ورق مغطي بورق أبيض فارغ، وحين سألته عن طبيعة الأوراق، أخبرني أنها أوراق روتينية سيتم إرسالها لأنقرة لإخلاء سبيلي، كنت أعلم أنها أوراق ترحيل، أخبرني المعتقلون أن تلك البصمة تعني الترحيل لسوريا، وحين رفضت البصمة خيرني المحقق بين أن أبصم أو أبقى في السجن، فاخترت مجبرًا الخيار الأول».

بصم عمر وما هي الا ساعات حتى حُمل في حافلة ترحيل السوريين التي  كانت تضم لكثيرين بينهم مرضى، وفي هذا الرحلة استمر مسلسل إهانة المرحلين بالصراخ والشتم والضرب أحيانًا، يقول الشاب الذي رحل إلى سوريا مع 35 سوريًا آخرين، ويستقر الآن في «خربة الجوز» (منطقة سورية على الحدود مع تركيا): «قرار الترحيل كان بالنسبة لي عودة لما تحت نقطة الصفر، قرار ظالم ومجحف بشكل كبير، وهو قرار غير قانوني، لأن معي بطاقة الحماية المؤقتة (الكمليك)».

لماذا ترحل تركيا اللاجئين السوريين الآن؟

تمكن السوري أيهم جمال، 33عامًا، من الخروج من مدينة إدلب السورية والاستقرار في تركيا في العام 2016، وقد حصل على أوراق رسمية تتيح له تواجدًا نظاميًا مع زوجته في تركيا، فاستقرا في منطقة اسكندرون بولاية هاتاي.

عمل أيهم في إلكترونيات السيارات، ورسم لنفسه وأسرته حياة مستقرة نوعا ما، بيد أن الرجل تحطمت آماله قبل أيام حين قامت القوات التركية بترحيله إلى سوريا، ليصبح همه الجلل، هو العودة إلى زوجته وحمايتها حيث تقيم وحدها الآن في تركيا.

وضع أيهم في مركز «ايدن» للترحيلات، وفي هذا المركز لاقى الرجل من قبل الحراس والجنادرية التركية معاملة مهينة، يقول: «عاملونا معاملة مهينة، ووجهوا إلينا الكثير من الألفاظ السيئة، حين كان أحدنا يمد رجليه لإراحتها كان يضربه الجندي ويأمر برفع قدمه، كنا 40 محتجزًا، بيننا طفلان».

ويتابع الرجل الحديث لـ«ساسة بوست»: «قضيت ستة أيام في تلك الظروف، أوجعتني كثيرًا معاملة المرضى، كان أحد الطفلين مصابًا وحين طلب العلاج لقدمه هدده الجندي بأنه سيضربه إن لم يصمت».

 

تعرض أيهم لما تعرض له كل المرحلين السوريين، أجبر على أن يبصم على ورقة الترحيل والمحقق يصرخ في وجهه، وهو يعلم أن عدم البصم يعني أن يٌلقى في السجن لأجل غير معلوم، يوضح أيهم: «حين ركبنا باصات ترحيل السوريين قضينا طيلة الطريق ونحن نتعرض للعنف والضرب والسخرية من الجنادرية والشرطة التركية، بل إنهم حين قرروا إنزالنا لقضاء الحاجة في منطقة عسكرية، أجبرونا على تنظيف السجن المركزي في هذه المنطقة، قمنا بتنظيف الحمامات وغرف الضباط وغيرها».

لكن لماذا رُحل أيهم والمئات غيره من السوريين خلال الأيام القليلة الماضية؟ يجيب على هذا السؤال المحلل السوري فراس ديبة، فيؤكد أن الجزء الأكبر من هذه الدوافع هي دوافع داخلية انتخابية، تتعلق بصدمة «حزب العدالة والتنمية» من خسارته بلدية إسطنبول بعد احتفاظه بها قرابة 20 عامًا من قبل.

ويتابع ديبة القول لـ«ساسة بوست»: «يدرك الحزب أن المشاكل التي يعاني من المجتمع التركي والتي أدت إلى خسارته لولاية إسطنبول يأتي على رأسها المشكلة الاقتصادية، ثم في المرتبة الثانية مشكلة الوجود السوري في تركيا، وهذا الترتيب أظهرته استطلاعات تركية».

ويبين ديبة أن الاعلام التركي المضاد للوجود السوري هو إعلام فاعل تمكن من نشر الكثير من الشائعات التي شوهت الحقائق بخصوص الوجود السوري، وبخصوص ما يتلقاه السوريون من دعم تركي حكومي، ويعتبره الأتراك ذوو النزعة العنصرية أنه حقيقة، وبناء على ذلك توجه «حزب العدالة والتنمية» نحو القيام بحملة لكسب أصوات انتخابية من خلال إثبات العمل على قوننة أوضاع السوريين وتخفيض أعداد السوريين في تركيا وترحيل السوريين المخالفين، وهذا أمر بات هاجسًا فعليًا لدي الأتراك للأسباب الداخلية آنفة الذكر، كما أن تركيا معنية بإعادة الكثير من السوريين إلى المنطقة الآمنة في شمال شرق الفرات في حال تم الاتفاق بينها وبين الأمريكيين، حسب ديبة.

«المونيتور»: غارات الأسد تحرق إدلب.. لماذا لا تتحرك تركيا؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد