منذ اليوم الأول لانطلاق الثورة السورية في عام 2011، والتي تحولت فيما بعد إلى حرب أهلية يشنها أطراف تكاد تكون غير معلومة بالكامل ضد بعضها البعض، أعلن الرئيس الأمريكي «باراك أوباما» وقوفه مع الشعب السوري في رغبته في التحول ديمقراطيًا، حيث أدان في أول رد فعل شخصي له يوم 18 مارس (آذار) 2011 العنف الذي شنه النظام السوري على المتظاهرين المطالبين بحقوقهم وحرياتهم في التعبير، وحقهم في عيش حياة كريمة، داعيًا الرئيس السوري «بشَّار الأسد» للاستماع لمطالب الشعب، وواضعًا إياه بين خيارين لا ثالث لهما؛ قيادة التحول الديمقراطي في البلاد، أو الرحيل عن الحكم.

ظلت الولايات المتحدة طرفًا أساسيًا يحاول حل الأزمة السورية منذ بدء الصراع في أوائل 2011. أشكال التدخل الأمريكي ظهرت في صورة التدخل المادي والسياسي في الأزمة؛ ويتمثل التدخل المادي بالدعم العسكري الذي وفَّرته لأفراد الجيش السوري الحر والمعارضة، وأمَّا الدعم السياسي فيتمثل في المؤتمرات الدولية لحل الأزمة، والتي لم تأت بفوائد جذرية حتى الآن، بالإضافة إلى دورها في العقوبات المفروضة على عدد من أعضاء النظام السوري، فضلًا عن تحكمها بشكل كبير في القرارات التي تخرج من مجلس الأمن في الأمم المتحدة، وذلك باعتبارها عضوًا من الأعضاء الخمسة الدائمين في المجلس، الذين يملكون حق «الفيتو».

ويرى العديد من المحللين أن الطريق ممهد للأسد للسيطرة على مجريات الأمور في الدولة مرة أخرى في حال لم تتدخل الولايات المتحدة لمساعدة المعارضة، ودعم الجيش السوري الحر ضد النظام.

بعد فوز مرشح الحزب الجمهوري «دونالد ترامب» برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية للسنوات الأربع القادمة، على منافسته مرشحة الحزب الديمقراطي «هيلاري كلينتون»، يوم الأربعاء الموافق التاسع من نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 الماضي، أصبح وصول دونالد ترامب إلى حكم الولايات المتحدة، الذي سيتسلمه يوم 20 يناير (كانون الثاني) القادم، يمثل تغييرًا كبيرًا في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه دول العالم، ومن ثم في العديد من القضايا السياسية الهامة، ومن أبرزها القضية السورية. الموقف الأمريكي الجديد قد يتعارض مع السياسة الخارجية التي دشنتها الولايات المتحدة في الست سنوات الماضية.

رؤية ترامب لحل الأزمة السورية

تتمثل رؤية دونالد ترامب لحل الأزمة السورية في عدة نقاط، أبرزها التوقف عن دعم المعارضة السورية بأي شكل من الأشكال، وذلك بالرغم من طلبها المساعدة منه، بالإضافة إلى التحالف ودعم نظام بشَّار الأسد عن طريق التحالف مع الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين». وبالرغم من تأكيد الرئيس المنتخب دونالد ترامب على أنه «لا يحب بشَّار الأسد مطلقًا» إلا أنه يرى أن «تعزيز نظامه هو الطريق الأفضل للقضاء على التطرف الذي ازدهر في فوضى الحرب الأهلية، والذي يهدد بتبعاته الولايات المتحدة».

وبالتالي فمن المتوقع أن تكون الولايات المتحدة الأمريكية طرفًا جديدًا داعمًا لنظام الأسد في الفترة المقبلة، جنبًا إلى جنب مع إيران وروسيا، فإلى أي مدى ستتأثر الأطراف الداعمة للأسد أو غيرها بانضمام الولايات المتحدة إلى داعمي نظام الأسد؟

الأطراف الداعمة للأسد بشكل رئيس هي روسيا، وإيران، و«حزب الله» اللبناني، ويبدو أن هناك عددًا آخر من الأطراف ستدعم الأسد بأشكال مختلفة، ربما كان عدم دعمها له من قبل بسبب خوفها من الولايات المتحدة، وخوفها على مصالحها معها، عندما كان زمام القيادة في أيدي باراك أوباما، وبالتالي فبقدوم دونالد ترامب وإعلانه صراحةً دعمه لنظام بشَّار الأسد، أعلنها الآخرون أيضًا، أو ربما يكون الإعلان الحالي عن دعم نظام الأسد ناتجًا عن رغبة في التقرب من النظام الأمريكي الجديد بقيادة ترامب، مثلما هو الحال مع مصر.

وعلى مدار ما يقرب من ست سنوات منذ بداية الصراع في سوريا، ظلت الولايات المتحدة الأمريكية في صف كل من هو ضد النظام السوري، وبالتالي في مواجهة ضد كل من يؤيد أو يدعم نظام بشَّار الأسد، بدايةً من إيران، وانتقالًا إلى روسيا، أو حتى حزب الله. كما أكدت الولايات المتحدة على لسان مسؤوليها على مدار هذه السنوات؛ سواء كان بارك أوباما، أو هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية السابقة، أو حتى «جون كيري»، وزير الخارجية الحالي، أو غيرهم، على أنها لن تدعم بشَّار الأسد بأي شكل من الأشكال، كما أنها لا توافق على أي حل للأزمة يتضمن وجود بشَّار الأسد في السلطة، أو في مستقبل سوريا بأي شكل من الأشكال.

وزير خارجية ترامب المُقرَّب من روسيا

«لقد اخترت واحدًا من أعظم رجال الأعمال في العالم ليكون وزيرًا للخارجية، هو «ريكس تيليرسون»، رئيس مجلس الإدارة والمدير التنفيذي لشركة إكسون موبيل.

هكذا أعلن الرئيس المنتخب دونالد ترامب، أمس الثلاثاء، على صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي «تويتر». وتعَّرض ترامب لعدد كبير من الانتقادات التي وجهت له بسبب إعلانه عن اسم وزير خارجيته، وذلك بسبب اعتبار تيليرسون صديقًا مقربًا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

ويأتي ذك بعد أيام قليلة بعد إعلان وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) تورط روسيا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وذلك بدعمها دونالد ترامب، عن طريق القرصنة والتجسس على الحزب الديمقراطي، ومرشحته هيلاري كلينتون.

اقرأ أيضًا: بعد اتهامه بالتعاون مع روسيا للفوز بالانتخابات.. هل ينجو ترامب من «ووترجيت» جديدة؟

وإلى جانب كل الشواهد التي تشير إلى التقارب بين ترامب وبوتين، إلا أن هذا التقارب سيتم ترجمته على الوضع في سوريا عن طريق وزير الخارجية الجديد مباشرةً. فماذا يعتقد «تيليرسون» عن سوريا؟

يعتقد تيليرسون أن الوضع في سوريا يزداد تعقيدًا يومًا بعد الآخر، وخاصةً في حلب، وذلك بسبب الأطراف المتعددة الموجودة في حلب الشرقية؛ كالقوات الحكومية السورية، والدعم الروسي، والدعم الإيراني، ودعم المليشيات الشيعية من لبنان وإيران، بالإضافة إلى «المتمردين» الموجودين في مواجهة كل هذه الأطراف. ومن المؤكد أن هذا الطرف الآخر هو ما تدعمه قيادة الولايات المتحدة الحالية، بالإضافة إلى تركيا، وبعض الدول الخليجية كقطر، والسعودية.

ولكن ترامب أعلن في حملته الرئاسية بأن محاربة «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) يمثل الأولوية في سياسته الخارجية، وليس الصراع بين المتمردين والحكومة السورية كما هو الحال مع القيادة الحالية. ويبرر ترامب ذلك بأن استمرار وجود تنظيم الدولة في سوريا والعراق سيمكنه من التوسع لاحقًا والانتقال إلى أوروبا والولايات المتحدة، وهو ما يرفضه ترامب جملةً وتفصيلًا.

وبالتالي، ومن أجل عدم تحقيق هذه «الكارثة» بوصول عناصر «داعش» إلى أوروبا والولايات المتحدة، يرى ترامب ووزير خارجيته الجديد أن هذا لن يحدث إلا بالتحالف مع روسيا، المتحالفة بدورها مع نظام الأسد، من أجل توحيد صف النظام السوري لمحاربة تنظيم داعش، كما أن هذا التحالف بذلك، وبإيقاف دعم الولايات المتحدة للمعارضة، سيكون رادعًا لأعضاء المعارضة المسلحة والمتمردين.

وبالرغم من التوترات بين روسيا والولايات المتحدة في عهد الرئيس أوباما، والتي ظن الكثيرون أنها قد تتحول إلى حرب، إلا أن فوز ترامب بالانتخابات الأمريكية أعطى دفعة من الأمل لإصلاح العلاقات بين الطرفين؛ مما تم ترجمته في التقارب الذي ظهر بين الطرفين عندما صرّح ترامب بأن «بوتين قائد قوي، وهو أفضل من أوباما»، بالإضافة إلى تصريح بوتين بأن «ترامب رجل دولة، وهو رجل ذكي سيدرك ويتعلم بسرعة مسؤولياته الجديدة»، وكلها توحي بأن المستقبل سيشهد تحالفًا بين روسيا والولايات المتحدة لأول مرة في التاريخ، وذلك ربما ضد القوى الأوروبية المتمثلة في حلف «الناتو».

تقربًا إلى ترامب.. مصر تعلن دعمها لنظام الأسد

لا يخفى التقارب بين الرئيس المصري «عبد الفتاح السيسي» والرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب، حتى من قبل بداية الانتخابات الأمريكية، ومن المرجَّح أن سبب ذلك يعود إلى العلاقات المضطربة بين وزيرة الخارجية الأمريكية، والمرشحة السابقة أمام دونالد ترامب، هيلاري كلينتون وبين النظام؛ حيث يفضِّل الرئيس المصري أي طرف ينافس كلينتون؛ وذلك بسبب مواقفها من الثورة المصرية في 25 يناير (كانون الثاني) 2011 وتبعاتها من أحداث، والتي دعمت فيها كلينتون ما اعتبر مواقف الثُوَّار المصريين، فضلًا عن إدانتها للانتهاكات التي قامت بها بعض قوات الجيش في فترة حكم المجلس العسكري لمصر، وذلك منذ تنحي الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في 11 فبراير (شباط) 2011. الإدانات التي قدمتها كلينتون رفضها الرئيس السيسي باعتبارها تدخلًا في الشئون الداخلية المصرية.

ليس هذا وفقط، وإنما وجود دونالد ترامب، وهو المرشح الذي يدعم الاستقرار الذي تحققه الأنظمة العسكرية، والأنظمة التي توصف عادًة بالقمعية، حتى لو كان ذلك على حساب الحقوق والحريات لأفراد الشعب، كان دافعًا للرئيس المصري للتقارب مع الرئيس الأمريكي الجديد.

الشواهد على العلاقات المصرية الأمريكية المستقبلية تحت حكم الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب ربما تتمثل في لقاء الرئيس السيسي مع المرشح ترامب حينها، في منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، أثناء اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ونشرت حملة ترامب حينها على موقعها الإلكتروني بأنه شكر الرئيس السيسي على ما فعله من أجل الدفاع عن بلده، وتحسين أحوالها وأحوال العالم منذ توليه الحكم في يونيو (حزيران) 2014، مؤكدًا على دعم الولايات المتحدة لمصر في حربها على الإرهاب.

كما قال ترامب للسيسي: إن «الولايات المتحدة لن تكون مجرد حليف لمصر، وإنما هي صديق وفي يمكن الاعتماد عليه في الفترة المقبلة». كما أكد ترامب على أن التقارب الأمريكي مع مصر مدعوم بسبب التقارب المصري مع إسرائيل، وذلك في سبيل تعزيز السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، مشيرًا إلى أهمية العمل المشترك بين الأطراف الثلاثة لإنهاء كل ما يتعلق بـ«الإرهاب الناتج عن التطرف الإسلامي».

وعلى الوجه الآخر، وردًا على الدعم الذي قدمه ترامب عندما كان مرشحًا، فعند إعلان نتيجة الانتخابات الأمريكية فجر الأربعاء التاسع من ديسمبر (كانون الأول)، أضحى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أول المهنئين في العالم للرئيس الأمريكي المنتخب بفوزه في الانتخابات.

نحن الآن أمام عوامل ثلاثة تحدد موقف مصر من سوريا في الفترة المقبلة؛ التقارب الظاهر في العلاقات المصرية الروسية، والتقارب الظاهر في العلاقات المصرية الأمريكية بعد انتخاب ترامب، والتقارب الواضح بين ترامب وبوتين، كل هذا دفع الرئيس المصري للإعلان عن دعمه لنظام بشَّار الأسد لينضم إلى حليفيه الأهم؛ الولايات المتحدة، وروسيا.

هل يتغاضى ترامب عن إيران ضمن خريطة مؤيدي الأسد؟

الأمر الذي لا تتضح معالمه حتى الآن هو علاقة الولايات المتحدة بإيران في الفترة المقبلة في ظل حكم الرئيس ترامب؛ فإيران التي تدعم نظام بشار الأسد، الذي يدعمه ترامب هو الآخر، ستصبح عدوًا للولايات المتحدة الأمريكية، بحسب تصريحات ترامب عنها، فماذا سيحدث حينها؟ هل يتقارب النظامان الأمريكي والإيراني في سبيل حل الأزمة السورية؟ أم يتخل ترامب عن بشَّار الأسد بسبب الدعم الإيراني له؟ أم يظل الطرفان داعمين لنظام الأسد بلا تعارض في المصالح؟ كلها احتمالات لن تظهر الإجابة عنها، إلا مع مرور الوقت.

ولكن إعلان الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب على أنه سيعيد النظر في جميع المعاهدات والاتفاقات الدولية، بما فيها الاتفاق النووي الأمريكي الإيراني، يزيد من المخاوف الإيرانية. وكان ترامب قد أعلن أثناء حملته الانتخابية، وتحديدًا يوم توقيع الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، أن هذا الاتفاق مُحرج للولايات المتحدة، مشيرًا إلى أنه يبين عجز الولايات المتحدة وإدارة أوباما في التفاوض مع إيران، قائلًا «من يحكمنا في الولايات المتحدة مجموعة من الأغبياء»، وذلك في إشارة تعبر عن الغضب من إدارة أوباما؛ بسبب هذا الاتفاق.

وقد أعلن الرئيس الإيراني «حسن روحاني»، بأنه لن يسمح للرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب بالمساس، بالاتفاق الذي تم إبرامه العام الماضي. إعلان روحاني يمثل تحديًا لترامب، وربما يكون عائقًا لوجود ترامب في دائرة داعمي نظام بشَّار الأسد؛ وذلك نظرًا لوجود إيران على رأسهم، والتي تعتبر أكبر حلفاء الأسد في الوقت الحالي.

عرض التعليقات
تحميل المزيد