أثارت واقعة إساءة مسؤول أمني سوري لأحد وجهاء دروز سوريا في بلدة السويداء السورية في آخر شهر يناير (كانون الثاني) 2021، موجة احتجاجات شعبية شملت تنظيم مظاهرات وتمزيق صور رئيس النظام السوري، بشار الأسد، قبل أن يتطور الأمر لاحقًا لاستهداف بعض الدروز لعدد من أفراد قوات الأمن باحتجازهم ضابطًا من قوات النظام.

أعادت هذه الواقعة التذكير بموقع طائفة دروز سوريا في الحياة السياسية، والتحولات في مواقفها منذ اندلاع الثورة السورية في 2011، خصوصًا بعد اضطرار النظام بعد الواقعة الأخيرة لاحتواء غضبهم، عبر الإفراج عن عدد من المحتجين وتقديم اعتذار عن هذه الإساءة التي صدرت من أحد أفراد الأمن السوري.

يحاول التقرير التالي التعرف على أوراق طائفة دروز سوريا التي يستخدمونها مع النظام تارة والمعارضة تارة، والدوافع السياسية والدينية لهذه المواقف المتباينة من الأحداث التي شهدتها سوريا خلال السنوات العشر الأخيرة، مع استشراف لهذا الدور في الفترة المُقبلة في ظل التغيرات الوشيكة التي تنتظر سوريا.

قبل سنوات.. هذه قصة دروز سوريا مع الثورة السورية والنظام

مع اندلاع الاحتجاجات المناهضة للنظام السوري في مارس (آذار) عام 2011، تمسك زعماء دروز سوريا بموقف الحياد من هذه التظاهرات، مع تصدير خطاب رفض الدعوة لاستخدام العنف ضد النظام، ما اعتبره البعض دعمًا غير مباشر لبشار الأسد ونظامه.

ويمكن القول بأن موقف زعماء دروز سوريا من أحداث الثورة السورية جاء متماشيًا مع التقاليد التي أرساها متعب الأطرش، أحد شيوخ الطائفة الأوائل، للزعماء اللاحقين باعتبارها دستور لأبناء الطائفة. والذي حدد خلالها واجبات الدروز لتكون أولوياتهم هي «الطاعة العمياء لأولى الأمر، مع حفظ العرض والقومية»، واشتراط إعلان الحرب على «من يخرق حدود استقلالنا»، و«ذبح من يمسّ كرامتنا، ومعتقداتنا».

وهي المبادئ ذاتها التي لعبت دورًا رئيسيًا في تصدر الدروز خطوط الدفاع لمحاربة الاحتلال الفرنسي لسوريا عام 1925، حين أشعلوا نيران ثورة سوريا الكبرى ضد الفرنسيين الذين سيطروا على سوريا عام 1921.

وبحسب ما ذكر في الفيلم الوثائقي سلطان باشا الأطرش، فقد كان سلطان الأطرش أيقونة ثورة سوريا الكبرى، وتحول من خلالها لقائد تاريخي، بعد أن قاد جموع الثوار آنذاك ضد الاحتلال الفرنسي، مسجلًا مواقف تاريخية مثل رفض عرض الفرنسيين بتأسيس دولة خاصة بالدروز وزهد السلطة والمناصب بعد رحيلهم، غير عابئ بحكم الاحتلال الفرنسي بإعدامه وقصف منزله ببلدة السويداء السورية.

غير أن دستور الدروز الذي يُلزمهم «بالطاعة العمياء لأولى الأمر» ليس العامل الوحيد الذي ساهم في تبني هذا الموقف المحافظ من الاحتجاجات المناهضة لسياسة النظام السوري؛ فقد شكلت سياسة التخويف الحكومية التي اتبعها الأسد مع الأقليات الدينية، عاملًا أساسيًا في تفسير هذا الموقف المحايد.

فقد تبني الأسد ورموز نظامه، قبل اندلاع الثورة السورية، خطابًا للدفاع عن الأقليات الدينية لمواجهة ما درج على تسميته بـ«الخطر التكفيري والإرهابي». لتدفع هذه الخلفية الدروز إلى تبني موقف محافظ تجاه الاحتجاجات والثورة السورية.

جدير بالذكر أن علاقة النظام السوري بالطائفة الدرزية قد مرت بتأرجح كبير، حتى استقر حافظ نظام الأسد، بعد وفاة سلطان الأطرش، على صيغة للعلاقة أتاحت له السيطرة على أبناء هذه المجموعة.

وفي سبيل تحقيق هذه السيطرة، وحسب البحث الذي أعده إياد العبدالله، عبد الله أمين الحلاق ونشرته صحيفة «الجمهورية» بتعاونٍ ودعمٍ من المؤسسة الأورومتوسطية لدعم المدافعين عن حقوق الإنسان، بعنوان: «دروز سوريا»؛ فقد وطد نظام الأسد في ولايتي الأب والابن علاقاته مع عدد من زعماء الطائفة الدرزية، عبر دعمهم ليكونوا المرجعية المعتمدة في الجبل، ليسهل لهم السيطرة على هذه المناطق، وضمان حدوث أي قلاقل سياسية أو بزوع زعماء سياسين.

كان هدف النظام السوري الأساسي من وراء هذا النهج الجديد الذي اتبعه في علاقاته مع الدروز؛ هو كسب ولاء زعماء الطائفة بعدد من الامتيازات أبرزها منحهم سلطات محلية للقيام بدور الوساطة والحوار والتفاوض بين المجتمع الدرزي والنظام. وشملت هذه الامتيازات أيضًا فتح النظام السوري باب المناصب الإدارية في المؤسسات الحكومية والحزبية، مع حجب المناصب الأمنية والعسكرية، في ظل بقاء التخوف والريبة تجاههم.

وعكست هذه السياسة التي اتبعها نظام الأسد، والتي تراوحت بين الريبة ومحاولات السيطرة في عهدي الأب والابن، موقف الحياد الأول الذي سلكه قادة الزعماء تجاه الثورة السورية.

ويبلغ تعداد الدروز في سوريا نحو 700 ألف نسمة، بنسبة تصل نحو 3% فقط من إجمالي عدد السكان البالغ 23 مليون قبل اندلاع الحرب السورية التي أدت إلى نزوح وتشريد أكثر من نصف السكان داخل البلاد وخارجها. ويتمركز دروز سوريا في مدن السويداء وصلخد وشهبا والقريا في جبل العرب وجرمانا قرب دمشق ومجدل شمس في الجولان السوري المحتل، كما يتواجدون في عدد من القرى في محافظة إدلب (شمال غرب).

غير أن هذا الحياد الذي غلف تأييد النظام بصورة غير مباشرة لم يصمد طويلًا بمرور السنوات على اندلاع الحرب، وذلك بعدما انشقت مجموعات عن دعم النظام السوري، لتتباين مواقف الطائفة الدرزية، وإن ظل الأغلبية منهم مؤيدين للنظام.

جدير بالذكر أن الآلاف من دروز سوريا، تخلفوا خلال سنوات النزاع عن الالتحاق بالخدمة العسكرية، ما بين رفض القتال في مناطق خارج المناطق الدرزية، وبين معارضة للنظام.

وكان أبرز مظاهر خروج الدروز من ثوب «الطائفة المحايدة» التي تخشى ممارسة السياسة حماية لمكتسباتها التي ضمنها لها النظام؛ تنسيق أنصار الشيخ وحيد البلعوس، أحد الدروز المنتقدين للنظام، والمعروفين باسم «مشايخ الكرامة»، مع أفراد من «الجيش السوري الحر»، الذي يحظى بدور مؤثر في درعا.

وتُعد طائفة «مشايخ الكرامة» أبرز الفصائل الدرزية المسلحة التي تشكلت للدفاع عن دروز السويداء، من هجمات تنظيم داعش وجبهة النصرة، التي تكررت خلال السنوات الماضية، وأصدرت مواقف على لسان الشيخ بلعوس ترفض حالة التجنيد الإجباري.

غير أن هذه الدعوات التحريضية للشباب الدروز بعدم الالتحاق بالتجنيد الإجباري التي تصدر لها الشيخ وحيد البلعوس، قابلتها دعوات من رئيس الهيئة الروحية للمسلمين الموحدين الدروز، شيخ العقل الأول حكمت الهجري، الموالي للنظام، فأصدر بيانًا في الوقت ذاته يدعو خلاله إلى الالتحاق بالخدمة الإلزامية، وسط وعود بتنفيذها ضمن حدود المحافظة.

ظل هذا الانقسام حاضرًا في الطائفة الدرزية التي تعرض المئات من أفرادها للقتل والاختطاف من التنظيمات السورية المسلحة خلال محاولاتها السيطرة على مدنهم وقراهم، دون أن تصل الانشقاقات إلى درجة تعصف بوحدة الطائفة.

الآن.. زعماء الدروز ينتفضون ضد النظام بحثًا عن الهيبة المفقودة

ظل الحذر والخوف حاكمًا للعلاقة بين الدروز والنظام الحاكم في ولايتي الأسد الأب والابن، دون أن يشفع موقف الطائفة الدينية المحايد والمحافظ من أي انشقاقات أو احتجاجات مناهضة للنظام السوري من اطمئنان السلطة الحاكمة لهم.

وخلال السنوات اللاحقة للثورة السورية، أولى النظام الحاكم النهج الأمني الأولوية في سياسته مع أي قلاقل لمجموعات الطائفة الدرزية، والتي اضطر أحيانًا إلى استبدالها بسياسة الحوار والتفاهم حال خروج هذه الاضطرابات عن الحدود الآمنة، خشية وصول الأمر لنقطة اللاعودة.

تجلت هذه المراوحة السياسية في الواقعة الأخيرة التي تعلقت بإساءة رئيس فرع المخابرات العسكرية في المنطقة الجنوبية العميد لؤي العلي، لرئيس طائفة الموحدين الدروز حكمت الهجري، خلال اتصال هاتفي بينهما، طالب فيها الأخير المسؤول الأمني بالإفراج عن أحد المعتقلين، وهو الموقف الذي أدى لاندلاع موجة غضب واسعة في مناطق متفرقة من محافظة السويداء احتجاجًا على الإهانة اللفظية لأحد زعماء الطائفة.

أعقب هذه الواقعة تنصيب فصائل محلية في محافظة السويداء حاجزًا على طريق دمشق – السويداء، واحتجزت ضابطًا من قوات النظام، ردًا على قيام أجهزة النظام الأمنية باعتقال مواطن من قرية الجنينة في ريف السويداء.

Embed from Getty Images

وتصاعدت الضغوط من جانب الدروز بتوافد حشود كبيرة إلى منزل الهجري في بلدة قنوات بريف السويداء من مناطق سورية متفرقة كدمشق والقنيطرة وغيرهما، قبل أن يتدخل النظام بعد تصاعد الأمور، ويرسل مسؤولين بارزين في النظام السوري لتقديم اعتذار للرئيس الروحي، تابعا ذلك بتصرف آخر لتهدئة الموقف من خلال إفراج شعبة المخابرات العسكرية عن أحد المعتقلين، في محاولة من جانب النظام لتهدئة الموقف.

تمثل أبرز شخصيات هذه الوفود محافظ السويداء وأمين فرع حزب «البعث» إلى جانب قائد الشرطة في المحافظة، وشخصيات أخرى من مسؤولي المحافظة، وعدد من قيادات حزب البعث السوري مثل عضو القيادة المركزية في حزب «البعث»، اللواء ياسر الشوفي وشخصيات أخرى من «القيادة القطرية للحزب في سوريا».

لكن دروز سوريا يتمسكون باعتذار رئاسي عن هذه الإساءة رغم الاعتذارات المتكررة ومحاولات التهدئة من جانب عدد من رموز النظام السوري، وسط توقعات بانتهاء الأزمة بإقالة محتملة للمسؤول الأمني الذي أثار الأزمة كما حدث من قبل.

ويعود النظام في سياسته المراوحة بين المنهج الأمني ولغة السياسة إلى ما أرساه الأسد الأب في بعض المواقف المماثلة، وأبرزها ما حدث عام 1984، حين حاولت سلطات الأمن في ولاية الرئيس السابق حافظ الأسد منع إقامة الحفل السنوي لوفاة الزعيم الوطني سلطان الأطرش، ليتحدى دروز مدينة السويداء هذا الرفض بإقامة الاحتفالية، لتواجهه قوات الأمن باعتقال عدد من المشاركين في الاحتفال الأمر الذي زاد من حدة الاضطراب الذي تعيشه المدينة السورية.

غير أن هذا المنهج الأمني لم يمارس على طول الخط مع دروز سوريا، وظل النظام حريصًا على آلا تصل العلاقة إلى نقطة اللاعودة، ويطل بين الحين والآخر بوجهه السياسي الساعي للحوار وتفهم مطالب زعماء الطائفة الدرزية حتى لو اضطر في بعض الحالات لتقديم الاعتذار منعًا لتفاقم الاضطرابات وتجوزها الحدود الآمنة.

الأمر الذي سبق وأن حدث حين تراجعت السلطات أمام إصرار دروز سوريا على إقامة الحفل السنوي لوفاة الزعيم الوطني سلطان الأطرش عام 1984، وأفرجت عن عدد من المعتقلين الذين شاركوا في الاحتجاجات ضد النظام، وأرسلت زهير المشارقة وعددًا من المسؤولين للسويداء للاجتماع بقادة الطوائف الدرزية والتفاهم معهم.

سياسة

منذ 3 سنوات
مترجم: رفضوا «يهودية الدولة».. هل ينجح دروز إسرائيل فيما فشل فيه الآخرون؟

المصادر

تحميل المزيد