بدأت تقاسيم المشهد السياسي الجزائري في التشكّل أخيرًا، وذلك بتوالي إعلان عدّة شخصيات نيّة ترشحها للانتخابات الرئاسية في الجزائر، والمقرر عقدها في 12 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، بعدما فتحت السلطة الوطنية للانتخابات باب الترشح الأسبوع الماضي، وحتى اللحظة تقدم 22 مرشحًا، أبرزهم رئيس حزب «طلائع الحريات»، والوزير الأوّل الأسبق علي بن فليس، الذي كان أوّل معلني ترشحهم للرئاسيات القادمة، بعد أن سحب أوراق الترشّح. الأمر نفسه ينطلي على كلٍ من عبد العزيز بلعيد، المنشق عن حزب «جبهة التحرير الوطني»، وعبد القادر بن قرينة الوزير السابق في حكومات بوتفليقة المتعاقبة، اللذين أعلنا ترشحهما للرئاسيات المقبلة.

وما يزال الضباب يغطّي موقف المؤسسة العسكرية من المرشحين للرئاسيات، ففي الوقت الذي يصرّ فيه قائد الأركان أحمد قايد صالح على حياد المؤسسة العسكرية ووقوفها على مسافةً واحدة بين جميع المترشحين، وعزمها على تسليم السلطة للشعب، يذهب الكثير من المتابعين للشأن الجزائري إلى عجز قيادة الأركان حتى اللحظة عن إيجاد مرشّحٍ لها لحكم الجزائر، متوقعين احتمالية دعم المؤسسة العسكرية لأحد المرشحين الأقرب إلى أطروحاتها.

ومع تردد الأنباء حول عزم الوزير الأوّل الأسبق، عبد المجيد تبون، ترشّحه للرئاسيات المقبلة، دُفع بالكثير إلى إعادة قراءة المشهد على ضوء العلاقة الوثيقة بين تبون وقائد الأركان، والتي كان ينقلها الإعلام الجزائري، ما يوحي بأنّ تبون سيكون في حالة ترشّحه؛ مرشحًا للمؤسسة العسكرية.

في هذا التقرير نستعرض سيناريوهات تعامل المؤسسة العسكرية مع الانتخابات الرئاسية القادمة، على ضوء تردد الأنباء حول ترشح عبد المجيد تبون.

«أردوغان الجزائر».. هل سيكون عبد المجيد تبون رجل المرحلة بعد بوتفليقة؟

«الانتخابات هي  الحل».. شعار ترفعه قيادة الأركان

لم تخل خطابات قائد الأركان الفريق أحمد قايد صالح، ولا بيانات مؤسسة الجيش المتتالية، منذ إعلان المجلس الدستوري إلغاء انتخابات يوليو (تموز) الماضية بسبب رفض الشعب إجراءها؛ من ترديدٍ مسألة أنّ التعجيل بالانتخابات هو حلّ الأزمة في الجزائر. كما لم تدّخر قيادة الأركان أي جهدٍ في سبيل إجراء الانتخابات حتى وصل الأمر إلى فرض إجرائها بعد خطاب القايد صالح بداية هذا الشهر، والذي أعلن فيه موعد إجراء هذه الانتخابات.

ورغم الانتقادات اللاذعة التي واجهتها خطوة قائد الأركان بالإعلان عن موعد إجراء الانتخابات، إلى حدّ التساؤل بتهكم عمن دعا للانتخابات هل القايد صالح أم بن صالح؟ فإنّ قيادة الأركان واصلت مساعيها لضمان إجراء الانتخابات المقبلة وتفادي إلغائها، كما حدث مع موعدين انتخابيين سابقين، وذلك عبر تبني خطاب الترهيب والتخويف لحثّ الجزائريين على قبول إجراء الانتخابات. 

كذلك واصلت قيادة الجيش تضييقها على الحراك الشعبي الرافض إجراء الانتخابات بالصورة الحالية؛ وذلك عبر دعوة قائد الأركان إلى حجز المركبات التي تنقل المتظاهرين إلى العاصمة أيّام المسيرات، وأعطى الضوء الأخضر إلى فرض غرامات مالية على أصحاب المركبات في محاولةٍ منه لخنق الحراك الشعبي الذي يشهد توافد آلاف الجزائريين على العاصمة بصفتها عاصمةً للحراك. 

وفي سياق متصل؛ زادت حملات الاعتقالات التي طالت ناشطين من الحراك ورافضين لإجراء الانتخابات بالصورة الحالية من مخاوف الجزائريين، في وقتٍ أكدت فيه مصادر من وسط الحراك مواصلة رفضها إجراء انتخابات شكلية من زمن النظام السابق، وكما تدفع المؤسسة العسكرية إلى ضرورة إجراء الانتخابات بأي طريقة، سيحاول الحراك منع إجرائها كما فعل مع سابقيها. 

لضمان موقعه.. هل يلعب العسكر لعبة التحالفات في الرئاسيات المقبلة؟

«لا يوجد عندهم مرشّح»

تردد هذه الجملة كثيرًا في نقاشات الجزائريين حول مستقبل البلاد، في إشارة إلى عدم امتلاك المؤسسة العسكرية مرشّحًا مقبولًا تدفع به للرئاسيات، التي تريد تنظيمها في 12 من ديسمبر المقبل، وعلى الرغم من تدافع عدّة الشخصيات لسحب أوراق الترشّح للرئاسيات المقبلة، وفصل العديد من قيادات المعارضة قرارها بالمشاركة أو عدمها، تبقى المؤسسة العسكرية – الفاعل الأكبر في المشهد اليوم- تراقب الوضع عن كثب في غيابٍ صريحٍ للممثل الذي يستطيع إكمال المسار الذي رسمه الجيش منذ إقالة بوتفليقة. 

ويبقى سيناريو دعم المؤسسة العسكرية أحد المرشحين خيارًا حاضرًا لدى قيادة الأركان؛ لتجنب تنظيم انتخاباتٍ دون رسم نتائجها ورسم مستقبل الجزائر معها، ويبقى كلٌ من المرشّح علي بن فليس الوزير الأوّل السابق، والدكتور عبد الرزاق مقري – الذي لم يعلن ترشّحه رسميًّا- وبدرجةٍ أقل عز الدين ميهوبي، الذي ينادي مناضلي حزبه – «التجمع الوطني الديمقراطي»- بترشحه، أبرز الأسماء التي ستتسابق إلى رئسيات ديسمبر المقبل. 

قيادات من الجيش الجزائري

ويرى بعضهم أنّ كلًا من علي بن فليس وعز الدين ميهوبي أبرز المرشحين المحظوظين بدعم المؤسسة العسكرية في حال قررت عدم الدفع بمرشّحٍ لها، خصوصًا أنّ الشخصيتين تعدان من رجال النظام السابق، وسبق لهما تولي مناصب سامية في الدولة، كما سبق لقيادة الأركان دعم علي بن فليس سنة 2004، أثناء ترشحه ضد بوتفليقة. 

وفي هذا السياق يرى المحامي حسن درويش، في حديثه مع «ساسة بوست»، أنّ «المؤسسة العسكرية لن تبقى مكتوفة الأيادي في الانتخابات المقبلة، رغم تأكيد «مجلة الجيش» أنّ عهد صناعة الرؤساء قد ولى»، مبرزًا أنّ «الأسماء المرشحة حتى الآن لا تلقى إجماعًا شعبيًّا؛ وبالتالي سينتظر الجيش مرشحًا ذا قبول نسبي من طرف الشعب ليدعمه».

ولا يستبعد درويش أنّ المؤسسة العسكرية الجزائرية «كما كانت الاستثناء في المنطقة بوقوفها إلى صف الشعب، قد نراها تصطفّ خلف مرشح الشعب حتى ولو كان من الإسلاميين» .

تبون مرشّح العسكر الذي يرتدي زيًّا مدنيًّا

لم يتبادر إلى ذهن الكثيرين أن فترة 83 يومًا قضاها عبد المجيد تبون على رأس الحكومة الجزائرية ستجعله السياسي الأكثر قبولًا بين الجزائريين، مقارنة برجال النظام السابق كلّه؛ فتبون ذلك السياسي الذي ارتبط اسمه بقضية الفساد التي هزت «بنك الخليفة» في بداية هذه الألفية، والذي بات اسمه مرتبطًا بمحاربة الفساد، بعد الحملة التي شنّها حين كان وزيرًا أوّل صيف سنة 2017 على رجال الأعمال، والتي كانت سببًا مباشرًا في إطاحته، من المحتمل أن يعود إلى المشهد السياسي من جديد، بعد تناقل أوساطٍ إعلامية جزائرية أخبار عزمه الترشّح للرئاسيات المقبلة. 

ويُعرف عن عبد المجيد تبون قُربه من المؤسسة العسكرية خلال فترة توليه منصب الوزير الأوّل في أغسطس (أب) 2017، ولعلّ أبرز ما رسّم العلاقة بين تبون والفريق أحمد قايد صالح هي تلك الصورة التي التقطت للرجلين في إحدى أنشطة الحكومة، ويظهر فيها الفريق أحمد قايد صالح يشعل السيجارة لتبون. 

ويذهب ياسين مقبض أستاذ العلوم السياسية بـ«جامعة غارداية» إلى أبعد من ذلك، في حديثه مع «ساسة بوست»، بتأكيد أن الحملة التي شنّها تبون على رجال الأعمال صيف 2017؛ والمتمثلة في مشروع فصل المال عن السياسة، كانت بإيعازٍ من المؤسسة العسكرية، وأن أوّل رجل عُوقب بعد الحراك الشعبي كان رجل الأعمال علي حداد، الذي قاد مؤامرة إسقاط تبون سنة 2017. 

وكان عبد المجيد تبون قد أُقيل من منصبه بعد 83 يومًا فقط من تعيينه، بعد حملة تشويهٍ قادها رجل الأعمال القابع حاليًا في السجن، علي حداد، والذي كان مدعومًا من طرف السعيد بوتفليقة القابع هو الآخر في السجن.

وبعودة تبون إلى الساحة مرشّحًا للرئاسيات؛ تتأكد عدّة معطياتٍ حول حسم الجيش لمرشحه في الرئاسيات السابقة، فعلاوةً على العلاقة بين تبون والقايد صالح، يرى بعضهم أنّ السبب الرئيس لاعتقال المجاهد لخضر بورقعة هو تصريحه بأن «الجيش فصل في أمر مرشّحه للانتخابات الرئاسية القادمة، وهذا الشخص لا يوجد إلّا في رأس قائد الأركان الفريق أحمد قايد صالح»، والذي فُهم حينها أنّ المعني بهذه التصريحات هو عبد المجيد تبون.

بدوره يرى حسن درويش أنّ خيار تبون يبقى الأقوى للمؤسسة العسكرية؛ لأنّ أوراق بقية المرشحين محترقة في وسط الشارع الجزائري، دون أن نغفل التلميع الذي تقوده وسائل الإعلام المقربة من الجيش والسلطة لتبون، والتي تصوّره على أنّه منقذ الجزائر. 

جديرٌ بالذكر أنّ اسم تبون طرح في قضية الفساد بمجمع خليفة، والتي أكّد وزير العدل بلقاسم زغماتي عزم القضاء إعادة فتح ملفها، كما أن ابن تبون متهم في قضية البوشي المتهم فيها عدّة وزراء ومسؤولين بإغراق الجزائر بشحنة من الكوكايين، وهي الملفات التي قد تقف في وجه ترشّح تبون للرئاسيات، وربما تدفع به إلى السجن. 

وإلى غاية كتابة هذه الأسطر لم يعلن عبد المجيد تبون عن ترشّحه رسميًّا، رغم أنّ مصادر قريبة منه أكدت لـ«ساسة بوست» عزمه سحب أوراق ترشحه في  الساعات القادمة. 

سلطة المال.. كيف انتصر رجال الأعمال على «تبون» في الجزائر؟

المصادر

تحميل المزيد