يقصد بالتكتيك العسكري تنظيم القوات العسكرية وتقنيات استخدام الأسلحة أو الوحدات العسكرية في مواجهتها مع العدو في المعركة. وتنعكس التغيرات الفلسفية والتقنية على مر الزمان على التغيرات في التكتيكات العسكرية.

نحاول في هذا التقرير التعرف على بعض من أبرز التكتيكات العسكرية المستخدمة في الحروب عبر التاريخ، بشكل مبسط وأقرب لفهم القارئ العادي غير المتخصص في الميدان العسكري.

1- الاستنزاف

قاذقة مصرية تغير على مواقع إسرائيلية خلال حرب الاستنزاف

 

هو مصطلح ذو بعد استراتيجي، يقصد به إضعاف العدو ودفعه إلى الانهيار عن طريق إحداث خسائر بشرية وعسكرية فادحة، وعادة تكون الجهة المنتصرة في الحرب هي التي تمتلك أكبر عدد من المصادر والاحتياطات، ويمكن اعتبار حرب فيتنام مثالاً على حروب الاستنزاف، إذا هدفت الاستراتيجية الأمريكية إلى إضعاف الخصم إلى أن يفقد قدرته على المواصلة في الحرب.

وهكذا يمكننا القول بأن حرب الاستنزاف تمثل محاولة لطحن العدو من خلال الأعداد المتفوقة، وهذا الأمر يخالف المبادئ العادية للحروب (إن كانت للحروب مبادئ أصلا) فالانتصارات الحاسمة تتحقق من خلال المناورات، وتركيز القوة، والمفاجأة، وغير ذلك.

من ناحية أخرى، يلاحظ أيضا أن الجانب الذي يدرك بأنه المتضرر الأكبر في حروب المناورة، يبحث عن حرب الاستنزاف لكي يهزم تفوق خصمه، وإذا كان كلا الجانبين متقاربين في القوة، فإن نتيجة حرب الاستنزاف تكون غالباً انتصاراً باهظ الثمن.

ومن الناحية التاريخية، يلاحظ أن طرق الاستنزاف لا تتم عادة، إلا بعد الوصول إلى قناعة بأن الطرق الأخرى فاشلة أو غير ممكنة عملياً.

2- الخنادق

الحرب العالمية الأولى أشهر مثال على تطبيق حرب الخنادق

 

هي شكل من أشكال الحرب يأخذ المقاتلون فيها مواقع محصنة بخطوط قتال جامدة، في خنادق ممتدة وطويلة، حيث القوات مؤمنة من الأسلحة النارية الخفيفة المعادية ومحمية من قذائف المدفعية، ظهرت لعدم مواكبة تقنيات المناورة للثورة التقنية التي شهدتها الأسلحة النارية، وتعد الحرب العالمية الأولى أبرز مثال على استخدام الخنادق، إذ ضحى الكثير من الجنود بأرواحهم في معارك الهجوم على الخنادق المعادية، إذ يعتمد الهجوم على ركض الجندي بنفسه للوصول إلى خنادق عدوه ثم اقتحامها وإخلائها من الأعداء مع محاولة تجنب الألغام والرصاص والقنص والمدفعية وأيضا الطرف المدافع الذي يتوقع بأية لحظة هجوما بريا ضخما أو قصفا مدفعيا أو هجوما بالغازات السامة.

عموما، يبنى النطاق الدفاعي الواحد من 4 خطوط متوازية من الخنادق يصل فيها عمق الخندق حتى 2.4 م وعرض 1.8 م، إذ يسمح بمرور فردين. يسمى الخط الأول بخنادق النيران (Firing Trenches) والخط الثاني عبارة عن خنادق ساترة (Cover Trenches) الخط الثالث خنادق دعم (Support Trenches) والخط الرابع خنادق احتياط (Reserve Trenches) وتربط الخطوط الأربعة بخنادق مواصلات (Communications) تحقق الاتصال الرأسي (من الخلف إلى الأمام) ومن خلالها يتم تحرك الجنود من خط إلى آخر ويتم وصول الإمدادات من الخلف ـ ويفصل بين الجانبين المتحاربين أرض حرام (No Man’s Land) يتراوح عرضها بين 30 م و 1500 مً في بعض قطاعات الجبهة.

3- الحصار

مواطنون بوسنيون خلال حصار سراييفو من قبل القوات الصربية بين عامي 1992 و 1996

 

يقصد بالحصـار من الناحية العسكرية الاستراتيجية عمل دورية على سواحل بلد العدو بالسفن الحربية، والطائرات، لمنع البلد من تلقي السلع التي يحتاج إليها لشن الحرب. ويُمكن أن يكون الحصار بإحاطة مدينة أو حصن بهدف الاستيلاء عليه أو استسلامه، ومن أهم عمليات الحصار وأشهرها عبر التاريخ حصار قرطاج الذي قام به الرومان، وحصار الطائف في عهد الرسول مُحمَّد صلى الله عليه وسلم، وحصار القسطنطينية وستالينجراد وقطاع غزة وغيرها. ويُمكن للجيوش التي تملك قوات كافية أن تستخدم الحصار لتمنع أعداءها من الحصول على الأسلحة، والذخيرة، والأطعمة، من الأقطار المحايدة.

من الناحية القانونية، ليس لأي بلد الحق في إعلان الحصار إلا إذا كانت له الصلاحية لفرضه وفقًا للقانون الدولي. وقد وُضعت هذه القاعدة في إعلان باريس بعد نهاية حرب القرم سنة 1856، ليتم وضع قواعد الحصار الأخرى في إعلان لندن سنة 1909، وقد نص هذا الإعلان على إعلان البلد حالة الحصار رسميًا وإخطار الأقطار المحايدة، كما ينص الإعلان أيضًا على تجنب امتداد الحصار إلى أبعد من السواحل والموانئ التي تتبع العدو أو تلك التي احتلها.

يستخدم أيضا نوع آخر من الحصار، هو الحصار وقت السلم، وقد فرضه مثلا رئيس الولايات المتحدة جون كنيدي على كوبا عام 1962 لوقف شحنات الصواريخ إليها، وفي السنوات الأخيرة فرضت الأمم المتحدة، من خلال مجلس الأمن، حصارًا على بعض الدول كالعراق وليبيا والسودان. والمعروف أن للدول الكبرى دائمة العضوية في مجلس الأمن تأثيرًا واضحًا على قراراته.

4- حرب العصابات

فصائل المقاومة الفلسطينية تنتهج تكتيك حرب العصابات في مواجهتها مع قوات الاحتلال الإسرائيلي

 

تعتبر حرب العصابات واحدة من أشهر التكتيكات الحربية المستخدمة في الوقت الحالي، وهي حرب غير تقليدية، بين مجموعات قتالية يجمعها هدف واحد وجيش تقليدي، حيث تتكون هذه المجموعات من وحدات قتالية صغيرة نسبيا مدعمة بتسليح أقل عددا ونوعية من تسليح الجيوش، وتتبع أسلوب المباغتة في القتال ضد التنظيمات العسكرية التقليدية في ظروف يتم اختيارها بصورة غير ملائمة للجيش النظامي، إذ يتفادى مقاتلو حروب العصابات الالتحام في معركة مواجهة مع الجيوش التقليدية لعدم تكافؤ الفرص، فيتم اللجوء إلى عدة معارك صغيرة ذات أهداف استراتيجية يحددون هم مكانها وزمانها لتحقيق تأثير موجع للخصم.

وتتركز أغلب أهداف مقاتلي حروب العصابات في الاستطلاع والرصد والتجسس لتحركات الجيش المعادي لصالح عملياتهم، تخريب خطوط اتصال الجيش المعادي، تحقيق أكبر الخسائر في خطوط تموينه، توجيه ضربات سريعة وحاسمة في قوات الدعم اللوجستي، ضرب بعض النقاط الاستراتيجية التي يملكها الجيش المعادي، تنفيذ عمليات الاغتيال والخطف، ثم شن حرب نفسية ضد القوات المعادية عن طريق بث الشائعات التي من شأنها إضعاف الثقة بين أفراد قواتها، ولعل أشهر الأمثلة التي برزت فيها أهمية حروب العصابات، حرب المقاومة الريفية ضد الإحتلال الإسباني في المغرب، الثورة الكوبية، حرب فيتنام ضد الغزو الأمريكي، حرب الشيشان، المقاومة الفلسطينية واللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي، وغيرها.

5- التطويق

جنود سوفييت خلال معركة كسر الحصار عن ستالينغراد وتطويق القوات الألمانية

 

يرمز التطويق كمصطلح عسكري إلى فصل هدف أو وحدة عسكرية عن باقي القوات الصديقة وحصارها من كافة الجهات من قِبل القوات المعادية، وهو وضع بالغ الخطورة بالنسبة للقوات المُحاصرة، فعلى الجانب الاستراتيجي لا تستطيع تلك القوات تلقّي الدعم أو التعزيزات، في حين يصبح موقفها التكتيكي أكثر حرجًا لاحتمال تعرضها للهجوم من مختلف الجهات كما أنها لا تمتلك القدرة على الانسحاب وعليه تصبح أمام خيارين فقط، إما القتال حتى تُباد بأكملها أو الاستسلام للقوات المعادية.

استُخدم التطويق على مدار القرون المتعاقبة من جانب العديد من القادة العسكريين، لعل أبرزهم رمسيس الثاني والإسكندر الأكبر وخالد بن الوليد وحنبعل ونابليون وغيرهم، كما اقترح سون تزو في كتابه فن الحرب ضرورة عدم تطويق الجيش بأكمله بل إعطاء مساحة لتلك القوات المُحاصرة للهروب وذلك لعدة عوامل نفسية، أهمها: إيمان تلك القوات المُحاصرة بمصيرها المحتوم، ومن ثمّ استماتتها في القتال والدفاع عن نفسها مما يُكبّد القوات المُهاجمة خسائر في غنى عنها، وقد طبقت هذه النظرية في معركتي دونكيرك عام 1940 وجيب فاليز عام 1944 خلال الحرب العالمية الثانية.

اقرأ أيضًا: تعرف على أبرز القادة العسكريين الأكثر عبقرية في التاريخ

يمكن اعتبار الكماشة المزدوجة إحدى أساليب التطويق الرئيسية، إذ تقوم على مهاجمة أجنحة الجيش أثناء المعركة، فيما تتولى القوات المتحركة سواء كانت مشاة خفيفة أو فرسان أو دبابات أو ناقلات جنود مدرّعة مهمة اقتحام الصفوف باستخدام سرعتها الفائقة وقدرتها القتالية، وبالتالي تتمركز وراء الخطوط الخلفية للعدو لتغلق الحلقة حول القوات المعادية التي تصبح محاصرة من كافة الجهات، ويُعد تطويق الجيش الألماني السادس أثناء معركة ستالينغراد عام 1942 خلال الحرب العالمية الثانية خير مثال تكتيكي على ذلك.

 

6- الأرض المحروقة

الآبار النفطية الكويتية المحروقة خلال حرب الخليج 1991

 

سياسة الأرض المحروقة، كما يدل على ذلك اسمها، هي استراتيجية عسكرية تعتمد على إحراق أي شيء قد يستفيد منه العدو عند التقدم أو التراجع في منطقة ما، في البداية كان المصطلح يشير إلى إحراق المحاصيل الفلاحية لعدم استعمالها من طرف العدو كمؤونة، ليشمل الآن إحراق المنتوجات الغذائية وتدمير الهياكل الأساسية مثل المأوى والنقل والاتصالات والموارد الصناعية. وقد يتبع الجيش هذه السياسة في أرض العدو أو في أرضه، ويمكن للمفهوم أن يتداخل مع تدمير موارد العدو بشكل عقابي، وهو ما يحدث كاستراتيجية بحتة لأسباب سياسية بدلا من الاستراتيجية التنفيذية.

تعد روسيا أبرز منفذ لهذا النوع من الحروب، فقد طبقتها عدة مرات امام التتار وخلال الاجتياح الفرنسي لروسيا بقيادة نابليون بونابرت والألمان خلال الحرب العالمية الثانية، مستفيدة من الطبيعة الطبوغرافية والمناخية للبلاد من حيث الحرارة شديدة الانخفاض التي تصل أحيانا إلى 15 تحت الصفر والارض ذات الطبيعة الجليدية، وقد أثبت هذا النوع فعاليته الكبيرة، فقد قهر نابليون وتسبب في تراجع الألمان في منتصف الحرب العالمية الثانية.

أبرز مثال آخر على تطبيق سياسة الأرض المحروقة هو إحراق قوات الجيش العراقي لآبار النفط الكويتية قبل انساحبها من البلاد سنة 1991 بعد غزوها واندلاع حرب الخليج.

عرض التعليقات
تحميل المزيد