كلّما يُذكر اسم الصحراء لا يتبادر إلى ذهن الجزائري سوى أشعة الشمس الحارقة، ودرجات الحرارة القياسية؛ لكن ربما لن يخطر ببال أحدٍ أن هذه البقعة الحارة التي تتربّع على 80% من مساحة الجزائر، تُخفي خلف رمالها وقساوة بيئتها واحاتٍ وجنّاتٍ خضراء، تُنتج محاصيل ضخمةٍ من الخضروات والفواكه؛ وذلك بعد أن استطاع الرجل الصحراوي الجزائري في أزمنةٍ مختلفةٍ من التاريخ تطويع البيئة وابتكار طرق تقليدية لسقي المحاصيل الزراعية، وذلك عبر استعمال تقنية ما، تعرف بالفقارة، والتي باتت اليوم تواجه خطر الاندثار مع مزاحمة التقنيات الحديثة للري.

«من إيران إلى الجزائر».. الفقارة تطل من أعماق التاريخ

تتميز مناطق واسعة من الصحراء الجزائرية بميزةٍ خاصة لتوفير المياه، وذلك باستعمال طريقة تقليدية تسمى الفقارة، وهي أقدم مصدر مائي للسقي؛ ساهم ومنذ قرون في إنشاء الواحات بالصحراء الجزائرية، حيث يمارس 90% من سكان الصحراء النشاط الفلاحي داخل الواحات القديمة وأراضي الاستصلاح الجديدة.

ولمعرفة أصل هذه التقنية العجيبة في تصريف وتقسيم المياه بين الحقول والبساتين؛ نغوص قليلًا في أروقة التاريخ، حيث أرجعت كثير من الدراسات التاريخية ظهور الفقارة إلى ما قبل الميلاد. فالمؤرخ الإغريقي الشهير هيرودوت أرجع ظهور نظام الفقارة واستعمالها في إيران إلى القرن الخامس قبل الميلاد، إذ يقول في تاريخه: «يعود حفر باطن الأرض من أجل دفع المياه إلى الأعلى إلى القرن الخامس قبل الميلاد في بلاد فارس (إيران)، فتتمّ مهاجمة المياه الجوفية في نتوئها حتى يصبح التدفق كافيًا».​ كما نجد في قصص المؤرخ الكلاسيكي الروماني بوليب معلومات حول فقارات الفرس في القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد.

الفقارة أقدم أنظمة السقي في التاريخ

وتكاد المصادر التاريخية أن تجمع على أن ظهور نظام الفقارة كان في القرن الخامس قبل الميلاد في إيران حاليًا، وكانت تسمى «كرز» أو «شراج» ثم انتقلت من بعد إلى مصر وبلاد المغرب ثم إلى الصحراء الجزائرية وعرفت باسم «الفقارة»، وهي التسمية التي أخذت من مصطلح «تفجير المياه».

ويصفها ابن خلدون في كتاب «ديوان المبتدأ والخبر»، قائلًا: «وفي هذه البلاد الصحراوية إلى وراء العرق، غريبة في استنباط المياه الجارية لا توجد في تلول المغرب». ​​ويسترسل ابن خلدون فيقول «ذلك أن البئر تحفر عميقة بعيدة الهوى‏‏ وتطوى جوانبها إلى أن يوصل بالحُفر إلى حجارة صلدة فُتِحت بالمعاول والفؤوس إلى أن يرِقّ جرمها ثم تصعد الفعلة ويقذفون عليها زبرة من الحديد تكسر طبقها عن الماء، ينبعث صاعدًا في بئر ثم يجري على وجه الأرض واديا‏.. وهذه الغريبة موجودة في قصور توات و تيكورارين وواركلا (يقصد ورقلة) وريج‏».

أما القاضي محمد بن عبد الكريم البكراوي فيذكر في مخطوطه «ذروة الأقلام» المتواجد على مستوى المكتبة الرئيسية بأدرار، أن «البربر من قبيلة زناتة الذين استوطنوا المنطقة في وقت مبكر- قد يكونون هم الذين اختلطوا وحفروا الفقارة وبنو القصور بمعظم نواحي توات- وخاصة أن معظم أسماء تلك القصور والفقاقير، هي عجمية، وقد يكون نزوح زناتة إلى المنطقة خلال القرن الرابع الهجري عندما كسرت دولة زناتة فنزلوا بأرض بودة فوجدوا مياه وادي جير قد جفت فبدأوا بالحفر والبحث عن الماء حتى تمكنوا من استخراج الماء، واتخذوا من مجرى الوادي بساتين وجنات وحفروا الفقاقير وبنوا القصور».

كما ذكر الشيخ محمد الطيب بالحاج عبد الرحيم المنياري في مخطوطة «القول البسيط في أخبار تمنطيط» أن الأقباط الذين هاجروا إلى المنطقة في وقت مبكر، قد جلبوا معهم فكرة الفقارة إلى منطقة توات من موطنهم الأصلي مصر الذي وصله بدوره من بلاد العرب.

نظام الفقارة.. هكذا رُوّضت الجغرافيا في صحراء الجزائر

لطالما ارتبطت حياة سكان الصحراء بتوفر المياه، لأنها سبب وجود الحياة في مناطق يشحّ فيها الماء، وهو الأمر الذي زاد من تحديات ساكنة الصحراء الجزائرية وجعلهم يفكرون في حلٍّ ينهي تنقلاتهم اليومية بحثًا عن الماء؛ ليجدوا ضالتهم في الفقارة، وهي أسلوب ريٍ يُمدّهم بالمياه يتكوّن من سلسلة من الآبار المترابطة، تكون مرتفعة من جهة ثم تنزل رويدًا رويدًا إلى أن يسير الماء في منحدر يسمح بانتشاره في سواقي، تمكّن من بلوغ المساحات المراد سقيها من المزروعات وواحات النخيل. وتعتمد على توزيع عادلٍ للمياه بين المساحات المسقية، بطريقة تقليدية كما أنها وسيلة للتزود بماء الشرب أيضًا.

وفي زيارة قام بها «ساسة بوست» إلى محافظة أدرار بالجنوب الجزائري، حيث تنتشر هذه التقنية بين بلديات وواحات المحافظة؛ وجد أنّ التقنية الضاربة في عمق التاريخ تعاني من الإهمال، وتعيش حسب المختصين في صيانتها الذين تحدثوا إلى «ساسة بوست» مرحلة الانقراض، إذ تعمل حاليًا نسبة 10% فقط من مجموع الفقارات المتواجدة بالمحافظة؛ بينما اختفت العشرات بين الإهمال وفوضى الميراث.

ولمعرفة تقنية عمل الفقارة؛ رافق «ساسة بوست» المهندس عبد الحميد بوشارب المتخصص في صيانة الفقارات إلى بعض فقاقير مدينة أدرار، وأوضح أنّ «الفقارة هي نظام يستخدم لنقل المياه الجوفية إلى سطح الأرض لاستعمالها في الشرب والري وسقي المواشي».

ويضيف عبد الحميد «تتكون الفقارة من أجزاء متكاملة، إذ تعتمد كل واحدة منها على الأخرى. وتوجد البئر الأم (عمودي) في أعلى منطقة من أجل الوصول إلى منبع المياه، ثم تضاف سلسلة من الآبار تسمى آبار الخدمة، ينبثق من البئر الأم نفق موجه أفقيًا بشكل انحداري إلى الأماكن الزراعية والقرى التحتية، وينتهي إلى سطح الأرض، ويمثل مخرجًا للمياه». ويضيف المهندس الجزائري: «في الاتجاه نفسه، توجد آبار الخدمة على مسافة تقدّر بـ 50 إلى 500 متر تقريبًا بهدف خروج أي أتربة منها وتوفير متنفس هوائي للنفق، وأيضًا لأن القناة تحتاج ترميمًا إن حدث أي إشكالٍ».

ولم يقتصر تأثير الفقارة على الجانب الزراعة والري؛ بل تعداه حتى إلى عادات وتقاليد ساكنة الصحراء الجزائرية، وفي هذا السياق يذكر الدكتور جعفري أستاذ بالجامعة الأفريقية بأدرار أنّ «الفقارة ارتبطت أيضًا في حياة المجتمع بمعظم العادات والتقاليد المعروفة، فإذا حلّ إنسان بقصر ما جيء له بماء الفقارة ليعاود المجيء إلى القصر مرّة أخرى؛ لأنهم يعتقدون أن من شرب ماء فقارة عاد إليها ولو بعد مدة».

مضيفًا أنه: «إذا خرجت العروس من عشّها الزوجي توجهت أولًا إلى الساقية وتخطت عليها ثلاثًا، رمزًا للثبات والتشبث بالأرض وبعد ذلك تغرف منها ما تشربه في وقتها أملا في الاستقرار والطمأنينة، وتسقي جميع البنات من حولها أملًا في زوج المستقبل. والصبي كذلك حين يحفظ القرآن الكريم ويشرع في مراسيم احتفاله المعهودة يتوجه صوب الساقية أيضًا ليشرب ويتخطى هو الآخر. وفي حال وفاة شخص ما داخل القصر فإن جميع ملابسه تُخرج إلى الساقية علنًا لتغسل وتنشر هناك، وأخيرًا فإنه وفي يوم عاشوراء من كل سنة، فإن النساء يتوجهن إلى السواقي لملئ الأواني والجرار. ومن ثم التوجه بها إلى القبور في محاولة لبعث روح الحياة من جديد في جسد الميت كما يقال ويعتقد».

شبح الانقراض يهدد نظام الفقارة للري

يرى عبد النور زياني أحد فلاحي منطقة أزجمير بمحافظة أدرار في حديثه مع «ساسة بوست» أنّ تقنية الري المعروفة بالفقارة، باتت اليوم تصارع من أجل البقاء بعد أن أهملت من طرف الفلاحين اليوم، وخسرت صراعها مع التكنولوجيا الحديثة، ويقول عبد النور «أهملنا وتخلينا عن الفقارة وعن الساقية التي عمل أجدادنا أغلب حياتهم فيها ولأجلها حتى يطوروها لتتلاءم مع حياتنا اليوم؛ لقد اخترنا التكنولوجيا على موروثنا الحضاري».

ساقية الفقارة

 وبالرغم من ذلك؛ لا تزال الفقارة تصارع الحياة من أجل الحياة؛ فقد شهدت خلال السنوات الأخيرة الفقارات اهتمامًا رسميًا من طرف حكومة الجزائر، وذلك من خلال برامج وطنية تهدف إلى ترميم وصيانة الفقارات فضلًا عن تنظيم سلسلة ملتقيات وطنية ودولية حول هذا الموروث الحضاري الاقتصادي، الذي لا يتطلب في استغلال الماء أية كهرباء مثلًا أو معدات أو أعباء متراكمة، وذلك حفاظًا على نظام الري التقليدي من الاندثار.

كما يعمل مستغلوا هذا النظام على الحفاظ عليه من خلال تلقينه للأجيال اللاحقة والعمل على تدريس نظام تقسيم المياه إلى الشباب؛ ناهيك عن ظهور جمعياتٍ تعنى بالفقارة والتعريف بها وفوائدها.

وعلى المستوى الرسمي وضعت الحكومة الجزائرية نصوصًا قانونية لحماية الفقارة ومنها القرار الحكومي رقم 426 الصادر بتاريخ 23 يونيو (حزيران) 1996، والذي ينص في كل بنوده على ضرورة حفظ وحماية الفقارة الحية منها والميتة وجاء القرار في 13 مادة من أهمها:

1. في حالة إنشاء فقارة جديدة يكون عمق الفقارة المنجزة يوازي عمق أقرب فقارة.

2. لا يتم أي تنقيب على الماء إلا بعد مشورة ومصادقة المصالح التقنية المختصة وممثلي الفقارة.

3. لا يجوز إقامة أي بناية سكنية بدون مراعاة المعطيات التقنية وفي كل الحالات لا تقل مسافتها عن 10 أمتار من محور الفقارة.

4. لا تمنح رخصة البناء لكل بناية ذات استعمال صناعي أو تجاري يقل عن الفقارة على ما يلي: (20 مترًا للبنايات التي من شأنها انبعاث الضجيج ومائة متر للبنايات التي من شأنها إنتاج مواد سامة أو خطيرة تخضع لما جاء به قانون المياه.

5. لا يرخص إقامة أي بناء عند المنبع الرئيسي أو الفرعي للفقارة على مسافة تقل عن 35 مترًا من كل الجوانب.

6. تمنع إقامة المساحات الخضراء على ظهر الفقارة وحريمها.

7. يمنع رمي القاذورات بجانب أو داخل فوهات الفقاقير.

8. يلزم القرار تجميع وبناء فوهات الفقاقير على شكل دائري داخل النسيج العمراني.

تاريخ

منذ 5 شهور
بديع الزمان الجزري.. المهندس المسلم الذي اخترع أوّل روبوت في التاريخ

لكن ورغم وجود هذا التشريع إلا أنّ الفقارات باتت تعاني في السنوات الأخيرة من الإهمال وانعدام النظافة، ناهيك عن ندرة المياه بسبب التنقيب عن المواد البترولية والمعادن النفيسة في الصحراء الجزائرية، ويبقى خطر استهداف الفقارات من طرف المستثمرين في قطاع الفلاحة أكبر خطرٍ يهدد الفقارة ويدفع بها نحو الزوال حسب ما صرّح به فلاحون جزائريون لـ«ساسة بوست».

وتتميز منظومة الري هاته والتي تعاني شبح الانقراض بأنها اقتصادية، إذ لا تتطلب آليات معينة لخروج المياه الجوفية ونقلها من أماكن بعيدة. ويؤدي الانحدار من البئر الرئيسية العالية إلى مخرج النفق السفلي إلى خروج المياه وتسربها إلى سطح الأرض وجريانها طيلة اليوم.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد